تواجه مصر وعدد من الدول العربية والاقتصادات الناشئة احتمالات التعرض لرسوم جمركية أمريكية جديدة، في خطوة قد تمثل فصلاً جديداً من سياسات الحماية التجارية التي تنتهجها واشنطن، وتثير تساؤلات واسعة بشأن انعكاساتها على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وتدفقات الصادرات إلى أكبر سوق استهلاكية في العالم.
ووفقاً لتقرير نشرته مجلة نيوزويك الأمريكية، أدرج مكتب الممثل التجاري الأمريكي عشرات الاقتصادات ضمن قائمة تخضع للمراجعة في إطار مقترح لفرض رسوم جمركية تتراوح بين 10% و12.5% على بعض الواردات، ضمن إجراءات تقول الإدارة الأمريكية إنها تهدف إلى تشديد الرقابة على المنتجات المرتبطة بالعمل القسري ومنع دخولها إلى الأسواق الأمريكية.
وتضم القائمة عدداً كبيراً من الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، من بينهم مصر والسعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وسلطنة عُمان والأردن والعراق والمغرب والجزائر وليبيا، إلى جانب اقتصادات كبرى مثل الصين والاتحاد الأوروبي واليابان والمملكة المتحدة والهند وكندا والمكسيك والبرازيل وأستراليا وكوريا الجنوبية.
لماذا تتحرك واشنطن الآن؟
تأتي الخطوة الأمريكية في إطار توجه أوسع لإعادة صياغة العلاقات التجارية العالمية على أسس تعتبرها واشنطن أكثر توافقاً مع معايير العمل وحقوق الإنسان، خاصة فيما يتعلق بمكافحة المنتجات التي يشتبه في تصنيعها باستخدام العمالة القسرية.
وتقول الإدارة الأمريكية إن بعض الشركاء التجاريين لا يطبقون بشكل كافٍ القيود المفروضة على المنتجات المرتبطة بالعمل القسري، الأمر الذي يمنح بعض المنتجين ميزة تنافسية ناتجة عن انخفاض تكاليف الإنتاج، وهو ما تعتبره واشنطن منافسة غير عادلة للشركات الأمريكية.
لكن مراقبين يرون أن الدوافع لا تقتصر على الاعتبارات الحقوقية فقط، بل ترتبط أيضاً بتنامي النزعة الحمائية داخل الولايات المتحدة، ومحاولات دعم الصناعات المحلية وتقليل الاعتماد على الواردات الأجنبية في قطاعات استراتيجية.
ماذا يعني إدراج مصر؟
حتى الآن، لم تدخل الرسوم المقترحة حيز التنفيذ، وما زالت تخضع لإجراءات تشاورية قد تؤدي إلى تعديل نطاقها أو استثناء بعض الدول أو القطاعات قبل اتخاذ القرار النهائي.
ومع ذلك، فإن إدراج مصر ضمن القائمة يسلط الضوء على أهمية العلاقات التجارية المصرية الأمريكية، خاصة في ظل سعي القاهرة خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز الصادرات الصناعية والزراعية وزيادة نفاذ المنتجات المصرية إلى الأسواق الخارجية.
ويشير خبراء إلى أن التأثير الفعلي على الاقتصاد المصري سيعتمد على طبيعة السلع التي قد تشملها الرسوم النهائية، وحجم الصادرات المتأثرة، ومدى قدرة الشركات المصرية على الحفاظ على تنافسيتها في السوق الأمريكية.
كما أن أي رسوم إضافية على الواردات قد تؤثر على جاذبية بعض المنتجات المصرية مقارنة بمنافسين من دول أخرى، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على هوامش ربح محدودة أو تواجه منافسة قوية من الموردين الآسيويين واللاتينيين.
تداعيات تتجاوز الدول المستهدفة
ورغم أن الرسوم الجمركية تستهدف رسمياً الموردين والحكومات الأجنبية، فإن العديد من الاقتصاديين يؤكدون أن العبء النهائي غالباً ما ينتقل إلى المستهلك الأمريكي.
فعندما ترتفع تكلفة استيراد السلع، يتحمل المستوردون الرسوم عند دخول البضائع إلى الولايات المتحدة، ثم تُنقل هذه التكاليف تدريجياً عبر حلقات التوزيع المختلفة وصولاً إلى المستهلك النهائي في صورة أسعار أعلى.
وتشير تجارب سابقة إلى أن الرسوم الجمركية الواسعة النطاق تؤدي غالباً إلى زيادة تكاليف الإنتاج والتوزيع، ما ينعكس على معدلات التضخم ويؤثر على القوة الشرائية للأسر الأمريكية.
قطاعات مرشحة للتأثر
بحسب تقديرات خبراء التجارة الدولية، تعد الإلكترونيات والملابس والمنسوجات والسلع المنزلية وقطع غيار السيارات من بين أكثر القطاعات عرضة للتأثر في حال تطبيق الرسوم الجديدة.
كما قد تمتد التداعيات إلى قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والتصنيع، خاصة إذا دفعت الإجراءات الجديدة الشركات متعددة الجنسيات إلى إعادة هيكلة سلاسل التوريد أو نقل جزء من عملياتها الإنتاجية إلى دول أخرى.
وفي حال توسعت الإجراءات لتشمل نطاقاً أوسع من الواردات، فقد يؤدي ذلك إلى تغييرات ملموسة في خريطة التجارة الدولية، مع سعي الشركات إلى البحث عن مصادر بديلة للإنتاج والتوريد تقل فيها المخاطر الجمركية.
مرحلة جديدة من التوتر التجاري
تأتي هذه التطورات في وقت يشهد الاقتصاد العالمي حالة من عدم اليقين نتيجة التوترات الجيوسياسية المتزايدة، واضطرابات سلاسل الإمداد، والتقلبات التي تشهدها أسواق الطاقة والمواد الخام.
ويرى محللون أن أي توسع جديد في استخدام الرسوم الجمركية كأداة للضغط الاقتصادي قد يفتح الباب أمام ردود فعل مقابلة من بعض الشركاء التجاريين، وهو ما قد يؤدي إلى جولة جديدة من النزاعات التجارية العالمية.
وفي ظل تشابك الاقتصاد العالمي، فإن تأثير هذه الإجراءات لن يقتصر على الدول المدرجة في القائمة، بل قد يمتد إلى الأسواق الدولية بأكملها، عبر ارتفاع تكاليف التجارة وتغير مسارات الاستثمار والإنتاج، ما يجعل القرار الأمريكي المرتقب محل متابعة وثيقة من الحكومات والشركات والمستثمرين حول العالم.
