رغم التقدم العالمي في إنتاج الغذاء وتوسّع برامج التغذية، لا تزال النساء يتحملن العبء الأكبر من سوء التغذية على مستوى العالم، وتشير التقديرات إلى أن أكثر من ثلثي النساء في سن الإنجاب لا يحصلن على ما يكفي من عنصر غذائي دقيق واحد على الأقل، مثل الحديد أو الزنك أو الفيتامينات الأساسية.
هذه الحالة تُعرف بـ“الجوع الخفي”، حيث يمكن للمرأة أن تتناول ما يكفي من الطعام من حيث الكمية، لكنها تظل محرومة من العناصر الغذائية الضرورية لصحتها.
ويُعد فقر الدم- الناتج غالبًا عن نقص الحديد – أحد أبرز مظاهر هذه الأزمة، إذ ارتفعت نسبته عالميًا بين النساء من 28% إلى 31% منذ عام 2012، في مؤشر واضح على تعثر التقدم في هذا الملف.
فجوة متزايدة في الأمن الغذائي
تتسع الفجوة بين الرجال والنساء في مستويات الأمن الغذائي، خاصة في أفريقيا جنوب الصحراء، حيث تعاني نحو 80% من النساء في سن الإنجاب من نقص في المغذيات الدقيقة.
ويطرح هذا الواقع سؤالًا جوهريًا: لماذا لم تنجح العقود الماضية من التدخلات الغذائية في تحسين تغذية النساء بشكل ملموس؟
ما الذي يحدد غذاء النساء؟
في محاولة للإجابة، أجرى فريق بحثي متعدد التخصصات مراجعة منهجية شملت 518 دراسة في 125 دولة منخفضة ومتوسطة الدخل.
وأسفرت هذه المراجعة عن تحديد 143 عاملًا تؤثر على ما تأكله النساء، وتقديم أول إطار علمي شامل لما يُعرف بـ“بيئات الغذاء الخاصة بالنساء”.
لكن النتيجة الأكثر أهمية كانت واضحة:
العامل الحاسم في جودة تغذية النساء ليس توفر الغذاء أو مستوى الدخل، بل “القدرة على التحكم” (Agency) .
ما المقصود بـ“القدرة على التحكم”؟
تشير هذه القدرة إلى مجموعة من العناصر الأساسية:
- اتخاذ القرار بشأن نوعية الغذاء داخل الأسرة
- التحكم في الموارد المالية والإنفاق
- امتلاك الوقت الكافي لإعداد الطعام أو الحصول عليه
- حرية الحركة والوصول إلى الأسواق والخدمات
عندما تفتقر المرأة إلى هذه العوامل، فإن قدرتها على تحسين نظامها الغذائي تصبح محدودة للغاية، حتى لو كان الغذاء متوفرًا.
من يقرر ما تأكله المرأة؟
في العديد من المجتمعات منخفضة الدخل، لا تكون المرأة صاحبة القرار في ما يتعلق بالغذاء، وغالبًا ما يتحكم الرجال أو كبار السن في الأسرة في كيفية إنفاق المال، بينما تفرض الأعراف الاجتماعية أولوية تغذية أفراد آخرين قبل النساء.
وتواجه النساء الأصغر سنًا أو الأقل مكانة اجتماعية تحديات أكبر، تشمل:
- ضعف السيطرة على الموارد المالية
- أعباء العمل غير المدفوع (مثل رعاية الأطفال والأعمال المنزلية)
- قيود على التنقل والحركة
- خلل في نهج التدخلات الغذائية
على مدى عقود، ركزت برامج التغذية على “تثقيف” النساء حول الأنظمة الغذائية الصحية، بافتراض أن المعرفة كافية لإحداث التغيير.
غير أن الدراسة كشفت خللًا واضحًا في هذا النهج:
- 57% من الدراسات ركزت على التثقيف الغذائي
- نحو ثلث فقط تناولت مسألة تمكين النساء
وهذا يعني أن الجهود انصبت على العامل الأقل تأثيرًا، بينما تم إهمال العامل الأكثر حسمًا.
