قد لا يبدو للوهلة الأولى أن هناك علاقة مباشرة بين الفيزياء ومواجهة الخلايا السرطانية، لكن الدكتور أحمد الجندي، عالم الفيزياء المصري والأستاذ بجامعة تكساس في إل باسو بالولايات المتحدة، يعمل منذ أكثر من 20 عامًا على تطوير استخدامات الجسيمات النانوية المغناطيسية في التطبيقات الطبية، في محاولة لتحويل المجال المغناطيسي من وسيلة لتسخين الأورام إلى أداة يمكنها إحداث تأثير ميكانيكي داخل الخلايا السرطانية.
وفي دراسة جديدة، اختبر الجندي وفريق من الباحثين جسيمات نانوية مصنوعة من كربيد الحديد على خلايا سرطان الكبد، بهدف معرفة ما إذا كان المجال المغناطيسي المتناوب قادرًا على تحريك هذه الجسيمات داخل الخلايا وإحداث أضرار تؤدي إلى موتها، بدلًا من الاعتماد على رفع درجة حرارتها.
وأظهرت النتائج انخفاضًا في حيوية خلايا HepG2، وهي خلايا تُستخدم كنموذج مخبري لدراسة سرطان الكبد، بنسبة بلغت نحو 63% بعد تعريضها لجسيمات كربيد الحديد ومجال مغناطيسي متناوب بتردد 164 كيلوهرتز وشدة مجال بلغت 150 أورستد.
وتشير الدراسة إلى أن التأثير لم يكن قائمًا على تسخين الخلايا إلى درجات الحرارة المستخدمة عادة في العلاج بالفرط الحراري المغناطيسي، إذ سجلت التجارب قيمًا منخفضة للتسخين، ما دفع الباحثين إلى دراسة تأثير القوى والعزوم الميكانيكية الناتجة عن حركة الجسيمات تحت تأثير المجال المغناطيسي.
من الحرارة إلى القوة
يعتمد العلاج بالفرط الحراري المغناطيسي، الذي دُرس لعقود كإحدى الطرق المحتملة لعلاج السرطان، على إدخال جسيمات نانوية مغناطيسية إلى المنطقة المستهدفة ثم تعريضها لمجال مغناطيسي متناوب.
وتحوّل الجسيمات جزءًا من الطاقة المغناطيسية إلى حرارة، ويمكن أن يؤدي ارتفاع درجة الحرارة في النسيج المستهدف إلى إلحاق الضرر بالخلايا السرطانية.
لكن هذا النهج يواجه تحديات، من بينها الحاجة إلى الوصول إلى مستويات حرارية علاجية، وإمكانية التأثير في الأنسجة السليمة المحيطة، فضلًا عن الحاجة في بعض الحالات إلى تركيزات مرتفعة من الجسيمات النانوية.
ومن هنا انطلقت الفكرة التي يدرسها الجندي وفريقه: هل يمكن الاستفادة من حركة الجسيمات تحت المجال المغناطيسي دون الاعتماد على الحرارة بوصفها العامل الرئيسي في قتل الخلايا؟
يقول الجندي إن الهدف لم يكن إحداث ارتفاع كبير في درجة الحرارة، وإنما دراسة تأثير حركة الجسيمات، موضحًا أن المجال المغناطيسي يمكن أن يولد على الجسيمات قوى وعزومًا ميكانيكية تدفعها إلى الدوران والحركة.
وعندما تتحرك الجسيمات داخل الحيز المحدود للخلية، يمكن لهذه القوى والعزوم أن تحدث اضطرابًا في مكوناتها وبنيتها، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى تلف الخلية وموتها.
جسيمات نانوية تدخل الخلايا
استخدم الباحثون في الدراسة جسيمات نانوية من كربيد الحديد، وهي مادة تتكون من الحديد والكربون، وتم تصنيع الجسيمات بأطوار بلورية وأحجام مختلفة بهدف دراسة خصائصها المغناطيسية وسلوكها تحت تأثير المجال المغناطيسي.
وتراوحت أحجام الجسيمات التي جرى تحضيرها بين نحو 35 و154 نانومترًا، وأظهرت التحاليل وجود أطوار مختلفة من كربيد الحديد، من بينها θ-Fe3C وh-Fe5C2 وo-Fe7C3.
واستخدم الباحثون تقنيات متعددة لدراسة التركيب البلوري والحجم والخصائص المغناطيسية للجسيمات، من بينها حيود الأشعة السينية والمجهر الإلكتروني النافذ والمجهر الإلكتروني الماسح وقياسات الخصائص المغناطيسية.
كما أكدت تجارب التصوير المجهري والتحليل الخلوي قدرة الجسيمات على دخول خلايا HepG2 بسرعة وكفاءة.
63% انخفاضًا في حيوية الخلايا
كانت النتيجة الرئيسية للدراسة أن تعريض الخلايا التي تحتوي على الجسيمات النانوية للمجال المغناطيسي المتناوب عند تردد 164 كيلوهرتز وشدة مجال بلغت 150 أورستد أدى إلى انخفاض حيوية الخلايا بنحو 63%.
ويشير الباحثون إلى أن التجارب امتدت أيضًا لتقييم التأثيرات على الخلايا في أيام مختلفة، بما يسمح بدراسة الاستجابة بعد العلاج ومقارنة التعرض الفردي بالتعرض المتكرر للمجال المغناطيسي.
ولأن الجسيمات أظهرت قدرة محدودة على إنتاج الحرارة في الظروف المستخدمة، درس الفريق احتمال وجود آلية أخرى وراء موت الخلايا.
