فحص منزلي بسيط قد يخفض وفيات سرطان القولون والمستقيم بأكثر من 40%.. لكن ثلث المدعوين لا يرسل العينة

دراسة ضخمة: المشاركة في فحص سرطان القولون منزليًا ارتبطت بانخفاض الوفيات 43%

قد يكون الكشف المبكر عن سرطان القولون والمستقيم أقرب وأبسط مما يتصور كثيرون، إذ تشير دراسة سويدية واسعة إلى أن المشاركة الفعلية في برنامج فحص منزلي للبراز ارتبطت بانخفاض مقداره 43% في خطر الوفاة بسرطان القولون والمستقيم، وفق تقديرات الباحثين بعد معالجة عدد من العوامل التي قد تؤثر في النتائج.

لكن الدراسة كشفت في الوقت نفسه عن مشكلة كبيرة تحد من فاعلية برامج الفحص: نحو ثلث الأشخاص الذين تصلهم أدوات الفحص عبر البريد لا يعيدون إرسال عينات البراز.

وتشير النتائج إلى أن إرسال الدعوة وحده لا يكفي لتحقيق الفائدة الصحية الكاملة؛ إذ يعتمد تأثير برامج الكشف المبكر بدرجة كبيرة على استعداد الأشخاص للمشاركة وإعادة العينة، ثم استكمال الفحوص المطلوبة إذا ظهرت نتيجة إيجابية.

الدراسة أجراها باحثون من معهد كارولينسكا وجامعة أوميو في السويد، وتابعت بيانات 376,511 شخصًا لمدة وصلت إلى 14 عامًا، ونُشرت في دورية JAMA Network Open .

اختبار يصل إلى المنزل كل عامين

في السويد، يحصل الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 60 و74 عامًا على أدوات فحص سرطان القولون والمستقيم عبر البريد كل عامين.

ولا يحتاج الشخص إلى الذهاب إلى المستشفى أو الخضوع مباشرة إلى منظار القولون؛ إذ يجمع عينة صغيرة من البراز في المنزل ويرسلها إلى المختبر، حيث يتم البحث عن كميات ضئيلة من الدم لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة.

ويُعرف الاختبار المستخدم باسم اختبار الدم الخفي المناعي في البراز FIT، وهو مصمم للكشف عن الدم البشري في البراز، والذي قد يكون أحد المؤشرات على وجود سلائل أو سرطان في القولون والمستقيم.

لكن إرسال الاختبار إلى المنزل لا يعني بالضرورة استخدامه.

فوفق البيانات التي تناولتها الدراسة، نحو ثلث أدوات الفحص لا تعود إلى البرنامج.

وهذه الفجوة بين من يحصل على الاختبار ومن يستخدمه هي التي دفعت الباحثين إلى دراسة مقدار الفائدة التي يمكن أن تتحقق بالفعل عند المشاركة.

المشاركة ارتبطت بانخفاض 43% في خطر الوفاة

تابع الباحثون مئات الآلاف من الأشخاص على مدى سنوات طويلة، ووجدوا أن الأشخاص الذين شاركوا فعليًا في برنامج الفحص كان لديهم، وفق تقديرات الدراسة، انخفاض بنحو 43% في خطر الوفاة بسرطان القولون والمستقيم.

أما مجرد تلقي الدعوة إلى الفحص، حتى دون إعادة العينة، فارتبط بانخفاض مقداره 26% في خطر الوفاة بعد معالجة بعض التشوهات التي ظهرت في المقارنة بين المجموعات.

وهنا يجب التمييز بين الرقمين.

فالـ26% يتعلق بتقدير أثر الدعوة إلى المشاركة، بينما الـ43% هو تقدير للارتباط بين المشاركة الفعلية في الفحص وانخفاض خطر الوفاة.

ولا يعني ذلك أن كل شخص يعيد عينة البراز سيحصل بالضرورة على انخفاض فردي بنسبة 43% في خطر الوفاة، بل يعكس تقديرًا على مستوى السكان والمجموعات بعد استخدام أساليب إحصائية لمعالجة عوامل مربكة في تصميم البرنامج.

لماذا كانت التقديرات السابقة أقل بكثير؟

هذه ليست المرة الأولى التي يدرس فيها الباحثون البرنامج السويدي.

ففي تقييم سابق لنفس السكان، ظهر أن الأشخاص الذين تلقوا الدعوة للفحص لديهم خطر وفاة أقل بنحو 14%.

لكن الباحثين اكتشفوا لاحقًا أن المقارنة الأصلية تأثرت بعوامل مرتبطة بطريقة إدخال السكان إلى البرنامج وبمدة استمرار المتابعة.

فقد جرى تقسيم مجموعات من مواليد 1938 إلى 1954 بصورة عشوائية إلى مجموعات مختلفة، وبدأت الدعوات الأولى بين عامي 2008 و2012.

