لقد أسلفنا سابقًا أن “الشرق الأوسط الذي عرفتموه قد انتهى”.. جملة تلخص حقيقة مرعبة؛ فنحن لا نعيش مجرد صراع أنظمة، بل مواجهة مع “مقصلة الجغرافيا” التي أراد الغرب أن يهوي بها على رقاب القوى الإقليمية الكبرى.
ولكن، ما يحدث الآن على الأرض يشير إلى تحول تاريخي: هل نحن أمام هزيمة استراتيجية للمشروع الأمريكي-الإسرائيلي؟
وكيف استطاعت “دبلوماسية الصمت” المصرية العربية، مدعومة بظهور أقطاب عالمية جديدة، أن تحول الفخ إلى فرصة لاسترداد السيادة؟
1. هزيمة الهيبة: هل انكسر الردع الأمريكي-الإسرائيلي؟
لاجدال أن هناك “هزيمة ثقيلة بالنقاط” مُنيت بها الولايات المتحدة وإسرائيل. سقوط القواعد الأمريكية ليس مجرد خسارة مادية، بل هو إعلان عن تآكل “الإمبراطورية” كما يلي:
داخليًا: يعاني المعسكر الغربي من تمزق غير مسبوق؛ فالشارع الأمريكي والأوروبي المناهض لسياسات ترامب واليمين المتطرف أصبح “حائط صد” يمنع الحكومات من التورط في حروب استنزاف طويلة.
إقليميًا: إسرائيل، التي كانت تمني النفس بـ “مركزية مطلقة” فوق أنقاض دول ممزقة، تجد نفسها اليوم محاصرة بجغرافيا “مقاومة” لا تعترف بحدود المسطرة، وبوعي إقليمي يرفض أن تكون تل أبيب هي “المركز”.
2. العملاق الآسيوي والدب الروسي: كسر احتكار “المخنق الاقتصادي”
في الوقت الذي كانت واشنطن تسعى فيه لتكتيف “التنين الصيني” عبر السيطرة على المضايق (هرمز، السويس، باب المندب)، تحركت بكين وموسكو كلاعبي شطرنج محترفين لقلب الطاولة:
الدور الروسي-الصيني: قدمت موسكو المظلة العسكرية والسياسية التي منعت الاستفراد بإيران، بينما قدمت بكين البدائل الاقتصادية التي أفشلت سلاح العقوبات. هذا التحالف حوّل “المخنق” من أداة أمريكية إلى عبء على واشنطن.
تفعيل “بريكس” كحبل إنقاذ: يمثل تفعيل منظومة بريكس (بما تضم من قوى كبرى مثل مصر والسعودية والإمارات وإيران) الضربة القاضية لمخطط التقسيم. فبدلًا من “السيولة الجغرافية”، خلقت بريكس “كتلة اقتصادية صلبة” قادرة على التبادل بالعملات المحلية، مما يمهد لنزع سلاح “الدولار” الذي كان يُستخدم لتمويل الفتن وتقسيم الأوطان.
3. صمود إيران.. ساتر جغرافي لحماية “المربع الذهبي”
إن صمود الجغرافيا الإيرانية أمام مخطط “السيولة والتقسيم” لم يكن نصرًا لطهران وحدها، بل كان “نجاة استراتيجية” للعواصم العربية. فلو نجح مخطط “تفتيت الأقاليم” في إيران، لكانت الخطوة التالية هي بلقنة مصر والسعودية وتركيا.
الدبلوماسية المصرية الخفية: أدارت القاهرة وسائر “المربع الذهبي” المعركة بحنكة؛ حيث تم إحباط الفخ الغربي الذي أراد تحويل الخلاف مع إيران إلى حرب إقليمية شاملة تُعطي التبرير الدولي لـ “إعادة ترسيم الحدود”.
4. خروج أمريكا.. حقيقة أم إعادة تموضع؟
العالم اليوم يمر بمرحلة “تعدد الأقطاب”. أمريكا لم تعد القوة الوحيدة التي تبيع وتشتري في المنطقة.
بيع واشنطن لحلفائها (من تايوان إلى أوروبا) يؤكد أنها تبحث عن “مخرج آمن” بعد “اصابة مباشرة فى حربها على طهران”.
هذا الانسحاب ليس حيلة بقدر ما هو “إذعان لواقع جديد” فرضته صلابة الدول المركزية وتحالفاتها الجديدة مع الشرق.
الخلاصة: كما قلن ونقول يتفق العقلاء فى أن السيادة تُنتزع ولا تُمنح
إن نصر المنطقة الحقيقي ليس في بقاء نظام أو رحيله، بل في “بقاء الدولة الوطنية” بحدودها وجيشها وقرارها.
لقد أثبتت التجربة أن “المربع الذهبي” إذا امتلك إرادة الوحدة وتسلح بمظلة “بريكس” والتحالفات المتوازنة، يمكنه أن يفرض واقعاً يخرج فيه الغرب مطروداً، وتعود فيه السيادة لأصحاب الأرض.
الرسالة الأخيرة للمصريين والعرب: رسالة معاد توجيها بشتى اللغات واللهجات “لاوقت للخلافات، فما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا وعلينا أن نضع مصلجتنا وأولويتانا أولًا وقبل الغرب”، فالجغرافيا لا تحمي من يفرط في ذرة من سيادته، وبريكس والتحالف مع الشرق هما الدرع الاقتصادي الذي سيكمل انتصار الوعي الجيوسياسي.
