زراعة الأشجار قرب المنازل قد تخفض حرارة المدن وتحد من مخاطر موجات الحر والجزر الحرارية

الظل القريب من المنازل قد ينقذ الأرواح.. أكثر من 90% من مباني لندن وباريس ومدريد تفتقر إلى الظل الكافي

أودت موجات الحر بحياة عشرات الآلاف من الأشخاص في عواصم أوروبية خلال صيف هذا العام، بالتزامن مع تسجيل درجات حرارة قياسية، ما أعاد تسليط الضوء على الحاجة إلى زيادة الغطاء النباتي داخل المدن، وخاصة بالقرب من المنازل وأماكن العمل.

في لندن، امتلأت أقسام الطوارئ بمسنين تعرضوا لإصابات بعد حالات إغماء بسبب الحرارة، فيما أدى الطقس الجاف إلى هبوط التربة وظهور تشققات في بعض المنازل.

وفي باريس، تجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية في أواخر يونيو، ما جعل مواصلة الحياة اليومية أكثر صعوبة، بينما تسببت موجات الحر في مدريد في احتراق آلاف الهكتارات على أطراف المدينة.

أكثر من 90% من المباني تفتقر إلى الظل الكافي

أجرى الباحث ثامي كروسر دراسة أولية حول تأثير الحرارة الشديدة على المدن الأوروبية خلال صيف 2026، ركزت على مدى توافر الظل الذي توفره الأشجار حول المباني.

وأظهرت النتائج أن أكثر من 90% من المباني في كل من لندن وباريس ومدريد لا تحصل على قدر كافٍ من الظل يحميها من تأثيرات «الجزيرة الحرارية الحضرية».

وكانت هذه المدن من بين الأسوأ أداءً في الدراسة، لكن حتى المدن التي سجلت نتائج أفضل ظل فيها غالبية السكان دون حماية حرارية كافية؛ إذ بلغت نسبة السكان غير المحميين في هامبورج 56%، وفي برشلونة 70%.

وتتوافق هذه النتائج مع أبحاث سابقة أظهرت أن المدن الكبرى حول العالم، بما فيها المدن الأوروبية، تواجه صعوبة في الوصول إلى مستويات فعالة من الغطاء الشجري الذي يوفر الظل بالقرب من المنازل وأماكن العمل.

وتشير هذه الأبحاث إلى أن من المفيد أن يتمكن السكان من رؤية ثلاث أشجار من منازلهم، وأن يكونوا على مسافة لا تتجاوز 300 متر سيرًا على الأقدام من حديقة.

وتكشف النتائج الأولية عن مساحات واسعة من المدن الأوروبية تتعرض لتأثيرات يمكن تجنبها من ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية.

كيف تتشكل «الجزر الحرارية» داخل المدن؟

خلال أيام عديدة من صيف 2026، لم تنخفض درجات الحرارة في المساء بالقدر المعتاد، ويرتبط ذلك بما يعرف بظاهرة «الجزيرة الحرارية الحضرية».

وتفتقر المدن في كثير من الأحيان إلى الظل بسبب إزالة الأشجار بمعدلات مرتفعة، وقلة زراعة الأشجار، وتدهور حالتها الصحية، إلى جانب انتشار مساحات واسعة من الأسفلت والطين والخرسانة.

وتعد هذه المواد شديدة الكفاءة في امتصاص الحرارة والاحتفاظ بها عند تعرضها لأشعة الشمس المباشرة. ويمكن أن تتجاوز درجة حرارة الأسفلت غير المظلل 70 درجة مئوية خلال موجات الحر.

ولا تنتهي المشكلة مع غروب الشمس، إذ تبدأ الطرق والمباني والأرصفة في إطلاق الحرارة التي امتصتها خلال النهار مرة أخرى أثناء تبريدها.

وبذلك يمكن لظاهرة الجزيرة الحرارية الحضرية أن تضيف درجات ملحوظة إلى درجة حرارة الهواء المحيط، فتحول يومًا شديد الحرارة، تبلغ فيه درجة الحرارة مثلًا 35 درجة مئوية، إلى ظروف أكثر خطورة في المناطق التي ترتفع فيها نسبة الأسفلت وتنخفض فيها مستويات الظل، حيث قد تتجاوز الحرارة 40 درجة مئوية.

الأشجار توفر تبريدًا يتجاوز الظل

يُعد ظل الأشجار إحدى الاستراتيجيات الفعالة للتعامل مع الحرارة داخل المدن، كما يرتبط بمجموعة من الفوائد الأخرى للصحة النفسية والجسدية للسكان المحليين.

فالأشجار تمنع الإشعاع الشمسي من الوصول إلى المواد التي تمتص الحرارة، مثل الأسفلت، كما تحجب أشعة الشمس المباشرة عن أجسام الأشخاص.

وأظهرت الدراسات أن ظل الأشجار يمكن أن يقلل كمية الحرارة التي يمتصها المشاة بما يصل إلى 18 درجة مئوية.

ولا يقتصر تأثير الأشجار على توفير الظل؛ فالأشجار السليمة تطلق المياه عبر أوراقها خلال عملية البناء الضوئي، وتستهلك عملية تبخر هذه المياه قدرًا من الحرارة، وهو ما يعرف بالتبريد التبخيري.

ويمكن لهذا التأثير أن يضيف عدة درجات أخرى من التبريد، إلى جانب حماية الأشخاص من أشعة الشمس والحد من تأثير الجزيرة الحرارية، حتى خلال موجات الحر، طالما أن الأشجار تحصل على ما يكفي من المياه.

الأشجار يجب أن تكون قريبة من المنازل

إن زراعة المزيد من الأشجار في المدن بعد موجات الحر التي شهدها هذا الصيف يمكن أن تساعد في خفض درجات الحرارة داخل المناطق الحضرية.