وتشير النتائج إلى أن القوى والعزوم الناتجة عن استجابة الجسيمات للمجال المغناطيسي يمكن أن تسهم في إحداث اضطرابات ميكانيكية داخل الخلايا، ما قد يقود إلى نوعين من موت الخلايا، هما الاستماتة «Apoptosis»، وهي عملية موت خلوي منظمة، والنخر «Necrosis»، الذي يحدث نتيجة تعرض الخلية لتلف شديد.
ويصف الباحثون هذه الحركة الميكانيكية للجسيمات تحت المجال المغناطيسي من خلال قوى وعزوم متعاكسة أو متكاملة، بما يشبه في تصورهم حركة «يين ويانغ»، وهو ما قد يؤدي إلى حركة شبه دورانية للجسيمات داخل الخلية.
لماذا كربيد الحديد؟
كان اختيار كربيد الحديد جزءًا أساسيًا من استراتيجية البحث، نظرًا إلى خصائصه المغناطيسية وإمكانية التحكم في بنيته وأحجام جسيماته.
وأظهرت القياسات المغناطيسية للجسيمات المحضرة سلوكًا فرومغناطيسيًا، مع تراوح المغنطة التشبعية بين نحو 93 و130 وحدة إميو لكل جرام، بينما تراوحت قوة القسر المغناطيسي بين 200 و550 أورستد.
ويتميز كربيد الحديد بتنوع أطواره البلورية، ويمكن أن تتغير خصائصه المغناطيسية والسطحية تبعًا للحجم والشكل ونسبة الحديد إلى الكربون.
ويرى الباحثون أن التحكم في هذه الخصائص يمكن أن يساعد مستقبلًا على تصميم جسيمات أكثر ملاءمة للاستجابة للمجال المغناطيسي داخل الخلايا.
من سرطان الكبد إلى أورام أخرى
لا تأتي تجربة سرطان الكبد بمعزل عن المسار البحثي للجندي وفريقه، إذ سبق أن دُرست الجسيمات النانوية المغناطيسية في نماذج خلوية وحيوانية لأنواع أخرى من السرطان.
وأظهرت أبحاث سابقة للفريق تأثير الجسيمات في نماذج حيوانية لأورام، من بينها سرطان البروستاتا والثدي، حيث انخفض حجم الأورام مع تكرار التعرض للمجال المغناطيسي، مع اختلاف التأثير بحسب تركيز الجسيمات المستخدم.
وتختلف الدراسة الحالية عن هذه التجارب في أنها ركزت على خلايا سرطان الكبد في المختبر، ودرست بصورة خاصة العلاقة بين خصائص الجسيمات المغناطيسية وموت الخلايا تحت تأثير المجال المغناطيسي.
هل أصبح علاجًا لسرطان الكبد؟
رغم أهمية النتائج التجريبية، فإن الباحثين يؤكدون أن الطريق من هذه النتائج إلى علاج للمرضى لا يزال طويلًا.
فنسبة 63% هي انخفاض في حيوية خلايا سرطانية في تجربة مخبرية، وليست نسبة نجاح لعلاج سرطان الكبد لدى البشر، كما أن الدراسة الحالية لا تثبت أن التقنية تستطيع استهداف الخلايا السرطانية وحدها داخل جسم الإنسان دون التأثير في الأنسجة السليمة.
كما لا تزال هناك حاجة إلى تحديد الجرعة المناسبة من الجسيمات، ونظام التعرض للمجال المغناطيسي، وفهم آلية موت الخلايا بصورة أكثر دقة، ثم اختبار سلامة وفاعلية الطريقة في نماذج حيوانية قبل الانتقال، إذا أثبتت النتائج اللاحقة جدواها، إلى الدراسات السريرية على البشر.
ويتمثل الهدف العلمي في المرحلة الحالية في معرفة ما إذا كان من الممكن تحويل الجسيمات النانوية المغناطيسية إلى أدوات ميكانيكية دقيقة تعمل داخل الخلايا، بحيث يصبح المجال المغناطيسي وسيلة لإحداث قوة في الخلية بدلًا من استخدامه أساسًا لتوليد الحرارة.
جائزة ماري كوري
ويأتي هذا البحث ضمن مسيرة علمية طويلة للجندي في مجال الجسيمات النانوية المغناطيسية وتطبيقاتها الطبية.
وحصل الجندي مؤخرًا على جائزة ماري كوري لعام 2026 في مجال طب النانو لعلاج السرطان من الجمعية الدولية للمواد المتقدمة في السويد، وفق المعلومات الواردة عن تكريمه، وذلك بعد تكريم سابق من الجمعية نفسها.
وسميت الجائزة باسم العالمة البولندية الفرنسية ماري كوري، الحاصلة على جائزتي نوبل، والتي كرست جانبًا كبيرًا من مسيرتها لدراسة النشاط الإشعاعي وتطبيقاته العلمية.
ويحمل التكريم بالنسبة للجندي دلالة خاصة، في ظل مسيرته التي امتدت أكثر من عقدين في دراسة المواد النانوية المغناطيسية وإمكاناتها الطبية.
لكن قيمة العمل البحثي الحالي لا تكمن في تقديم علاج جاهز لسرطان الكبد، وإنما في اختبار مسار فيزيائي مختلف لمواجهة الخلايا السرطانية؛ مسار يحاول استخدام الحركة والقوة الناتجتين عن المجال المغناطيسي بدلًا من الاعتماد على رفع درجة حرارة الورم.
وتبقى الخطوات التالية حاسمة في تحديد مدى إمكانية تطوير هذه الفكرة إلى تطبيق علاجي، بدءًا من فهم الآلية الميكانيكية بصورة أدق، وتحديد الجرعات وظروف التعرض، ثم تقييم السلامة والفاعلية في النماذج الحيوانية، وصولًا إلى الدراسات السريرية إذا أثبتت المراحل السابقة نجاحها.
