الفيزياء الكلاسيكية تفسر ظواهر ضوئية كانت تُعد حكرًا على ميكانيكا الكم

معادلة بسيطة تكشف العلاقة الخفية بين استقطاب الضوء والتشابك الكمي

كان يُنظر إلى الضوء، خصوصًا عند الحديث عن ظواهر مثل التشابك، بوصفه مجالًا حصريًا لميكانيكا الكم. إلا أن دراسة علمية جديدة أظهرت أن خصائص أساسية للضوء، مثل الاستقطاب والتشابك، تخضع لعلاقة رياضية بسيطة تنتمي إلى الفيزياء الكلاسيكية، ويمكن التعبير عنها بالمعادلة:

P² + K² = 1، وهي علاقة صالحة لأي حقل ضوئي بغض النظر عن أبعاده أو الإعدادات التجريبية المستخدمة.

وتكمن أهمية هذه النتيجة في عموميتها، إذ تنطبق على نطاق واسع من التجارب والأنظمة البصرية المختلفة.

أُجريت الدراسة في معهد ستيفنز للتكنولوجيا بمدينة هوبوكِن في ولاية نيوجيرسي الأميركية، حيث تربط بين الوصف الموجي للضوء ومفاهيم ميكانيكية أساسية تُدرّس في المراحل الأولى من تعليم الفيزياء.

ونُشرت الدراسة في مجلة Physical Review Research، ويربط الباحثون بين شدة الضوء القابلة للقياس ومفاهيم مألوفة في الميكانيكا، مثل مركز الكتلة وعزم القصور الذاتي، من خلال خريطة هندسية تتعامل مع الأوزان البصرية كما لو كانت كتلًا نقطية.

ظواهر ضوئية

ماذا تعني هذه العلاقة؟

تربط المعادلة بين الاستقطاب، الذي يصف اتجاه تذبذب المجال الكهربائي للضوء، وخاصية أخرى تُعرف بالتشابك، والتي تعكس كيفية ترابط أجزاء مختلفة من الحقل الضوئي معًا.

فعندما يزداد الاستقطاب مقتربًا من اتجاه مفضل واحد، يتراجع التشابك في المقابل، وعلى النقيض، كلما ارتفع مستوى التشابك نحو أقصاه، انخفض الاستقطاب بالضرورة، بحيث يظل مجموع الخاصيتين ثابتًا.

قاد الدراسة شياوفنغ تشيان، الأستاذ المساعد في الفيزياء بمعهد ستيفنز للتكنولوجيا، والذي تركز أبحاثه على الترابط البصري، والعلاقات بين الفيزياء الكلاسيكية والكمّية، وتطوير طرق عملية لقياس خصائص يصعب رصدها باستخدام أدوات تقليدية.

الأساس الرياضي لسلوك الضوء

تعتمد العلاقة رياضيًا على ما يُعرف بمصفوفة الترابط، وهي جدول مضغوط يعبر عن الارتباطات بين مكونات الحقل الضوئي، وتعمل القيم الذاتية لهذه المصفوفة كأوزان تحدد في الوقت نفسه مقدار الاستقطاب والتشابك ضمن إطار واحد.

وفي الحقول ثنائية الأبعاد، يتبسط مقياس التشابك ليأخذ صورة «التوافق» (Concurrence)، وهو مقياس معروف في فيزياء الكم يحدد درجة الترابط بين نظامين كمّيين بسيطين. ويأتي هذا المثال الخاص منسجمًا تمامًا مع النتيجة العامة للدراسة.

نظرية ميكانيكية كلاسيكية تفسر الضوء

يعتمد الربط بين البصريات والميكانيكا على مبرهنة هويغنز–شتاينر، وهي قاعدة معروفة تربط بين عزوم القصور الذاتي لمحاور دوران متوازية، وقد أعاد الباحثون تفسير القيم البصرية على أنها مسافات هندسية بين نقاط تمثل كتلًا موزعة.

وقام الفريق بتمثيل القيم الذاتية للمصفوفة بثلاث كتل نقطية عند زوايا مثلث منتظم، ثم تتبعوا حركة مركز الكتلة مع تغير الاستقطاب والتشابك.

واستُخدمت في ذلك الإحداثيات الباريцентр ية، وهي طريقة هندسية تعتمد على أوزان رؤوس المثلث بدلًا من شبكة إحداثيات تقليدية، ما يسمح بحساب المراكز والمسافات بشكل مباشر.

ويقيس الخط المستقيم من مركز المثلث إلى مركز الكتلة مقدار الاستقطاب، بينما يقيس خط عمودي حتى دائرة الوحدة مقدار التشابك، بحيث يخضع الطولان لعلاقة فيثاغورية بسيطة.

وقال تشيان: «هذه مبرهنة ميكانيكية راسخة تُستخدم لشرح عمل أنظمة فيزيائية مثل الساعات أو الأطراف الصناعية، لكننا أظهرنا أنها قادرة أيضًا على تقديم فهم جديد لكيفية عمل الضوء».

ظواهر ضوئية

دلالات عملية للقياس

غالبًا ما يتطلب قياس التشابك تجهيزات معقدة ومعايرة دقيقة، مثل منصات بصرية حساسة ومقاييس تداخل مستقرة، غير أن العلاقة الجديدة تتيح استنتاج مستوى التشابك من خلال قياسات الاستقطاب وحدها.

وبما أن الاستقطاب خاصية سهلة القياس ومقاومة نسبيًا للضوضاء، يمكن استخدامه كمؤشر بديل في المختبرات التعليمية أو البيئات ذات الموارد المحدودة، دون تجاوز الحدود التي تفرضها العلاقة الرياضية.

من المعادلات إلى التجارب

أُجريت بالفعل تجارب أولية لاختبار هذه الفكرة، من خلال قياس الاستقطاب والتشابك جنبًا إلى جنب مع نماذج ميكانيكية تعتمد على كتل نقطية.

وأظهرت النتائج الأولية توافقًا كميًا واضحًا مع التنبؤات النظرية، ما يشير إلى إمكانية توظيف هذا الربط بين البصريات والميكانيكا في تطبيقات الاستشعار والتعليم.

آفاق البحث المستقبلية

أوضح الباحثون أن العلاقة نفسها تظل صحيحة عند التعامل مع عدد أكبر من المكونات، وليس فقط الحقول ثلاثية الأبعاد، من خلال تعميم التعريفات لتشمل أي عدد من الأنماط البنيوية.

ويجعل ذلك من هذه العلاقة مقياسًا مرنًا للحقول المعقدة التي تتغير عبر الزمن والمكان والدرجات الداخلية، خاصة في المناطق الرمادية التي تتداخل فيها الفيزياء الكلاسيكية مع الكمّية.

وتخلص الدراسة إلى أن المعادلات لا تُغني عن التجارب، لكنها قد تكشف طرقًا أذكى لقياس الخصائص الفيزيائية المهمة، مع تقليل الجهد والكلفة.

وقد يبدو من المدهش أن مفاهيم تعود إلى قرون من تاريخ الميكانيكا لا تزال قادرة على إضاءة سلوك بصري حديث، لكن هذه النتيجة تذكّر بأن الأدوات المألوفة قد تحمل رؤى جديدة حين يُعاد النظر إليها بأسئلة دقيقة.

Exit mobile version