د.هبة محمد إمام: بين البيت والعمل.. كيف تصنع المرأة مستقبل المجتمع؟

استشاري وخبير بيئي

منذ فجر التاريخ، كانت المرأة حاضرة في كل لحظة تأسيس حقيقية للمجتمعات الإنسانية، سواء ظهرت أدوارها في المشهد العام بوضوح، أو بقيت في الظل تُنجز بصمت ما لا يمكن لأي مجتمع أن يستغني عنه.

وإذا كان اوجهات النظر  ما يقيسون قيمة العمل بما يدرّه من مال، أو بما يمنحه من مكانة اجتماعية ظاهرة، فإن هذا القياس يظل ناقصًا حين يتعلق بدور المرأة في بناء الإنسان نفسه؛ لأن بناء الإنسان هو أصل كل بناء، وتربية النشء هي القاعدة التي يقوم عليها المجتمع في أخلاقه وعلمه واستقراره ومستقبله.

ومن هنا يمكن القول بثقة إن المرأة ليست مجرد عنصر من عناصر المجتمع، بل هي النواة الأساسية لإنشائه، والركيزة الأولى لاستمراره، والقوة العميقة التي تمنحه التوازن والهوية والقدرة على التجدد.

إن الحديث عن المرأة وبناء المجتمع لا ينبغي أن يقتصر على زاوية واحدة، كأن يُحصر في عملها خارج المنزل أو في حضورها المهني فقط، كما لا يصح في المقابل أن يُختزل في دورها الأسري وحده بطريقة تنتقص من بقية قدراتها.

فالحقيقة الأعمق أن المرأة تؤدي أدوارًا متكاملة، بعضها ظاهر وبعضها خفي، بعضها يُقاس بالأرقام وبعضها لا يمكن قياسه إلا بآثاره الممتدة في الأجيال.

ولهذا فإن تربية المرأة للنشء، وقيامها على صناعة الإنسان الصالح، لا يقل أبدًا في القيمة والأهمية عن عملها خارج المنزل، بل قد يكون في كثير من الأحيان أكثر أثرًا وأبعد مدى، لأن نتائج هذا الدور لا تنعكس على  الأسرة  واحدها ، بل على المجتمع كله.

 

المرأة صانعة الإنسان قبل أن تكون شريكة في العمران

عندما نتأمل نشأة أي مجتمع قوي ومتماسك، نجد أن البداية الحقيقية لم تكن في المباني الشاهقة، ولا في المصانع، ولا في المؤسسات الكبرى، وإنما كانت في الإنسان: في عقله، وفي سلوكه، وفي ضميره، وفي قدرته على التمييز بين الخير والشر، وبين الصواب والخطأ، وبين الحق والباطل.

وهذا الإنسان لا يتشكل فجأة، بل تُبنى ملامحه الأولى في  المنزل ، في سنوات الطفولة المبكرة، حيث تكون الأم غالبًا  الأقرب  إلى الطفل، وأكثرهم حضورًا في تفاصيل تكوينه النفسي واللغوي والسلوكي.

فالمرأة حين تربي طفلًا على الصدق، فهي في الحقيقة تضع لبنة في بناء مجتمع يحترم الأمانة. وحين تغرس فيه الرحمة، فإنها تُسهم في تقليل القسوة والعنف في المجتمع.

وحين تعوده الانضباط، فهي تُعد فردًا قادرًا على احترام القانون والنظام. وحين تفتح أمامه أبواب الفضول المعرفي وحب التعلم، فإنها تساعد في صناعة عقل منتج ومبدع. وبهذا المعنى، فإن المرأة لا تربي أبناءها فقط، بل تبني من خلالهم مستقبل المجتمع كله.

إن الطفل في سنواته الأولى لا يتلقى الكلمات وحدها، بل يمتص المشاعر، ويقلد التصرفات، ويتأثر بطريقة التعامل، ويتعلم من الجو العام الذي يعيش فيه. لذلك فإن المرأة، ولا سيما الأم، تؤدي دورًا بالغ الحساسية والدقة؛ فهي المدرسة الأولى، والمصدر الأول للأمان، والمرجع الأول في تكوين الوجدان.

وقد ينسى الإنسان كثيرًا من دروس المدرسة، لكنه نادرًا ما ينسى ما تعلمه من أمه من قيم ومعانٍ وطريقة في النظر إلى الحياة.

ومن هنا نفهم أن دور المرأة في تربية النشء ليس دورًا هامشيًا أو ثانويًا، بل هو عمل تأسيسي من الدرجة الأولى.