ومع مرور الوقت، حصل جزء من مجموعة المقارنة أيضًا على دعوة للفحص.

وكان هناك عامل آخر أكثر تعقيدًا؛ فمن بين 856 وفاة بسرطان القولون والمستقيم في المجموعة التي خضعت للفحص، حدثت 455 وفاة لدى أشخاص ظهر سرطانهم بعد مرور أكثر من عامين على آخر دعوة حصلوا عليها.

وبالتالي، فإن بعض الوفيات حدثت بعد فترة طويلة من انتهاء فترة الفحص التي كان يفترض أن تغطيها المقارنة الأصلية.

استخدم الباحثون طريقة إحصائية لمعالجة هذه التشوهات، وهو ما أدى إلى رفع تقدير أثر الدعوة من 14% إلى 26%.

ثم استخدموا التحليل لتقدير الفرق المرتبط بالمشاركة الفعلية، فوصل التقدير إلى 43%.

الاختبار مجاني.. فلماذا لا يشارك ثلث المدعوين؟

المثير في نتائج الدراسة أن التكلفة المالية ليست السبب الرئيسي لعدم المشاركة؛ فالبرنامج يوفر الفحص مجانًا، كما أن إجراء الاختبار في المنزل بسيط نسبيًا.

ويرى الباحثون أن إزالة الحواجز أمام المشاركة يمكن أن تكون واحدة من أهم الطرق لزيادة فاعلية برامج الكشف المبكر.

وقد قدم البرنامج السويدي مثالًا عمليًا على ذلك عندما انتقل في عام 2015 من الاختبار الكيميائي القديم المعروف باسم Hemoccult إلى اختبار FIT الذي يعتمد على الأجسام المضادة للكشف عن الدم البشري.

وبعد هذا التغيير، ارتفعت المشاركة بنحو 10%.

وهذا يشير إلى أن جعل عملية الفحص أسهل وأكثر وضوحًا قد يكون له تأثير كبير في عدد الأشخاص الذين يستكملون الفحص.

المشكلة ليست في إرسال الاختبار فقط

يؤكد الباحثون أن نجاح برنامج الفحص لا يقاس بعدد الرسائل أو الأدوات التي يتم إرسالها، وإنما بعدد الأشخاص الذين يستخدمونها بالفعل ثم يستكملون الإجراءات المطلوبة.

وهذه النقطة مهمة بصورة خاصة لأن الأشخاص الذين يشاركون في برامج الفحص ليسوا بالضرورة عينة عشوائية من المجتمع.

فالأشخاص الذين يرسلون العينات قد يكونون، في المتوسط، أكثر اهتمامًا بصحتهم وأقل تعرضًا لبعض عوامل الخطر من الأشخاص الذين لا يشاركون.

ولهذا فإن زيادة المشاركة بين الأشخاص الأكثر عرضة للخطر قد ترفع الفائدة الإجمالية للبرنامج بصورة أكبر.

ماذا يحدث إذا كانت نتيجة الفحص إيجابية؟

اختبار FIT ليس تشخيصًا نهائيًا للسرطان.

فوجود الدم في البراز يمكن أن تكون له أسباب متعددة، ولذلك فإن ظهور نتيجة إيجابية يستدعي عادة إجراء تنظير القولون لاستكمال التقييم ومعرفة مصدر النزيف.

وهنا تظهر فجوة ثانية في منظومة الكشف المبكر.

فقد تخطى نحو 13% من الأشخاص الذين ظهرت لديهم نتائج إيجابية خطوة تنظير القولون المطلوبة للمتابعة.

وهذا يعني أن إرسال عينة الفحص وحده لا يكفي؛ إذ يجب أن تستمر رحلة التشخيص حتى نهايتها عندما تشير النتيجة إلى ضرورة إجراء فحص إضافي.

وكانت مجموعة الباحثين نفسها قد وجدت في تحليل سابق أن الأشخاص الذين يتخطون تنظير القولون بعد نتيجة إيجابية يواجهون خطرًا أعلى بكثير للإصابة بسرطان القولون والمستقيم.

ولذلك لم يُدخل الباحثون حالات تنظير القولون الفائتة ضمن حساب تقدير الـ43%، ما يعني أن الرقم لا يمثل بالضرورة التأثير الكامل المحتمل لبرنامج الفحص إذا جرى الالتزام بجميع خطوات المتابعة.

سرطان القولون والمستقيم لم يعد مشكلة كبار السن فقط

تأتي أهمية برامج الكشف المبكر في وقت يتزايد فيه الاهتمام عالميًا بارتفاع معدلات سرطان القولون والمستقيم لدى فئات عمرية أصغر.

فعلى الرغم من أن البرنامج السويدي يستهدف الأشخاص بين 60 و74 عامًا، فإن معدلات الإصابة بسرطان القولون والمستقيم ارتفعت في عدد من الدول بين البالغين الأصغر سنًا.

