نجح فريق من الباحثين في تطوير نظام حيوي مبتكر يعتمد على طحالب مُهندسة وراثيًا لإزالة جزيئات الميكروبلاستيك من المياه وتحويلها في الوقت نفسه إلى مواد بلاستيكية حيوية قابلة للاستخدام، في خطوة قد تمثل حلًا واعدًا لأحد أخطر أشكال التلوث البيئي المعاصر.
وأوضحت الدراسة، المنشورة في دورية Nature Communications، أن التقنية الجديدة لا تكتفي بالتقاط جزيئات البلاستيك الدقيقة، بل تحول المخلفات الناتجة إلى مادة أولية لإنتاج بلاستيك حيوي، بدلًا من الاكتفاء بجمعها والتخلص منها في مكبات النفايات.
وقادت الدراسة الباحثة واي داي من جامعة ميزوري، حيث أطلق الفريق على النظام اسم «RUMBA»، اختصارًا لعبارة تعني «إزالة الميكروبلاستيك وإعادة تدويره باستخدام الطحالب».
وأشار الباحثون إلى أن محطات معالجة المياه الحالية تستطيع إزالة القطع البلاستيكية الكبيرة نسبيًا، لكنها تعجز عن التقاط الجزيئات متناهية الصغر التي تتسرب إلى الأنهار والبحيرات ومياه الشرب.
وللتغلب على هذه المشكلة، استخدم الفريق نوعًا من البكتيريا الزرقاء «السيانوبكتيريا» يُعرف باسم Synechococcus elongatus بعد تعديله وراثيًا لإنتاج مادة «الليمونين»، وهي الزيت الطبيعي المسؤول عن الرائحة المميزة لقشور البرتقال.
وأوضح الباحثون، أن الليمونين ينتقل إلى سطح الخلايا، ما يجعلها طاردة للماء، وهي خاصية تشبه طبيعة جزيئات البلاستيك الدقيقة، الأمر الذي يساعد الطحالب على الالتصاق بجزيئات الميكروبلاستيك وسحبها إلى قاع الخزان.
قدرة النظام على العمل في ظروف حقيقية
وأظهرت التجارب، أن الطحالب المعدلة تمكنت من إزالة نحو 91.4% من جزيئات البلاستيك التي يتراوح حجمها بين 200 و800 نانومتر خلال ساعة واحدة فقط، بينما لم تُظهر الطحالب غير المعدلة أي كفاءة مماثلة.
كما أثبتت الاختبارات قدرة النظام على العمل في ظروف حقيقية، بعدما نجح في إزالة نحو 90% من جزيئات البوليسترين من عينات مياه مأخوذة من محطة معالجة محلية وبحيرة جامعية، مع الحفاظ على كفاءة مرتفعة حتى للجزيئات الأصغر حجمًا.
ولم يقتصر دور الطحالب على التقاط الميكروبلاستيك فقط، بل ساعدت أيضًا على إزالة الملوثات الغذائية من المياه، حيث تمكنت خلال خمسة أيام من التخلص من 97.5% من النترات ومعظم الأمونيا، مع تحقيق معدلات مرتفعة لإزالة الفوسفات.
وأكد الباحثون، أن النظام ينجح بذلك في أداء ثلاث وظائف متزامنة، تشمل تنقية المياه من المغذيات الزائدة، والتقاط الميكروبلاستيك، وإنتاج كتلة حيوية قابلة لإعادة التدوير.
وبعد جمع الرواسب الناتجة، قام الفريق بتحويل الخليط المحتوي على الطحالب والبلاستيك إلى أغشية بلاستيكية حيوية أظهرت مرونة ومتانة أعلى مقارنة بالبلاستيك التقليدي.
مواجهة ثلاث أزمات بيئية في آن واحد
وأشار الباحثون إلى أن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الجمع بين إزالة الميكروبلاستيك وإعادة تدويره حيويًا ضمن نظام واحد متكامل، ما يحول الملوثات البلاستيكية من عبء بيئي إلى مادة خام مفيدة.
كما أوضحت الدراسة، أن النظام يعمل بالطاقة المتجددة ويحقق بصمة كربونية منخفضة، بل ويساهم في امتصاص كميات من ثاني أكسيد الكربون تفوق الانبعاثات الناتجة عنه.
ويأمل العلماء في توسيع نطاق التقنية مستقبلًا عبر دمجها داخل محطات معالجة مياه الصرف الصحي، خاصة بعد نجاح تشغيل مفاعل حيوي تجريبي بسعة 100 لتر داخل الجامعة.
وقالت الباحثة واي داي، إن هذا النهج قد يسمح بمواجهة ثلاث أزمات بيئية في آن واحد، تشمل تلوث المياه بالميكروبلاستيك، ومعالجة مياه الصرف، وإنتاج مواد بلاستيكية حيوية أكثر استدامة.