وإذا كانت الدول تنفق الأموال الطائلة على التعليم والإصلاح والتأهيل، فإن جزءًا كبيرًا من نجاح هذه الجهود أو فشلها يتوقف على ما سبق ذلك من تربية داخل الأسرة.

فالمدرسة تبني على أساس، فإن كان الأساس قويًا، أثمر التعليم، وإن كان هشًا، تعثرت الجهود مهما بلغت.

الأسرة: أول مؤسسة لبناء المجتمع

الأسرة هي الخلية الأولى في المجتمع، وإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع في كثير من جوانبه، وإذا ضعفت الأسرة أو اختل توازنها، انعكس ذلك على المجتمع كله.

وفي قلب الأسرة تقف المرأة بوصفها عنصرًا محوريًا في تنظيم الحياة اليومية، وبث الحنان، وصناعة الاستقرار النفسي، وحماية الروابط العاطفية والإنسانية بين أفراد البيت.

وليس المقصود هنا أن المرأة وحدها مسؤولة عن الأسرة، فالرجل أيضًا شريك أصيل في الرعاية والتوجيه والتحمل، ولكن خصوصية المرأة تكمن في عمق أثرها الوجداني والتربوي، وفي قدرتها الفطرية والاجتماعية على احتواء النشء، وفهم احتياجاتهم، ومرافقتهم في مراحل التكوين المختلفة.

فهي غالبًا من تلاحظ تغيرات الطفل الصغيرة، وتكتشف مواهبه المبكرة، وتنتبه إلى مخاوفه، وتسانده في لحظات ضعفه، وتشجعه حين يتردد، وتقوم سلوكه حين ينحرف.

إن المجتمع المتماسك لا يُبنى فقط عبر القوانين، بل عبر شخصيات متوازنة نفسيًا، وهذه الشخصيات كثيرًا ما تبدأ رحلة اتزانها من حضن أم واعية، ومن بيت تحسن المرأة إدارة مناخِه الأخلاقي والعاطفي.

فالمرأة التي تغرس الطمأنينة في  الأسرة  تُنتج أفرادًا أقل اضطرابًا، وأكثر قدرة على العطاء والتعاون. والمرأة التي تحفظ الاحترام بين أفراد الأسرة تُخرج أفرادًا يعرفون معنى الحوار، ويتعلمون آداب الاختلاف، ويستوعبون قيمة المسؤولية.

لذلك فإن التقليل من قيمة عمل المرأة داخل  المنزل يمثل في الحقيقة سوء فهم لطبيعة البناء الاجتماعي. فإدارة المنزل ، وتربية الأبناء، وصناعة بيئة صحية نفسيًا وأخلاقيًا، ليست أمورًا بسيطة أو تلقائية، بل هي مهام شاقة ومعقدة تحتاج إلى وعي وصبر ومهارة وحضور دائم.

وما يراه البعض “عدم عمل” هو في الحقيقة عمل يومي متواصل، لكنه لا يُقاس بالراتب الشهري، بل يُقاس بثمرته في تكوين الإنسان.

تربية النشء عمل هام لا يقل عن العمل خارج المنزل

من الأخطاء الشائعة في بعض الخطابات المعاصرة أن قيمة الإنسان، وخصوصًا المرأة، أصبحت ترتبط عند البعض فقط بقدر مشاركته في سوق العمل أو بمدى استقلاله المادي.

ولا شك أن عمل المرأة خارج المنزل حق مهم ومجال واسع للعطاء والإبداع والمشاركة في التنمية، لكن الخطأ يكمن في تحويل هذا النوع من العمل إلى المعيار الوحيد للقيمة، وإهمال ما عداه من أدوار لا تقل قيمة ولا أثرًا.

إن المرأة التي تتفرغ لتربية أبنائها تربية صالحة لا تعيش خارج دائرة الإنتاج، بل هي تمارس نوعًا من أعمق أنواع الإنتاج: إنتاج الإنسان السوي.

وهذا ليس تعبيرًا عاطفيًا أو إنشائيًا، بل حقيقة اجتماعية ثابتة؛ لأن المجتمع لا ينهض بكثرة الوظائف وحدها، بل بجودة البشر الذين يشغلون هذه الوظائف. والطبيب، والمعلم، والمهندس، والقاضي، والعالم، والمفكر، كل هؤلاء كانوا يومًا أطفالًا، وتشكّلت شخصياتهم الأولى في بيوتهم، وتلقت نفوسهم البذور الأولى للقيم على يد أمهاتهم ومن حولهم.

