عجبت لتفسير مجلة نيوزويك للوشم الذي ظهر به وزير الدفاع الأمريكي حين كتب على ذراعه بحروف عربية “كافر”.
تقول نيوزويك “ومعروف أن وزير الدفاع مسيحي في سلوكه وحياته الشخصية.. وأن رسومات التــاتو التي يضعها على جسمه إنما هي رموز لعقيدته المسيحية وبطولته الأمريكية ورؤيته العالمية”.
ومصدر عجبي أن المسيحية بريئة من الصليبية. إذ يعرف كل الناس أن الصليبية اختراع استعماري حوَّل الدين المسيحي – الذي يسعى إلى الإخاء والمحبة والسلام – إلى هذه السلوكيات الدموية من قتل الأبرياء وإشعال الحرائق في الأرض.
ولأني أكتب عن الجغرافيا السياسية منذ سنوات طويلة أذكر مقالا نشرته قبل 22 سنة عن التحولات في حلف الناتو، ذلك الحلف الذي لم يجد منافسا قويا – بعد سقوط الاتحاد السوفيتي – فأخذ يخترع أعداء ليحافظ على درجة جاهزيته.
وكان أكبر عدو تم اختراعه هو الإسلاموفوبيا.
الخرافات والمبالغات التخويفية
في عام 2009 قمت برحلة إلى ألمانيا وتصادف أن اشتريت من مطار فرانكفورت مجلة أمريكية كانت تضع عنوانا رئيسا هو “يوريبيا Eurabia” وهي كلمة ممزوجة من مقطعين: أوروبا + شبه جزيرة العرب”.
العدد بأكمله في هذه المجلة كان تخويفا من الغزو الإسلامي لأوروبا، وأن أوروبا ستصبح قارة للمسلمين والعرب بحلول عام 2050.
كنت ما أزال في فرانكفورت أقرأ المجلة، وتصورت أنني حين أخرج للشوارع سأجد شبه الجزيرة العربية قد جاءت هنا: النقاب والجلباب واللحى الطويلة وجماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكما توقعت، كانت هذه واحدة من الخرافات والمبالغات التخويفية لدعم الذات الغربية، وتحفيز حلف الناتو للعدوان على الإسلام وبلاده الغنية بالثروات من خلال حبكة درامية للإسلاموفوبيا.
تتشابه هذه التجربة مع التخويف الذي مارسه القوميون الهندوس ضد جامعة دار العلوم في الهند. فقبل أن أسافر إلى الهند في 2005 اطلعت عل مؤلفات لبعض كبار مؤلفي الهندوسية الذين يخوفون الناس من جامعة دار العلوم الإسلامية باعتبارها مفرخا للإرهاب.
وحين ذهبت هناك وقابلت الهنود العاديين وجدت كل ذلك لا يخرج عن تخويفات الإسلاموفوبيا والعداء مع باكستان والشكوى من دعم السعودية (وقتها) للإسلام الباكستاني.
العرب بالتحديد في حالة ضعيفة للغاية
في رحلتي في ألمانيا في 2009 أمضيت شهرا بين المدن الألمانية، والتقيت بعديد من المهاجرين المسلمين من العرب وغيرهم، وتبين لي زيف وخرافة ما تزعمه مثل هذه المجلات، فالعرب بالتحديد (خلافا للأتراك) في حالة ضعيفة للغاية ولا يشكلون أي خطر يذكر ويعيش كثير من اللاجئين العرب منهم منهم على الإعانات والمعاشات من الحكومة الألمانية.
أذكر أنني زرت مسجدا به مهاجرون عرب في بلدة كولن بجوار برلين، وعرفت منهم أنهم على وشك نصر كبير للإسلام وهو تحويل كنيسة إلى مسجد !
جمع هؤلاء الناس أموالا لشراء الكنيسة وتحويلها إلى مسجد.
ذهبت إلى الكنيسة فوجدتها أطلالا من قرون قديمة ولا يستخدمها أحد ومعروضة للبيع لأي استخدام يحدده المشتري.
وبدلا من أن يفكر العرب المهاجرون في إنشاء مسجد في مكان محايد ذهبت عقولهم (الكبيرة) إلى هذا المسلك.
هذا التصرف الساذج يصبح بعد فترة مادة خصبة لصانعي الأخبار الذين يخوفون العالم من الإسلاموفوبيا ويسوغون الحروب المدمرة.
وشم وزير الدفاع الأمريكي
تذكرت كل ذلك وأنا أشاهد المسلك الاستعراضي لوزير الدفاع الأمريكي الذي يستعيد مفاهيم من الحروب الصليبية القحة !
ويعرف من قرأ في الحروب الصليبية أن مصطلح كافر كان يطلقه المسلمون على الصليبيين، وكان يطلقه أيضا الصليبيون على المسلمين.
الوشم الذي يستعرض به وزير الدفاع الأمريكي يقول “نعم أنا الكافر الذي سيهزمكم ويشتت شملكم”.
والصورة الاستعراضية تشبه تماما الحالة التي رواها لنا مؤرخو الإسلام حين جاء رسل التتار إلى العالم الإسلامي يقتلون ويدمرون.
فحين دخل رسل التتار بلاد الإسلام يطالبون بالاستسلام أو القتل سألهم المسلمون: من أنتم؟
كان التتار قد درسوا تماما العقلية الإسلامية في تلك الفترة التي انبرى شيوخها يقولون للناس إن “غضب الله سينزل علينا إن بقينا بعيدين عن الدين ولم نطع الله ورسوله”.
وبالتالي حين سأل المسلمون رسل التتار: من أنتم؟ جاءت أجابتهم: “نحن غضب الله عليكم !”.
إن السلوك الاستعراضي الشعبوي الذي يقوم به وزير الدفاع الأمريكي يذكرنا بهذا الموقف الذي يكاد يقول فيه الرجل “أنا الكافر الذي سينزل غضب الله عليكم”!
رسالة استهانة وحرب نفسية شعبوية
أما الحقيقية فإن هذا الرجل وأمثاله يحافظون على سبب وجودهم في وظائفهم من خلال “اختراع العدو الإسلامي..كي يستمروا في تطوير الأسلحة وبيعها للعالم الثالث ويستمروا في سرقة ثرواته ويقطعون الطريق على أي نهضة للعالم الإسلامي”,
وفي الختام بدهي أنه بمثل ما هنالك متطرفون يخطفون المسيحية إلى معسكر الصليبية هناك أيضا متطرفون يخطفون الإسلام إلى معسكر الإرهاب.
أما الحقيقة التي يعرفها كل منصف، فهي أن الإسلام دين عظيم صاحب حضارة منيرة شكلت شطرا مهما من هوية العالم وتقدمه، وما يرتكبه الناس فيه من أخطاء محسوب عليهم وليس على الإسلام، فالإسلام يعرف بالإسلام ولا يعرف بالمسلمين.
ومن حق الرجل صاحب التاتو أن يستعرض .. والاستعراض ليس فقط رسالة غطرسة .. بل رسالة استهانة وحرب نفسية شعبوية.
