حذرت الأمم المتحدة من أن تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم تعد تقتصر على الجوانب العسكرية أو الجيوسياسية، بل بدأت تتحول إلى أزمة إنسانية واقتصادية عالمية قد تهدد الأمن الغذائي لمئات الملايين من البشر.
فمع تعطل طرق التجارة البحرية وارتفاع أسعار النفط والوقود والأسمدة وتزايد الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية، تتزايد المخاوف من موجة جديدة من الجوع قد تضرب الدول الأكثر هشاشة وفقراً، في وقت تواجه فيه وكالات الإغاثة الدولية أسوأ أزمة تمويل منذ سنوات.
وتشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى أن استمرار الصراع قد يؤدي إلى انزلاق نحو 45 مليون شخص إضافي إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي الحاد، ما يرفع عدد الجوعى حول العالم إلى نحو 363 مليون شخص خلال عام 2026، مقارنة بـ318 مليوناً يعانون بالفعل مستويات خطيرة من الجوع.
الحرب تتجاوز حدود المنطقة
أدى اتساع نطاق الصراع في الشرق الأوسط إلى اضطرابات واسعة في حركة التجارة الدولية، خاصة مع تأثر الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط والغاز والسلع في العالم.
وأجبرت المخاطر الأمنية المتزايدة شركات الشحن على تغيير مساراتها، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل وإطالة فترات التسليم وزيادة أسعار السلع الأساسية في الأسواق العالمية.
ويرى خبراء أن تأثير الحرب تجاوز حدود الدول المنخرطة فيها، ليطال اقتصادات تعتمد بشكل كبير على استيراد الغذاء والطاقة، خاصة في أفريقيا وجنوب آسيا، حيث تشكل تكاليف الغذاء الجزء الأكبر من إنفاق الأسر منخفضة الدخل.
ارتفاع أسعار الطاقة يضرب منظومة الغذاء
تعتمد الزراعة الحديثة بصورة كبيرة على الوقود والأسمدة والنقل، لذلك فإن أي ارتفاع في أسعار الطاقة ينعكس مباشرة على تكلفة إنتاج الغذاء.
ومع الاضطرابات التي أصابت أسواق النفط والغاز، ارتفعت تكلفة تشغيل المعدات الزراعية ونقل المحاصيل وإنتاج الأسمدة، ما أدى إلى زيادة الضغوط على المزارعين وأسواق الغذاء العالمية.
كما تسبب تعطل تدفقات الوقود والأسمدة عبر مضيق هرمز في ارتفاع تكاليف زراعة محاصيل رئيسية مثل القمح والذرة والأرز، وهي محاصيل تشكل العمود الفقري للأمن الغذائي العالمي.
ويحذر كبار المنتجين الزراعيين من أن استمرار هذه الضغوط قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج خلال المواسم المقبلة وارتفاع الأسعار بشكل أكبر.
أفغانستان والصومال في قلب الأزمة
بحسب برنامج الأغذية العالمي، تعد أفغانستان والصومال من أكثر الدول تعرضاً لتداعيات الأزمة الحالية.
ففي أفغانستان، يحتاج نحو 17.4 مليون شخص إلى مساعدات غذائية عاجلة، بينما يتوقع أن يحتاج قرابة 4.9 ملايين امرأة وطفل إلى علاج من سوء التغذية خلال عام 2026. وتفاقمت الأزمة بسبب إغلاق بعض المعابر الحدودية وارتفاع تكاليف النقل ونقص التمويل الإنساني، ما حدّ من قدرة البرنامج على الوصول إلى المحتاجين.
أما في الصومال، فتشير التوقعات إلى أن 6.5 ملايين شخص قد يواجهون مستويات أزمة من الجوع أو ما هو أسوأ، بينهم مليونا شخص في مرحلة الطوارئ الغذائية.
كما يتوقع أن يعاني 1.84 مليون طفل من سوء التغذية الحاد، في ظل تداخل آثار الجفاف وانعدام الأمن وتراجع التمويل مع التداعيات الاقتصادية للصراع الإقليمي.
