غبار الفصول الدراسية يحمل بكتيريا تؤثر في وظائف رئة الأطفال

هل الفروق الصغيرة التي ظهرت في وظائف الرئة أثناء الطفولة تستمر مع مرور الوقت أم تختفي أم يمكن أن تتسع لاحقًا؟

قد يحمل غبار الفصول الدراسية التي يقضي فيها الأطفال ساعات طويلة كل يوم أكثر من مجرد الأتربة؛ إذ يحتوي على بكتيريا شائعة تعيش أيضًا في التربة والمياه، وقد وجدت دراسة أوروبية ارتباطًا بين ارتفاع مستويات نوعين منها وبين انخفاض طفيف في بعض مؤشرات وظائف الرئة لدى الأطفال.

ورغم أن الفارق كان صغيرًا على مستوى الطفل الواحد، فإن الباحثين يشيرون إلى أن وجود هذه البكتيريا على نطاق واسع في غبار الفصول الدراسية يجعل من المهم فهم ما إذا كان هذا الارتباط يمثل تأثيرًا حقيقيًا على صحة الجهاز التنفسي، أم أنه مجرد علامة على ظروف أخرى داخل المبنى.

وقد عرض سوتريك بانيرجي، الإحصائي الرئيسي في جامعة فيرارا الإيطالية، النتائج في وقت سابق من هذا الشهر خلال مؤتمر الجمعية الأوروبية للجهاز التنفسي في برشلونة.

دراسة شملت آلاف الأطفال في مدارس أوروبية

استند الباحثون إلى بيانات مشروع SINPHONIE، وهو مشروع أوروبي واسع درس جودة الهواء داخل المدارس الابتدائية قبل أكثر من عقد.

وشملت البيانات التي حللها فريق بانيرجي 4739 طفلًا في 294 فصلًا دراسيًا عبر 22 دولة أوروبية.

وفي كل فصل، جمع الباحثون الغبار الذي يترسب من الهواء، ثم حللته المختبرات لقياس كمية الحمض النووي المرتبط بكل مجموعة من مجموعات البكتيريا.

وقسّم الباحثون الفصول إلى ثلاث مجموعات وفقًا لكمية كل مجموعة بكتيرية، ثم قارنوا الأطفال الموجودين في الثلث الأعلى من مستويات البكتيريا مع بقية الأطفال.

وللتقليل من تأثير العوامل الأخرى، أخذ التحليل في الاعتبار 10 عوامل مرتبطة بالأطفال ومدارسهم، شملت العمر والجنس ومؤشر كتلة الجسم، والتعرض للتدخين السلبي، ووجود الحيوانات الأليفة، والوضع الاقتصادي للأسرة.

كما أخذ الباحثون في الاعتبار عمر مبنى المدرسة، والمنطقة الجغرافية، ومستويات الجسيمات الدقيقة وثاني أكسيد النيتروجين في الهواء الخارجي.

غبار الفصول الدراسية يحمل بكتيريا تؤثر في وظائف رئة الأطفال

بكتيريا شائعة في التربة والغبار

ركزت الدراسة على مجموعتين من البكتيريا هما Streptomyces وMycobacterium.

وتنتمي بكتيريا Streptomyces إلى بكتيريا التربة، ويمكن أن يشير وجودها في الأماكن المغلقة إلى الرطوبة أو وجود مشكلات في المبنى.

أما أنواع Mycobacterium فتوجد في التربة والمياه، ويمكنها البقاء داخل المباني وكذلك في الجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء.

ولا تعد أي من المجموعتين بكتيريا نادرة أو غريبة؛ فكلاهما يوجد بصورة شائعة في التربة والغبار والهواء.

ومن بين جميع الكائنات الدقيقة التي جرى قياسها في المدارس، لم تظهر سوى مجموعة من العفن الشائع بمستويات نموذجية أعلى من هاتين المجموعتين.

كما لاحظ الباحثون أن الفصول التي تحتوي على مستويات أعلى من إحدى مجموعتي البكتيريا تميل أيضًا إلى احتواء مستويات أعلى من المجموعة الأخرى.

الأطفال في الفصول الأكثر تلوثًا بالبكتيريا أخرجوا هواءً أقل

خضع الأطفال لاختبار قياس التنفس (Spirometry)، وهو اختبار يستخدمه الأطباء لتقييم وظائف الرئة.

وخلال الاختبار، يأخذ الطفل أعمق نفس ممكن، ثم يخرج الهواء بأقصى قوة وسرعة، بينما يسجل الجهاز كمية الهواء الخارجة، وحجم الهواء الذي يخرج خلال الثانية الأولى، وأعلى سرعة لتدفق الهواء.

وفي المتوسط، أخرج الأطفال نحو 2.2 لتر من الهواء خلال الاختبار بأكمله.

لكن بين الأطفال الذين كانوا في الفصول التي تحتوي على أعلى مستويات من Streptomyces، كان إجمالي حجم الهواء الخارج أقل بنحو 0.08 لتر، أو 80 ملليلترًا، مقارنة بالأطفال الآخرين.

أما في الفصول التي سجلت أعلى مستويات من Mycobacterium، فظهر الاختلاف بصورة أساسية خلال الثانية الأولى من الزفير.