شبكة معقدة من العوامل
تُظهر النتائج أن تغذية النساء لا تتحدد بعامل واحد، بل تتأثر بشبكة متداخلة من العوامل:
- اقتصادية (الدخل، الأسعار)
- اجتماعية (الأعراف والتقاليد)
- هيكلية (السياسات والبنية التحتية)
- بيئية (تغير المناخ، الجفاف، النزاعات)
وتتفاعل هذه العوامل مع عدم المساواة بين الجنسين، ما يجعل النساء أكثر عرضة للتأثر بالأزمات، فعندما تتراجع المحاصيل أو ترتفع الأسعار، غالبًا ما تكون النساء أول من يقلّص استهلاكه الغذائي.
مفارقة “الأمن الغذائي الظاهري”
قد تبدو بعض الأسر آمنة غذائيًا من حيث توفر الطعام، لكن داخلها قد تعاني النساء من نقص حاد في التغذية، ويرجع ذلك إلى توزيع غير عادل للغذاء داخل الأسرة، حيث تُفضل احتياجات الآخرين على حساب النساء.
دور الشبكات الاجتماعية
رغم التحديات، تكشف الدراسة عن عوامل إيجابية يمكن البناء عليها، فالنساء اللواتي يتمتعن بشبكات اجتماعية قوية – من الأسرة والأصدقاء والجيران – غالبًا ما يتمتعن بنظم غذائية أفضل.
تساعد هذه الشبكات في:
- تقاسم أعباء إعداد الطعام
- تبادل الموارد الغذائية
- تقديم الدعم في أوقات الأزمات
- فجوات في البيانات: من يتم تجاهله؟
تسلط الدراسة الضوء أيضًا على مشكلة “التحيز الجغرافي” في الأبحاث، حيث تتركز معظم الدراسات في مناطق يسهل الوصول إليها، مثل القرى القريبة من الطرق أو المراكز الصحية.
في المقابل، يتم تجاهل النساء في:
- المناطق النائية
- مناطق النزاعات
- المناطق المتأثرة بشدة بتغير المناخ
وهو ما يؤدي إلى تصميم سياسات لا تستجيب لاحتياجات الفئات الأكثر ضعفًا.
ما الذي يجب أن يتغير؟
تشير الدراسة بوضوح إلى أن تحسين تغذية النساء يتطلب تحولًا جذريًا في السياسات والبرامج، بحيث تركز على تمكين النساء بدلًا من مجرد توعيتهم.
ومن بين الأولويات:
- تعزيز قدرة النساء على التحكم في الموارد المالية
- تقليل أعباء العمل غير المدفوع
- تحسين حرية الحركة والوصول إلى الأسواق
- مراعاة الأعراف الاجتماعية التي تؤثر على توزيع الغذاء
- إشراك المجتمعات المحلية في تصميم الحلول
كما يتطلب الأمر الاستثمار في جمع بيانات أكثر شمولًا، خاصة في المناطق المهمشة، باستخدام أدوات مبتكرة مثل الاستطلاعات الهاتفية.
التغذية قضية سلطة وليست معرفة فقط
تؤكد هذه النتائج أن تحسين تغذية النساء لا يتعلق فقط بتوفير الغذاء أو نشر الوعي، بل يرتبط بشكل مباشر بتمكين النساء ومنحهن القدرة على اتخاذ القرار.
فما تأكله المرأة لا يؤثر فقط على صحتها، بل يمتد تأثيره إلى أطفالها وأجيال مستقبلية.
وفي ظل استمرار تجاهل هذه الحقيقة، ستظل الجهود المبذولة قاصرة عن تحقيق التغيير المطلوب، التغذية ليست مجرد مسألة طعام، بل مسألة عدالة وتمكين.