أزمة تمويل خانقة
تتزامن هذه التطورات مع تراجع كبير في التمويل المخصص للعمليات الإنسانية، ما يحد من قدرة وكالات الأمم المتحدة على الاستجابة للأزمات المتفاقمة.
وأكد برنامج الأغذية العالمي أنه يواجه فجوات تمويلية كبيرة أجبرته على تقليص عملياته في عدد من الدول، رغم الزيادة المستمرة في أعداد المحتاجين للمساعدات.
وفي أفغانستان وحدها، يحتاج البرنامج إلى 350 مليون دولار لمواصلة عملياته حتى أكتوبر 2026، بينما يواجه صعوبات متزايدة في توفير الموارد اللازمة.
ويحذر مسؤولون أمميون من أن نقص التمويل لا يقل خطورة عن نقص الغذاء نفسه، إذ إن غياب الموارد المالية يعني حرمان ملايين الأسر من المساعدات المنقذة للحياة في أكثر المناطق هشاشة.
اضطرابات سلاسل الإمداد
أدت الحرب إلى إرباك شبكات النقل والشحن العالمية بصورة ملحوظة، حيث اضطر برنامج الأغذية العالمي إلى استخدام طرق بديلة أطول وأكثر تكلفة لإيصال المساعدات.
وتشير بيانات البرنامج إلى أن بعض الشحنات الإنسانية باتت تقطع مسافات إضافية تصل إلى 9 آلاف كيلومتر مقارنة بالمسارات المعتادة، ما أدى إلى ارتفاع النفقات وتأخير وصول الإمدادات الأساسية إلى المناطق المتضررة.
كما ارتفعت تكاليف نقل المساعدات في بعض الدول إلى خمسة أضعاف، فيما امتدت فترات التسليم من أيام معدودة إلى أكثر من شهرين في بعض الحالات، الأمر الذي يهدد فعالية الاستجابة الإنسانية.
أسعار الغذاء قرب أعلى مستوياتها في سنوات
في موازاة ذلك، أظهرت بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) أن أسعار الغذاء العالمية لا تزال تتحرك قرب أعلى مستوياتها منذ أكثر من ثلاث سنوات.
ورغم تسجيل المؤشر العالمي للغذاء تراجعاً طفيفاً خلال مايو 2026، فإن أسعار العديد من السلع الأساسية واصلت الارتفاع، وعلى رأسها القمح والذرة والأرز والسكر، مدفوعة بمخاوف تتعلق بالإنتاج الزراعي وارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة والنقل.
وسجلت أسعار القمح ارتفاعاً للشهر الرابع على التوالي نتيجة توقعات بانخفاض الإنتاج في عدد من الدول المصدرة الرئيسية، بينما استفادت أسعار الذرة من زيادة الطلب العالمي وتراجع المعروض في بعض الأسواق الكبرى.
مخاطر تهدد الأمن الغذائي العالمي
تحذر المؤسسات الدولية من أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يؤدي إلى سلسلة من التداعيات المتشابكة تشمل ارتفاع معدلات الفقر وسوء التغذية وتراجع القدرة الشرائية واتساع الفجوات الإنسانية، خاصة في الدول التي تعتمد على الاستيراد لتأمين احتياجاتها الغذائية.
كما أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يؤثر فقط على الغذاء، بل يضغط أيضاً على ميزانيات الحكومات ويزيد كلفة برامج الحماية الاجتماعية والاستجابة الإنسانية، ما يضعف قدرة الدول الفقيرة على مواجهة الصدمات الاقتصادية المتلاحقة.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الأزمة الحالية اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الدولي على احتواء تداعيات الصراعات الجيوسياسية على الأمن الغذائي العالمي، خصوصاً مع تزايد التحذيرات من أن الملايين قد يجدون أنفسهم خلال الأشهر المقبلة أمام خيارات قاسية تتعلق بالحصول على الغذاء والبقاء على قيد الحياة.