فإذا أحسنت المرأة صناعة هذه البذور، فقد تكون قد قدمت للمجتمع أعظم من أي إنجاز مهني منفرد. لأن أثرها لا يقف عند حدود ذاتها، بل يمتد إلى عدة أفراد، ثم إلى أسر جديدة، ثم إلى المجتمع عبر الأجيال.

وهذا الاتساع في الأثر يجعل من التربية عملًا حضاريًا بالغ الخطورة والأهمية.

ولا يعني هذا أبدًا أن كل امرأة يجب أن تترك العمل الخارجي وتتفرغ للمنزل، كما لا يعني أن المرأة العاملة أقل عطاءً في التربية.

المقصود هو تصحيح ميزان التقدير المجتمعي، بحيث ندرك أن اختيار المرأة التفرغ لتنشئة أبنائها خيار محترم وعظيم، لا يجوز السخرية منه، ولا اعتباره فراغًا أو عجزًا أو غيابًا عن الإنتاج. فهناك أعمال عظيمة لا تُرى في الإحصاءات الاقتصادية، لكنها تصنع الاقتصاد نفسه على المدى البعيد.

المرأة والعمل خارج المنزل: امتداد لدورها لا نقيض له

وفي الوقت نفسه، فإن المرأة حين تعمل خارج المنزل في التعليم أو الطب أو الإدارة أو البحث أو غير ذلك من المجالات، فإنها تسهم مباشرة في بناء المجتمع وتطويره.

وهي بذلك تضيف إلى دورها الأسري دورًا عامًا يعكس قدراتها ويخدم  المجتمع ويعزز التنمية. وقد أثبتت المرأة في مختلف المجتمعات أنها قادرة على الإبداع والقيادة والإنجاز في شتى الميادين، وأن حضورها ليس ترفًا، بل ضرورة في كثير من القطاعات، خاصة تلك التي تحتاج إلى حس إنساني عالٍ وصبر ومهارات تواصل واحتواء.

لكن الأهم من ذلك أن العلاقة بين العمل الخارجي والعمل الداخلي ليست علاقة صراع بالضرورة، بل يمكن أن تكون علاقة تكامل وفق ظروف كل امرأة وكل أسرة.

فبعض النساء ينجحن في التوفيق بين الدورين، وبعضهن يفضلن في مرحلة معينة تقديم الأسرة، وبعضهن يركزن على المسار المهني لأسباب مختلفة. والمجتمع الواعي هو الذي يفتح المجال لكل هذه الخيارات الكريمة، ولا يحصر المرأة في قالب واحد.

إن الخطأ الحقيقي لا يكمن في خروج المرأة للعمل أو بقائها في البيت، بل في النظرة التي تفرّق بين الأدوار على أساس الظاهر والمال والشهرة، وتنسى جوهر الرسالة.

فالمرأة في الحالتين تبني المجتمع: تبنيه حين تعلم في مدرسة، وحين تعالج في مستشفى، وحين تدير مؤسسة، وتبنيه كذلك حين تربي طفلًا على الأخلاق، وتحتوي مراهقًا في مرحلة حساسة، وتصنع بيتًا مستقرًا يحفظ أبناءه.

الأم مدرسة: معنى العبارة وعمقها

كثرت العبارة الشهيرة: “الأم مدرسة”، حتى أصبحت عند البعض مجرد جملة تقال في المناسبات، لكنها في حقيقتها تختزن رؤية عميقة للغاية.

فالأم مدرسة لأنها لا تنقل المعرفة فقط، بل تبني الشخصية. والمدرسة الحقيقية ليست مكانًا لتلقين المعلومات فحسب، وإنما فضاء لتكوين الوعي والانضباط والذوق والقيم، وهذا ما تقوم به المرأة في البيت منذ السنوات الأولى.

الأم تُعلّم طفلها اللغة الأولى، وطريقة التعبير، وأسلوب الطلب، ومعنى الاحترام، وحدود المقبول والمرفوض. هي التي تعلمه كيف يشارك، وكيف يعتذر، وكيف يشكر، وكيف يصبر، وكيف يتعامل مع الفشل.

وهي التي تكتشف إن كان بحاجة إلى تشجيع أو تقويم أو احتواء أو توجيه. وهذه المهام التعليمية والتربوية تفوق في أهميتها كثيرًا من المعارف النظرية اللاحقة، لأنها تُشكّل “الإنسان الداخلي” الذي سيواجه به العالم.

