أي شخص سبق له أن شاهد شجرة باوباب حية، يصعب عليه أن ينساها، فإلى جانب شجرة الأكاسيا المنتشرة في أفريقيا، تمثل أشجار الباوباب أيقونة شامخة للمناطق الجافة في القارة السمراء.
تشكيل الثقافة والتقاليد
على مدى عشرات الآلاف من السنين، لعبت هذه الأشجار دورًا محوريًا في حياة المجتمعات الأفريقية، إذ أسهمت في تشكيل الثقافة والتقاليد، وألهمت الفن والحكايات الشعبية، كما وفّرت الغذاء والمأوى. هذا ما جعل تقرير الصحفي المستقل إيميت ليفينغستون من جمهورية الكونغو الديمقراطية يلقى صدى واسعًا لدى القراء.
ففي مدينة كينشاسا، عاصمة الكونغو الديمقراطية، التي تقع على أطراف أكبر غابة استوائية مطيرة في العالم، تواجه آخر شجرة باوباب في وسط المدينة خطر الإزالة لإفساح المجال أمام مشروعات تنموية جديدة، في مشهد يعكس تناقضًا صارخًا بين التنمية والحفاظ على التراث الطبيعي.
تحمل أشجار الباوباب في بنيتها الوراثية قدرة استثنائية على الصمود في وجه تغير المناخ. فهي بمثابة خزانات مياه عملاقة، إذ يتكون أكثر من 75% من كتلتها من المياه المخزنة.
وعلى مر القرون، اعتاد السكان نحت تجاويف في جذوعها أو استغلال الشقوق الطبيعية فيها لتخزين المياه خلال فترات الجفاف.
غذاءً غنيًا بالبروتين
وعندما تجف المحاصيل الأخرى، توفر ثمار الباوباب وأوراقها غذاءً غنيًا بالبروتين، فيما يُستخدم لحاؤها لإنتاج ألياف قابلة للاستعمال.
ولم تكن هذه الأشجار مجرد أماكن للاجتماع أو رموز ثقافية، بل مثلت في كثير من الأحيان شريان حياة للمجتمعات خلال المواسم القاسية.
وكما أسهم الاعتماد الواسع على الفحم النباتي في الطهي بين الفقراء والنازحين في تسريع وتيرة إزالة الغابات في المناطق الريفية من الكونغو الديمقراطية، أدى التوسع العمراني المخطط والعشوائي معًا إلى تدهور بيئي وثقافي واسع النطاق في المدن الكبرى بوسط أفريقيا.
الغطرسة وقصر النظر
وتقف شجرة الباوباب اليوم كرمز للصمود في مواجهة أزمة المناخ، وتحديات الأمن الغذائي والمائي المتفاقمة، ويأمل كثيرون أن ينتصر صوت العقل في كينشاسا، وأن تنجح جهود النشطاء في إنقاذ هذه الشجرة، التي لا تمثل مجرد كائن حي، بل ذاكرة طبيعية عمرها أطول من عمر الإنسان نفسه.
إن الاستهانة بهذا الإرث الطبيعي أو تدميره عمدًا، تحمل دلالة قاتمة على حالة من الغطرسة وقصر النظر، في وقت تحتاج فيه البشرية أكثر من أي وقت مضى إلى التعلم من نماذج الصمود التي تقدمها الطبيعة.
