بريطانيا تخفض مساهمتها في صندوق المناخ الأخضر إلى النصف لصالح الإنفاق العسكري

تحذيرات من تأثير القرار البريطاني على مشروعات المناخ بالدول النامية

أبلغت الحكومة البريطانية صندوق المناخ الأخضر التابع للأمم المتحدة بأنها ستخفض إلى النصف مساهمتها التي تعهدت بها للفترة بين 2024 و2027، وفق ما أكده متحدث باسم الصندوق.

ويأتي هذا التخفيض ضمن توجه أوسع للحكومة البريطانية لتحويل الإنفاق من المساعدات التنموية إلى تعزيز الميزانية العسكرية، الأمر الذي سيحد من قدرة الصندوق على تمويل المشروعات التي تساعد الدول النامية على خفض الانبعاثات والتكيف مع تغير المناخ.

 المديرة التنفيذية لصندوق المناخ الأخضر مافالدا دوارتي

«إفلاسًا أخلاقيًا»

ووصف هارجيت سينج، مدير مؤسسة «ساتات سامبادا للمناخ»، القرار البريطاني بأنه يمثل «إفلاسًا أخلاقيًا»، مشيرًا إلى أن بريطانيا تتحمل مسؤولية تاريخية عن تغير المناخ باعتبارها دولة قامت نهضتها الصناعية على الوقود الأحفوري.

من جانبها، اعتبرت ليان شالاتيك، التي تتابع اجتماعات مجلس إدارة صندوق المناخ الأخضر لصالح مؤسسة هاينريش بول، أن الخطوة البريطانية «إشارة سلبية ومؤسفة»، خاصة أنها تأتي قبيل إطلاق جولة جديدة لجمع التمويل للصندوق.

وأضافت أن المملكة المتحدة كانت أكبر مساهم في الصندوق، موضحة أن «خفض التمويل إلى النصف في وقت كان المطلوب فيه مضاعفته قد يشجع دولًا أخرى على اتخاذ الخطوة نفسها».

وتتزايد المخاوف من أن تحذو دول أوروبية أخرى حذو بريطانيا في تقليص ميزانيات المساعدات، في وقت ترفض فيه الولايات المتحدة تقديم أي تمويل إضافي في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب المشككة في قضايا المناخ، كما تخلت واشنطن عن مقعدها في مجلس إدارة الصندوق.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

ويُعد صندوق المناخ الأخضر، الذي تأسس عام 2010، أحد أبرز أدوات تمويل المناخ عالميًا، إذ موّل منذ إنشائه أكثر من 15 مليار دولار من المشروعات المناخية في الدول النامية، ويعتمد تمويله بشكل رئيسي على تعهدات الدول المتقدمة خلال جولات دورية لإعادة تعبئة الموارد.

وخلال الجولة الأخيرة لإعادة التمويل في عام 2023، تعهدت الحكومة البريطانية المحافظة السابقة بتقديم 1.622 مليار جنيه إسترليني، أي ما يعادل 2.18 مليار دولار، للفترة من 2024 إلى 2027، وأكد حينها وزير التنمية البريطاني أندرو ميتشل أن التعهد «يعكس التزام المملكة المتحدة المستمر بمواجهة تغير المناخ».

لكن حتى مارس 2026، لم تدفع بريطانيا سوى 655 مليون جنيه إسترليني فقط، أي نحو 885 مليون دولار، قبل أن تبلغ الصندوق رسميًا أنها ستكتفي بتقديم 815 مليون جنيه إسترليني، ما يعادل 1.1 مليار دولار فقط، بدلًا من المبلغ الكامل المتعهد به. ويبلغ إجمالي تمويل الصندوق للفترة الحالية نحو 10.149 مليار دولار.

وأكد متحدث باسم صندوق المناخ الأخضر أن جميع المشروعات الحالية التي يجري تنفيذها تتمتع بتمويل مضمون، بينما يقيّم الصندوق حاليًا تأثير التخفيضات على المشروعات الجديدة المتوقع عرضها على مجلس الإدارة خلال عامي 2026 و2027.

وأوضح أن الصندوق سيواصل التركيز على تحقيق أكبر أثر ممكن من استثماراته، والعمل مع شبكة واسعة من الشركاء الماليين لحشد الموارد اللازمة لتنفيذ مهامه المناخية الأساسية.

مديرة صندوق المناخ الأخضر تزور مزرعة قهوة مدعومة من الصندوق في كينيا

تأثير ملموس

وفي رسالة منفصلة إلى أعضاء مجلس إدارة الصندوق، حذرت المديرة التنفيذية للصندوق مافالدا دوارتي من أن التخفيضات البريطانية «من المتوقع أن يكون لها تأثير ملموس» على عمل الصندوق خلال العامين المقبلين.

وأشارت دوارتي إلى أن القرار يأتي ضمن سياسة بريطانية أوسع لتقليص الإنفاق على التنمية الدولية لصالح زيادة الاستثمارات الموجهة لمواجهة «التهديدات الأمنية المتزايدة».

وكانت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر قد وصفت، خلال إعلان القرار في مارس الماضي، خفض الإنفاق التنموي بأنه «قرار بالغ الصعوبة» وليس ذا دوافع أيديولوجية، مؤكدة أنه ضروري لتحقيق «أكبر زيادة في الإنفاق الدفاعي منذ الحرب الباردة».

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر

ضغوط أمريكية متزايدة

وتتعرض دول حلف شمال الأطلسي «الناتو» لضغوط أمريكية متزايدة لرفع ميزانيات الدفاع، في ظل تصاعد النزاعات الدولية، من الحرب في أوكرانيا إلى أزمات الشرق الأوسط.

وأكدت كوبر استمرار التزام حزب العمال بإعادة الإنفاق على المساعدات الخارجية إلى مستوى 0.7% من إجمالي الدخل القومي عندما تسمح الظروف المالية بذلك، لكنها لم تحدد جدولًا زمنيًا واضحًا لتحقيق هذا الهدف.

وكانت الحكومة المحافظة السابقة قد خفضت المساعدات البريطانية من 0.7% إلى 0.5% من الدخل القومي عام 2021، بينما تشير الخطط الحالية إلى تراجعها مجددًا إلى 0.3%.

ورغم تأكيد الحكومة البريطانية أن التخفيض الحقيقي في تمويل المناخ الدولي لا يتجاوز 13% مقارنة بمستويات الإنفاق السابقة، فإن تحليلًا لموقع «كاربون بريف» أشار إلى أن النسبة الفعلية تقترب من 50% بعد احتساب التضخم والتغييرات المحاسبية.

ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه حكومة حزب العمال اضطرابات سياسية داخلية، مع مطالبة عدد من الوزراء رئيس الوزراء كير ستارمر بالاستقالة، عقب النتائج الضعيفة للحزب في الانتخابات المحلية الأخيرة.

Exit mobile version