ولهذا فإن الاستثمار في المرأة ليس مجرد تمكين اقتصادي أو تعليمي فقط، رغم أهمية ذلك، بل هو أيضًا تمكينها من أداء رسالتها التربوية في أفضل صورة.

ويشمل ذلك دعمها نفسيًا، واحترام جهودها، وتوفير بيئة اجتماعية تقدر الأمومة، ولا تسخر من التفرغ للأسرة، ولا تجعل المرأة في صراع دائم بين قيمتها الإنسانية وأدوارها الطبيعية والاجتماعية.

نحو رؤية متوازنة لدور المرأة

إن الرؤية المتوازنة لدور المرأة تقوم على عدة أسس.

أولها: الاعتراف بأن المرأة إنسان كامل الكرامة والقدرة والرسالة، وأن لها حق المشاركة والعطاء في مختلف المجالات.

وثانيها: الإقرار بأن بناء الأسرة وتربية النشء ليسا أدوارًا ثانوية، بل من أقدس وأخطر المهمات الاجتماعية.

وثالثها: رفض وضع المرأة في معركة وهمية بين البيت والعمل، وكأن عليها أن تختار بين أن تكون نافعة أو أن تكون أمًا، مع أن النفع قد يتحقق في كلا المجالين.

ورابعها: احترام الاختلاف بين النساء في ظروفهن وميولهن وخياراتهن، وعدم فرض نموذج واحد عليهن جميعًا.

فليست قيمة المرأة في مكان وجودها فقط، بل في نوع الأثر الذي تصنعه. قد تصنع امرأة أثرًا عظيمًا من داخل بيتها عبر أجيال صالحة، وقد تصنع أخرى أثرًا بارزًا في مؤسسة أو مدرسة أو مستشفى، وقد تجمع ثالثة بين الأمرين بنجاح.

والعدل يقتضي أن نحترم كل دور نافع، وأن نكف عن المقارنات الجائرة التي تحتقر جانبًا لحساب جانب آخر.

الخاتمة

إن المرأة هي النواة الأساسية لإنشاء المجتمع، ليس لأن العبارة جميلة أو شائعة، بل لأنها حقيقة تثبتها التجربة والواقع والمنطق.

فهي التي تحمل في قلبها بذور الرحمة، وفي عقلها وعي التكوين، وفي صبرها القدرة على التنشئة، وفي حضورها دفء الاستقرار، وفي عطائها إمكانات لا تنضب لصناعة الإنسان. ومن دونها لا تقوم أسرة متماسكة، ومن دون الأسرة المتماسكة لا يقوم مجتمع قوي.

كما أن تربية المرأة للنشء تربية صالحة لا تقل بأي حال عن عملها خارج المنزل، بل هي في كثير من الأحيان الأساس الذي يجعل كل الأعمال الأخرى ممكنة ونافعة.

فالوظائف تبني مؤسسات، أما التربية فتبني الإنسان الذي سيقيم تلك المؤسسات ويحفظها ويطورها. وإذا فسد الإنسان، ضعفت كل الأبنية مهما بلغت قوتها المادية.

لهذا يجب أن ينظر المجتمع إلى المرأة بعين الإنصاف والتقدير الحقيقي، وأن يفهم أن رسالتها في البيت ليست انسحابًا من الحياة، بل مشاركة في أعمق مستوياتها.

كما يجب أن يهيئ لها الدعم والاحترام في كل موقع تختاره للعطاء، سواء كان داخل الأسرة أو خارجها أو بين المجالين معًا. فالمرأة ليست مجرد نصف المجتمع بالمعنى العددي، بل هي في كثير من الأحيان أصل تكوينه، ووعاء قيمه، وصانعة أجياله، وركيزة نهضته.

وحين نكرم المرأة حقًا، فإننا لا نكرم فردًا واحدًا فقط، بل نكرم الأسرة والمستقبل والمجتمع كله. لأن المرأة إذا صلحت، وأُعطيت قدرها، وأُحسن فهم رسالتها، نشأ جيل صالح، واستقامت الأسرة، وارتقى المجتمع، ومضت الأمة في طريق البناء بثبات ووعي وإنسانية.

ولهذا ستظل المرأة، في كل زمان ومكان، قلب المجتمع النابض، والنواة التي يبدأ منها العمران الحقيقي.

Exit mobile version