شرق إفريقيا يشتعل من الداخل.. نبضات الوشاح العميق تُعيد تشكيل القارات

باحثون يرصدون تدفقًا غير متجانس من باطن الأرض تحت عفار قد يخلق محيطًا جديدًا

تشقق القارة الأفريقية.. دراسة توضح كيف تُعيد الصفائح التكتونية توجيه النشاط البركاني

تُحفّز صعودات الوشاح البركاني نشاطًا بركانيًا سطحيًا واسع النطاق، وتُسهِم في تفكك القارات وتكوُّن أحواض المحيطات، ومع ذلك، فإنّ الخصائص المكانية والتركيب الداخلي لهذه الصعودات، إلى جانب كيفية تأثرها بحركة الصفائح التكتونية، لا تزال غير واضحة.

تُعدّ منطقة عفار في شرق إفريقيا ملتقىً ثلاثيًا تقليديًا، يتألف من ثلاثة صدوع تكتونية تمر بمراحل تطورية مختلفة، ويُعتقد أنها تقع فوق عمود وشاحي صاعد، ما يتيح فرصة نادرة لفحص العوامل المؤثرة في صعود الوشاح وتفكك القارات.

خريطة مُشروحة توضح التطور المنهجي للشقوق حول منطقة ألو-دالافيلا وبورال

في دراسة جديدة، قدم باحثون بيانات جيوكيميائية لأكثر من 130 عينة من الحمم البركانية الحديثة، مأخوذة من مختلف أنحاء منطقة عفار ومن أرشيف الصخور البركانية في جامعة بيزا، بالإضافة إلى عينات ميدانية.

وقد أظهرت التحاليل أن الوشاح الواقع تحت المنطقة يتغذى من عمود وشاحي واحد، لكنه غير متماثل مكانيًا وكيميائيًا.

التباين في الخصائص الجيوكيميائية والجيوفيزيائية حول مثلث عفار

في منطقة عفار تلتقي ثلاثة صدوع رئيسية

اعتمد الباحثون على النمذجة الإحصائية والرياضية لدمج هذه البيانات مع معطيات جيوكيميائية وجيوفيزيائية سابقة، ووجدوا أن العمود الصاعد ينبض بتدفقات متباينة كيميائيًا، تتحرك بسرعات مختلفة تحت الصفائح التكتونية المتمددة، بحسب معدل التصدع وسمك القشرة.

في منطقة عفار، تلتقي ثلاثة صدوع رئيسية: صدع البحر الأحمر الذي بدأ بالتمدد قبل 23 مليون سنة، وصدع خليج عدن، والصدع الإثيوبي الرئيسي الذي بدأ قبل 11 مليون سنة.

خريطة للجزء الشمالي من بما في ذلك ألو، ودالافيلا، وبورال. تشير الألوان المختلفة إلى مراحل الثوران

وتنتشر البراكين النشطة في جميع هذه الصدوع، حيث تم تسجيل أكثر من 90 بركانًا نشطًا في وادي الصدع شرق إفريقيا.

دراسة مراحل مختلفة من تفكك القارات في آنٍ واحد

وتُعد هذه المنطقة واحدة من الأماكن القليلة في العالم التي يمكن فيها دراسة مراحل مختلفة من تفكك القارات في آنٍ واحد، إذ تبقى مكشوفة نسبيًا ولم تُغمر بعد بمياه المحيط كما يحدث في أماكن أخرى.

القطاعات وتوزيع المجموعات ضمن منطقة الدراسة

أظهرت التحاليل الجيوكيميائية لتراكيب الصخور البركانية أن كل تدفق حمم وكل بركان يحمل بصمة كيميائية فريدة، تعكس العمق والموقع الذي تشكل فيه الصهير داخل الأرض.

وأكدت الدراسة بشكل قاطع وجود عمود وشاحي تحت منطقة عفار، لكن المفاجأة كانت أن هذا العمود ينبض بتدفقات صاعدة غير متجانسة، وهو ما لم يكن مفهومًا بدقة من قبل.

تركيبات النظائر المشعة للعينات عبر عفار

رفع احتمالية النشاط البركاني فيها

وتشير نتائج الدراسة إلى أن الصفيحة التكتونية الأرق والأسرع في التمدد، مثل صدعي البحر الأحمر وخليج عدن اللذين يتمددان بمعدل 15 ملم في السنة، تُوجِّه تدفق الوشاح الساخن بشكل أكبر، مما يرفع احتمالية النشاط البركاني فيها، لكنه يكون أقل عنفًا مقارنةً بمناطق مثل الصدع الإثيوبي الرئيسي، الذي يتمدد بمعدل أبطأ يبلغ 5 ملم سنويًا ويتميز بانفجارات أكثر عنفًا نظرًا لنضوج البراكين وسماكة القشرة.

التحليل الإحصائي لنماذج التصدع

وتتضح أهمية هذه النتائج في فهم أعمق لآليات تفكك القارات ونشوء المحيطات. فمع استمرار تمدد هذه الصدوع، يُتوقع أن تُفسح المنطقة المجال لتكوُّن محيط جديد خلال ملايين السنين المقبلة، حيث تتسرب مياه البحر تدريجيًا إلى الأراضي المنخفضة التي تُشكّلها الحركات التكتونية والأنشطة البركانية.

خريطة للجزء الشمالي من بما في ذلك ألو، ودالافيلا، وبورال. تشير الألوان المختلفة إلى مراحل الثوران

ويُعد هذا البحث خطوة مهمة لفهم العلاقة بين صعودات الوشاح وديناميكيات الصفائح التكتونية، وكيف يمكن لهذه العلاقة أن تُسجل في السجلات الجيولوجية على قيعان المحيطات المستقبلية، مما يعيد تشكيل تصورنا لتاريخ الأرض ومستقبلها الجيولوجي.

خريطة جيولوجية لعفر مع طبقات البراكين في المنطقة
Exit mobile version