وترتبط زيادة الخطر بمجموعة واسعة من العوامل، من بينها زيادة الوزن، واستهلاك الكحول، واللحوم المصنعة، وأنماط الغذاء غير الصحية، إلى جانب عوامل أخرى وراثية وبيئية ومرتبطة بنمط الحياة.

ولهذا تبرز تساؤلات حول مدى ملاءمة برامج الفحص التي تعتمد على العمر وحده مع تغير خريطة المرض.

من الفحص الجماعي إلى الكشف حسب مستوى الخطر

يرى الباحثون أن المرحلة التالية من تطوير برامج الفحص قد تتجاوز مجرد تحديد الأشخاص حسب سنة الميلاد.

فبدلًا من تقديم الاختبار بالطريقة نفسها لجميع الأشخاص في الفئة العمرية ذاتها، يمكن مستقبلًا تصميم استراتيجيات فحص أكثر تخصيصًا وفق مستوى الخطر الفردي.

ويشمل ذلك دراسة الفواصل الزمنية بين الاختبارات، وكذلك مستوى الدم الذي يؤدي إلى اعتبار نتيجة FIT إيجابية.

ويبحث الفريق حاليًا ما إذا كانت الحدود المستخدمة للكشف عن النتائج الإيجابية مناسبة بالقدر نفسه للرجال والنساء، إلى جانب مراقبة جودة البرنامج على مستوى البلاد.

السرطانات التي تظهر بين جولتي الفحص

من المؤشرات المهمة التي يعتزم الباحثون متابعتها ما يعرف باسم السرطانات الفاصلة أو Interval cancers.

وهي الحالات التي يتم تشخيصها بسرطان القولون والمستقيم بين جولتي فحص، رغم أن الشخص سبق أن حصل على نتيجة سلبية.

وتكتسب هذه الحالات أهمية لأنها تساعد في تقييم مدى كفاءة الاختبار وفترات الفحص، فظهور سرطان بعد نتيجة سلبية لا يعني بالضرورة أن البرنامج فشل، لكنه يوفر معلومات مهمة حول حساسية الاختبار وطبيعة الأورام وتوقيت ظهورها.

بدائل جديدة للكشف المبكر

ولا يتوقف البحث عن طرق الكشف المبكر عند عينات البراز.

فالعلماء يختبرون أيضًا وسائل أخرى، بينها تحاليل الدم القادرة على البحث عن الحمض النووي المرتبط بالأورام، إلى جانب أبحاث تدرس ما إذا كانت بعض التغيرات في ميكروبات الفم أو الأمعاء يمكن أن تحمل إشارات مبكرة إلى سرطانات الجهاز الهضمي.

لكن اختبار FIT يظل جذابًا لبرامج الفحص السكاني بسبب بساطته وإمكانية إجرائه في المنزل وتكلفته المنخفضة نسبيًا مقارنة بإجراءات تشخيصية أكثر تعقيدًا.

الرقم 43% ليس نهاية القصة

تقدم الدراسة السويدية رسالة واضحة لبرامج الصحة العامة: إتاحة الفحص لا تساوي الاستفادة منه.

فحتى أفضل برنامج للكشف المبكر لن يحقق كامل إمكاناته إذا تجاهل الناس أدوات الفحص المرسلة إليهم، أو إذا لم يستكملوا تنظير القولون عند ظهور نتيجة إيجابية.

وفي الدراسة، ارتبطت المشاركة في الفحص المنزلي بانخفاض مقدر قدره 43% في خطر الوفاة بسرطان القولون والمستقيم، بينما ارتبطت الدعوة وحدها بانخفاض مقدر بـ26%.

لكن الباحثين أنفسهم يشيرون إلى أن الرقم لا يزال تقديرًا يعتمد على بيانات طويلة الأمد، وأن النتائج تتأثر بمن يشارك ومن لا يشارك وبنوع الاختبار المستخدم خلال سنوات المتابعة.

كما أن الدراسة جمعت نتائج فترة استخدم فيها البرنامج السويدي الاختبار الكيميائي القديم واختبار FIT الأحدث، ولذلك لم يكن ممكنًا فصل التأثير الخاص بكل اختبار بصورة كاملة.

ومع استمرار البرنامج في تغطية السويد بأكملها، ستوفر السنوات المقبلة بيانات إضافية لمعرفة مقدار ما يمكن أن يحققه الفحص المنزلي فعليًا، وكيف يمكن رفع المشاركة، والوصول إلى الأشخاص الأكثر عرضة للخطر، وتقليل الحالات التي تضيع بين الدعوة والفحص ثم المتابعة التشخيصية.

الخلاصة الأهم: الفحص المنزلي لا يمنع السرطان بحد ذاته، لكنه قد يساعد على اكتشافه مبكرًا، وهذه الخطوة قد تكون فارقة في فرص العلاج وتقليل الوفيات.

Exit mobile version