فقد أخرج الأطفال هناك نحو 0.06 لتر أقل خلال الثانية الأولى، كما كانت أعلى سرعة لتدفق الهواء لديهم أقل أيضًا.

وظهرت أرقام أقل في المقارنات الثلاث الأخرى بين مجموعات البكتيريا ومؤشرات وظائف الرئة، لكن الباحثين أشاروا إلى أن الصدفة يمكن أن تفسر هذه الفروق.

هل البكتيريا نفسها هي السبب؟

لا تستطيع الدراسة الحالية تحديد ما إذا كانت البكتيريا هي المسؤولة مباشرة عن الاختلافات التي ظهرت في وظائف الرئة.

وطرح فريق بانيرجي احتمالين رئيسيين.

ولم تكن الرطوبة أحد العوامل العشرة التي أُدخلت في التحليل الأساسي.

وأوضح بانيرجي، أن ذلك كان قرارًا منهجيًا مقصودًا؛ إذ رأى بعض الباحثين المشاركين أن البكتيريا، خصوصًا Streptomyces، قد تكون مرتبطة أصلًا بالرطوبة والعفن.

لذلك استبعد الفريق الرطوبة من التحليل المخطط له مسبقًا، ثم اختبر تأثيرها بشكل منفصل في تحليل الحساسية.

وقال بانيرجي، إن تحليل الحساسية الذي أخذ في الاعتبار رطوبة الفصول والمنازل لم يغير النتائج.

وأضاف، أن ذلك يتماشى مع الأدبيات العلمية التي تشير إلى أن هذه البكتيريا واسعة الانتشار قد تظهر ارتباطاتها بصورة مستقلة عن ظروف الرطوبة على مستوى الفصل الدراسي.

غبار الفصول الدراسية يحمل بكتيريا تؤثر في وظائف رئة الأطفال

الفروق بين المناطق والجنسين كانت محدودة

وجد الباحثون، أن الارتباطات ظهرت بصورة متشابهة إلى حد كبير بين المجموعات المختلفة.

وقال بانيرجي، إن الفروق بين الأولاد والبنات، وكذلك بين المناطق الأوروبية الأربع التي شملتها المقارنة، كانت عمومًا صغيرة بما يكفي بحيث يمكن أن تكون ناتجة عن الصدفة.

وكان الاستثناء هو العلاقة بين مستويات Streptomyces وإجمالي حجم الهواء الخارج؛ إذ اختلفت هذه العلاقة بين المناطق، وكانت أوضح في جنوب أوروبا.

لا دليل حتى الآن على علاقة سببية

تظل أهم قيود الدراسة، أن كل طفل خضع للاختبار مرة واحدة وفي نقطة زمنية واحدة.

ومثل هذا النوع من الدراسات يمكنه الكشف عن وجود ارتباط بين متغيرين، لكنه لا يستطيع إثبات أن أحدهما تسبب في الآخر.

كما أن الباحثين قاسوا الحمض النووي للبكتيريا، ولذلك لا يمكن للبيانات تحديد ما إذا كانت البكتيريا الموجودة في الغبار كانت حية أم ميتة.

كذلك يمكن لعوامل أخرى، مثل عادات التنظيف أو الموسم الذي جُمعت فيه عينات الغبار، أن تكون قد ساهمت في الفروق التي ظهرت بين الفصول.

ولم تختبر الدراسة أيضًا أي إجراءات تهدف إلى خفض مستويات هذه البكتيريا داخل المدارس.

وعندما سُئل بانيرجي عما يمكن للمدارس أن تفعله ابتداءً من الغد لتقليل هذا التأثير المحتمل، أجاب بأن السؤال يتجاوز ما يستطيع تحديده بصفته إحصائيًا.

هل يستمر التأثير مع الأطفال حتى البلوغ؟

لا تزال إحدى أهم الأسئلة دون إجابة: هل الفروق الصغيرة التي ظهرت في وظائف الرئة أثناء الطفولة تستمر مع مرور الوقت، أم تختفي، أم يمكن أن تتسع لاحقًا؟

وأشار الباحثون إلى الحاجة إلى دراسات طويلة الأمد تتابع الأطفال لسنوات، حتى يمكن تحديد طبيعة العلاقة بشكل أفضل ومعرفة ما إذا كانت البكتيريا نفسها مسؤولة عنها أو أنها مجرد علامة على عوامل بيئية أخرى.

كما أوضح بانيرجي أن الدراسة الكاملة لا تزال قيد الإعداد تمهيدًا لتقديمها للنشر، وأنها تتضمن معلومات أكثر مما ظهر في الملصق العلمي الذي عُرض في المؤتمر.

وبالتالي، تظل الأدلة الحالية بشأن Streptomyces وMycobacterium محدودة بما جرى قياسه في غبار الفصول الدراسية واختبار تنفسي واحد لكل طفل، ولا تكفي في الوقت الحالي لإثبات أن هذه البكتيريا تسبب انخفاض وظائف الرئة لدى الأطفال.

وتفتح النتائج، مع ذلك، بابًا أمام مزيد من البحث في العلاقة بين البيئة الداخلية للمدارس وصحة الجهاز التنفسي للأطفال، خصوصًا أن الأطفال يقضون جزءًا كبيرًا من أيامهم داخل الفصول الدراسية.

↑
Exit mobile version