ووجدت مؤسسة «كريت ستريتس» البحثية أن درجة حرارة سطح مكشوف مغطى بالرصيف في لندن بلغت 55 درجة مئوية خلال إحدى موجات الحر، بينما تراوحت درجة الحرارة في منطقة مظللة على بعد أمتار قليلة بين 25 و30 درجة مئوية.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن لندن، التي تضم نحو 8 ملايين شجرة، لديها بالفعل عدد كبير من الأشجار.

لكن الأشجار لا تصبح أداة فعالة لمواجهة الحرارة الحضرية إلا عندما تكون قريبة من المنازل.

فوجود حديقة كثيفة الأشجار على بعد 800 متر من المنزل، على سبيل المثال، لن يمنع بالضرورة تشكل الجزر الحرارية الخطرة في المنطقة المحلية التي يعيش فيها السكان.

30 إلى 40% من الغطاء الشجري لتحقيق تبريد فعّال

العامل الحاسم الآخر هو الوصول إلى مستوى معين من تغطية الظل حتى تتمكن الأشجار من توفير تبريد ملموس.

فوجود عدد قليل من الأشجار المتفرقة التي تصنع جزرًا صغيرة من الظل لا يكفي وحده.

وأظهرت الأبحاث أن زيادة الغطاء الشجري تصبح فعالة في الحد من الجزر الحرارية الحضرية عندما تصل نسبة تغطية الظل إلى نحو 30–40% في نطاق 60 مترًا من المنازل وأماكن العمل.

كما سيكون من الضروري اختيار أنواع الأشجار القادرة على تحمل درجات الحرارة المرتفعة بصورة متزايدة في أوروبا.

تجربة ميديلين: زيادة الأشجار تخفض حرارة المدينة

ارتفاع بضع درجات قد يضاعف مخاطر الحرارة

حتى إضافة بضع درجات إلى يوم شديد الحرارة يمكن أن ترفع المخاطر الصحية بصورة حادة.

وفي المواقع التي تؤدي فيها الجزر الحرارية إلى رفع درجة حرارة الهواء المحيط من 33 إلى 37 درجة مئوية، أو من 35 إلى 41 درجة مئوية، ترتفع أعداد المرضى الذين يحتاجون إلى دخول المستشفيات بسبب الأمراض المرتبطة بالحرارة.

وعندما تتجاوز درجة حرارة الهواء 35 درجة مئوية، تتراجع بدرجة كبيرة قدرة جسم الإنسان على تنظيم حرارته، ما يزيد الضغط على القلب والأوعية الدموية وخطر الجفاف، وقد يؤدي في الحالات الشديدة إلى ضربة الشمس والحاجة إلى تدخل طبي.

وتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا عندما تؤدي الجزر الحرارية إلى ارتفاع درجات الحرارة ليلًا.

فخلال ساعات الليل الأكثر برودة، يفقد الجسم الحرارة التي اكتسبها خلال النهار ويستعيد قدرته على الاستعداد ليوم جديد. وإذا ظل الجسم يتعامل مع درجات حرارة تبلغ 24 درجة مئوية أو أكثر، فقد تتأثر عملية التعافي وجودة النوم.

وبالتالي يبدأ الإنسان اليوم التالي وهو يعاني نقصًا، من الناحيتين الفسيولوجية والمعرفية، في قدرته على التعامل مع يوم حار جديد. ومع تكرار التعرض لأيام شديدة الحرارة، يتراكم هذا العجز بمرور الوقت.

ارتفاع بضع درجات قد يضاعف مخاطر الحرارة

تجربة ميديلين: زيادة الأشجار تخفض حرارة المدينة

تقدم مدينة ميديلين الكولومبية مثالًا على ما يمكن أن يحدث عندما تتم زيادة النباتات والأشجار في الشوارع والمناطق الحضرية.

فخلال بضع سنوات فقط، أضيفت ملايين النباتات وأكثر من 12,500 شجرة لتشكيل شبكة من الممرات الخضراء في ثاني أكبر مدن كولومبيا.

وأدى المشروع إلى انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة، بلغ 4.5 درجة مئوية في بعض المناطق، ونحو درجتين مئويتين على مستوى المدينة ككل.

لندن وباريس تتجهان نحو مزيد من المساحات الخضراء

لندن وباريس تتجهان نحو مزيد من المساحات الخضراء

وتوجد مؤشرات على أن لندن وباريس بدأتا تدركان الحاجة إلى إجراء تغييرات لمواجهة ارتفاع درجات الحرارة.

فخطة «هِيْت ريدي لندن» (Heat Ready London) التي أُعلن عنها مؤخرًا تتضمن التركيز على زيادة المساحات الخضراء داخل المدينة.

أما باريس، فقد بدأت بالفعل في إضافة المزيد من المساحات الخضراء. ولا يقتصر برنامج شوارع المدارس في العاصمة الفرنسية على إنشاء مناطق آمنة خالية من السيارات بالقرب من المدارس المحلية، بل يتضمن أيضًا زراعة المزيد من الأشجار.

وتشير الأدلة الأولية إلى أن الأسطح الموجودة في شوارع المدارس تكون أكثر برودة بنحو 5 درجات مئوية مقارنة بالأسطح الموجودة في المناطق التي تشهد حركة مرور كثيفة وتضم عددًا أقل من الأشجار.

ومع استعداد أوروبا لمواجهة المزيد من فصول الصيف شديدة الحرارة، تبرز زراعة الأشجار بالقرب من المنازل باعتبارها أحد الإجراءات التي ينبغي أن تتصدر أجندة المدن، لمساعدة السكان على مواجهة الحرارة وتقليل المخاطر الصحية المرتبطة بها.

Exit mobile version