نجح فريق من الباحثين في معهد جورجيا للتكنولوجيا في تطوير سرب من الروبوتات الدقيقة يعمل دون أي مكونات إلكترونية أو بطاريات أو برمجيات، معتمدًا بالكامل على ما يُعرف بـ”الذكاء الميكانيكي”.
يعتمد هذا الابتكار على تصميم جسيمات روبوتية صغيرة قادرة على الالتحام والانفصال وإعادة التنظيم ذاتيًا دون الحاجة إلى مستشعرات أو معالجات أو أكواد.
وتتشابه الفكرة مع قطع “ليجو”، التي لا تحتوي على ذكاء إلكتروني، لكنها تتفاعل مع بعضها البعض عبر الشكل فقط.
وأوضح الباحث بولي دينج، أن سلوك هذه الجسيمات لا تحكمه وحدة مركزية، بل يعتمد على تصميمها الميكانيكي وطريقة تفاعلها مع بعضها.
وفي هذا السياق، يتم استبدال التعقيد التقليدي في الروبوتات، مثل المعالجات والبرمجيات—بتصميم هندسي ذكي.
من جانبها، أطلقت الباحثة شينيي يانغ على هذا المفهوم اسم “الذكاء الميكانيكي”، حيث لا تتم برمجة السلوك، بل يُبنى داخل التصميم نفسه. وبمجرد تغيير شكل الجسيم، يتغير سلوك السرب بالكامل.
تحتوي كل وحدة على أذرع مرنة موزعة بالتساوي حولها، وعند التقاء وحدتين تنحني هذه الأذرع وتتشابك، مخزنة طاقة مرنة، وعند تعرضها لاهتزاز خارجي، تُطلق هذه الطاقة، فتتحرر الجسيمات وتتحرك مبتعدة عن بعضها البعض.
وتعتمد سرعة وانتشار هذه الحركة على خصائص التصميم، مثل صلابة الأذرع وانحنائها، وعلى الرغم من بساطة كل وحدة بمفردها، فإن تفاعل عدد كبير منها يولد سلوكًا جماعيًا يشبه أسراب الطيور أو مستعمرات النمل.
ذكاء بلا “عقل”
يُظهر هذا النظام أن الذكاء يمكن أن ينشأ من التفاعل الجماعي دون الحاجة إلى معالجة مركزية. فكل جسيم يتبع قواعد ميكانيكية بسيطة: الانحناء، والالتحام، والانفصال، لكن عند تجميعها تظهر أنماط سلوكية معقدة.
كما يمكن لهذه الجسيمات الانتقال بين حالات مختلفة، مثل الحالة السائلة حيث تكون منفصلة، أو الصلبة عندما تتشابك، أو الغازية عندما تتحرك بحرية، وذلك وفقًا لطبيعة التفاعل والاهتزازات.
https://www.youtube.com/watch?v=jWAC1jnncHY
تطبيقات طبية وفضائية واعدة
يحمل هذا الابتكار إمكانات كبيرة في المجال الطبي، حيث يمكن تصنيع جسيمات بحجم صغير للغاية يسمح لها بالدخول إلى مجرى الدم.
ويمكن تفعيلها باستخدام الموجات فوق الصوتية، لتنتشر داخل الأوعية الدموية وتصل إلى مناطق يصعب على الأدوات الطبية التقليدية الوصول إليها.
وقد تساهم هذه التقنية في توصيل أدوية السرطان بدقة إلى الأورام، مع تقليل التأثير على الأنسجة السليمة، كما يمكن استخدامها في رسم خرائط للأوعية الدموية بدقة غير مسبوقة.
وفي الفضاء، حيث تتعرض الأجهزة الإلكترونية للإشعاع ودرجات الحرارة القاسية، يمكن لهذه الجسيمات أن تعمل بكفاءة دون الحاجة إلى أنظمة إلكترونية، ما يقلل المخاطر على رواد الفضاء ويتيح تنفيذ مهام معقدة عن بُعد.
https://www.youtube.com/watch?v=9nc1iRKCvsc
آفاق مستقبلية
يعمل الباحثون حاليًا على تطوير هياكل أكثر تعقيدًا يمكنها إعادة تشكيل نفسها استجابة لأنواع مختلفة من الاهتزازات، بحيث يؤدي كل نمط اهتزازي إلى تغيير محدد في البنية.
ويمثل هذا التوجه تحولًا جذريًا في تصميم الروبوتات، حيث يصبح الشكل هو المحرك الأساسي للسلوك، وليس البرمجيات، ما يفتح الباب أمام تطبيقات جديدة في بيئات يصعب فيها استخدام الإلكترونيات.
