علماء يحذرون: الأرض تجاوزت 7 من أصل 9 حدود بيئية آمنة

البشرية تدفع الكوكب نحو منطقة الخطر.. التلوث وفقدان التنوع الحيوي واستنزاف المياه تتجاوز الحدود الآمنة

على مدار معظم تاريخ البشرية، مثّلت الأرض نظامًا مستقرًا شكّل الخلفية التي جرت فوقها جميع التحولات الكبرى، فقد تعاقبت الإمبراطوريات، وازدهرت الاقتصادات ثم انهارت، واندلعت الحروب وانتهت، بينما استمرت الأنهار في الجريان، وتعاقبت مواسم الأمطار، وواصلت النظم البيئية تجددها بصورة طبيعية.

غير أن هذا الاستقرار الذي نشأت في ظله الحضارة الإنسانية أصبح اليوم موضع تساؤل متزايد، ورغم أن التغير المناخي يحظى بالنصيب الأكبر من الاهتمام العالمي، فإن العلماء يؤكدون أنه ليس سوى جزء من صورة أوسع وأكثر تعقيدًا.

ما المقصود بالحدود الكوكبية؟

في عام 2009، اقترح فريق من 28 عالمًا متخصصًا في علوم الأرض، بقيادة يوهان روكستروم من مركز ستوكهولم للمرونة، إطارًا علميًا يُعرف بـ«الحدود الكوكبية»، ويحدد هذا الإطار تسع عمليات رئيسية تتحكم في استقرار نظام الأرض ككل.

ولا تمثل هذه الحدود مشكلات بيئية منفصلة، بل عتبات مترابطة تحدد ما إذا كانت البشرية لا تزال تعمل ضمن الظروف البيئية التي سمحت بظهور الحضارة الإنسانية وتطورها.

ويشبه العلماء تجاوز هذه الحدود بارتفاع ضغط الدم لدى الإنسان؛ فارتفاع الضغط لا يعني حدوث أزمة صحية فورية، لكنه يشير إلى زيادة المخاطر واحتمال التعرض لمضاعفات خطيرة مستقبلاً، وبالمثل، فإن تجاوز أحد الحدود الكوكبية لا يعني انهيار النظام الأرضي فورًا، لكنه يزيد احتمالات حدوث تغيرات واسعة النطاق وغير قابلة للعكس.

البشرية تدفع الكوكب نحو منطقة الخطر

سبعة حدود تم تجاوزها

عندما طُرح الإطار العلمي لأول مرة عام 2009، كان العلماء يعتبرون أن ثلاثة حدود فقط قد تم تجاوزها. وبحلول عام 2015 ارتفع العدد إلى أربعة.

وفي سبتمبر 2023، تمكن الباحثون للمرة الأولى من قياس الحدود التسعة جميعها بصورة متكاملة، ليتبين أن ستة منها قد تم تجاوزها بالفعل.

وشملت الحدود التي تم التأكد من تجاوزها:

وفي عام 2025، أكدت مراجعة أجراها معهد بوتسدام لأبحاث تأثير المناخ تجاوز حد سابع يتمثل في تحمض المحيطات.

وبذلك لم يبقَ ضمن الحدود الآمنة سوى مجالين فقط: الأحمال الجوية للهباء الجوي، واستنزاف طبقة الأوزون، الذي يُعد المثال الأبرز على نجاح التعاون الدولي بفضل بروتوكول مونتريال.

لماذا يغير هذا الإطار طريقة فهم الأزمات البيئية؟

تعامل السياسات التقليدية قضايا المناخ والمياه والتلوث وإزالة الغابات والزراعة باعتبارها ملفات منفصلة، لكن العلماء يؤكدون أن أنظمة الأرض مترابطة بشدة.

فإزالة الغابات لا تعني فقدان الأشجار فقط، بل تؤثر أيضًا في أنماط هطول الأمطار والإنتاج الزراعي، كما يؤدي الإفراط في استخدام الأسمدة الغنية بالنيتروجين والفوسفور إلى تلويث الأنهار وخلق مناطق مائية فقيرة بالأكسجين تهدد الثروة السمكية.

وفي الوقت نفسه، يؤدي التغير المناخي إلى تسارع فقدان التنوع الحيوي، بينما يقلل تدهور النظم البيئية من قدرتها على التكيف مع آثار الاحترار العالمي.

لماذا تمثل هذه القضية تحديًا كبيرًا للهند؟

تشير الدراسات إلى أن الهند تواجه معظم أبعاد هذه الأزمة في الوقت نفسه، فبيانات أقمار «جريس» التابعة لوكالة «ناسا» أظهرت تراجع مستويات المياه الجوفية في شمال الهند بمعدل يصل إلى نحو 30 سنتيمترًا سنويًا خلال العقد ونصف العقد الماضيين، نتيجة الاعتماد المكثف على المياه الجوفية في الزراعة.

وفي منطقة الهيمالايا، فقد حوض نهر الجانج نحو 21% من مساحته الجليدية بين عامي 1990 و2020، بينما خسر حوض نهر براهمابوترا نحو 16% من مساحته الجليدية خلال الفترة نفسها.

وترتبط هذه التغيرات بزيادة مخاطر الكوارث الطبيعية، إلى جانب موجات الحر الشديدة، وتلوث الهواء، وتراجع التنوع الحيوي، والاعتماد المكثف على المواد الكيميائية في الزراعة.

الحدود الكوكبية

سؤال مختلف لمستقبل البشرية

لطالما انشغلت الاقتصادات الحديثة بسؤال واحد: إلى أي مدى يمكن الاستمرار في استخراج الموارد لتحقيق النمو؟

لكن إطار الحدود الكوكبية يطرح سؤالًا أكثر أهمية: إلى أي مدى يستطيع نظام الأرض تحمل الضغوط البشرية قبل أن يفقد قدرته على توفير الظروف المستقرة التي تعتمد عليها الزراعة والمدن والحضارة الحديثة؟

ويؤكد العلماء أن التغير المناخي ليس سوى فصل واحد من قصة أكبر بكثير، وأن الحدود الستة الأخرى التي تم تجاوزها تستحق اهتمامًا مماثلًا، لأن فهمها أصبح ضرورة أساسية لفهم مستقبل الحضارة الإنسانية على كوكب الأرض.

Exit mobile version