لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لإنتاج النصوص والصور والمحتوى الإبداعي، بل أصبح قادرًا على إعادة تشكيل الواقع البصري بصورة تجعل التمييز بين الحقيقة والاصطناع أكثر صعوبة. ومع الانتشار المتسارع لأدوات توليد الصور والتزييف العميق، برزت في الآونة الأخيرة ممارسة إعلامية وتسويقية تستحق التوقف عندها؛ تتمثل في استخدام صورة أو اسم شخصية عامة أو أكاديمية أو مهنية ناجحة، ودمج صورتها بالذكاء الاصطناعي مع صورة شخص آخر أو نشاط تجاري أو مهني، ثم نشر الصورة مقرونة ببيانات العمل أو المشروع، بما يوحي بوجود علاقة أو دعم أو مشاركة أو تزكية من الشخصية العامة.
وقد يبدو هذا السلوك في ظاهره مجرد وسيلة مبتكرة لجذب الانتباه، إلا أن دلالته القانونية والأخلاقية تتجاوز حدود الإعلان التقليدي؛ إذ قد يتحول من مجرد استخدام لصورة شخص دون إذنه إلى صناعة ارتباط وهمي بين شخصية ذات مكانة عامة وبين منتج أو مشروع أو شخص يسعى إلى اكتساب المصداقية من خلال هذه المكانة.
وهنا تطرح التقنية سؤالًا جوهريًا: هل أصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة جديدة لانتحال المكانة الاجتماعية والمهنية، وليس فقط لانتحال الصورة أو الصوت؟
أولًا: من استخدام الصورة إلى استغلال المكانة
في الإعلانات التقليدية، كان استغلال صورة شخصية مشهورة أو معروفة دون موافقتها يمثل اعتداءً واضحًا على حقها في صورتها وخصوصيتها ومكانتها، فضلًا عما قد يترتب عليه من تضليل للجمهور.
أما اليوم فقد تغيرت الصورة.
فالشخص الذي يريد الترويج لعمله قد لا يكتفي بوضع صورة الشخصية العامة بجوار صورته، وإنما يستطيع باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أن ينتج صورة تبدو واقعية، يظهر فيها وكأن الشخصية العامة تقف معه في مناسبة مهنية، أو تشارك في فعالية، أو تؤيد مشروعه، أو تربطها به علاقة مهنية أو اجتماعية.
ثم تُضاف إلى الصورة بيانات الشخص أو المؤسسة أو المشروع ووسائل التواصل معه.
وبذلك لا يجري استغلال الصورة فحسب، وإنما يجري استغلال القيمة الرمزية للصورة.
فالشخصية العامة لا تُستخدم هنا باعتبارها صورة فقط، وإنما باعتبارها مصدرًا للثقة والاعتراف الاجتماعي والمصداقية المهنية.
ثانيًا: الذكاء الاصطناعي وصناعة “الشهادة الوهمية”
تكمن خطورة الظاهرة في أن الصورة قد تؤدي وظيفة تتجاوز الإعلان.
فحين يرى الجمهور شخصية أكاديمية أو إعلامية أو فنانًا أو مسؤولًا أو شخصية مجتمعية معروفة بجوار شخص يعلن عن نشاط مهني معين، فقد يتولد لديه انطباع بأن الشخصية العامة:
– تعرف هذا الشخص؛
– تدعم نشاطه؛
– شاركت معه في عمل معين؛
– تثق في قدراته؛
– أو توصي بالتعامل معه.
وقد لا يكون أي من ذلك صحيحًا.
ومن هنا يمكن النظر إلى هذا النوع من المحتوى بوصفه شكلًا من “الشهادة الوهمية المصورة”؛ حيث تحل الصورة المصطنعة محل التوصية أو الشهادة أو التزكية الحقيقية.
فالذكاء الاصطناعي لا يختلق صورة فحسب، وإنما يستطيع أن يختلق سياقًا اجتماعيًا ومهنيًا كاملًا.
ثالثًا: من التزييف العميق إلى “التزييف السياقي”
اعتاد النقاش القانوني والتقني حول الذكاء الاصطناعي التركيز على مفهوم التزييف العميق (Deepfake)، أي إنشاء أو تعديل محتوى صوتي أو مرئي بطريقة تجعل الشخص يبدو وكأنه قال أو فعل شيئًا لم يقله أو يفعله.
لكن الظاهرة الجديدة تكشف عن صورة أكثر تعقيدًا يمكن تسميتها بـ:
“التزييف السياقي للهوية”، فقد تكون الصورة في ذاتها مجرد تركيب اصطناعي، لكن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في أن الصورة غير حقيقية، بل في السياق الذي تقدم فيه.
فعندما تُدمج صورة شخصية عامة مع صورة شخص آخر، ثم تُنشر في إطار ترويجي دون توضيح أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي، فإن الجمهور قد يفهم وجود علاقة حقيقية بين الطرفين.
وبذلك يصبح التزييف منصبًا على العلاقة وليس فقط على الصورة.
وهذا تطور مهم في دراسة الجرائم الرقمية؛ لأن الضرر قد ينشأ من خلق انطباع كاذب دون الحاجة إلى اختلاق تصريح مباشر من الشخصية العامة.
رابعًا: الاعتداء على الحق في الصورة والهوية
تثير هذه الممارسة سؤالًا قانونيًا أساسيًا يتعلق بمدى مشروعية استخدام صورة الشخص أو ملامحه أو اسمه أو صفته المهنية في سياق لم يوافق عليه.
فالحق في الصورة لم يعد مفهومًا تقنيًا محدودًا بصورة فوتوغرافية ثابتة؛ إذ أصبح من الضروري إعادة النظر في نطاق الحماية القانونية في ظل إمكانية إنتاج صور جديدة لم يلتقطها الشخص أصلًا، لكنها تظهره بصورة تبدو حقيقية.
وهنا تبرز إشكالية مهمة:
هل يشترط لقيام الاعتداء أن تكون الصورة الأصلية للشخص قد استُخدمت، أم يكفي أن تكون ملامحه وشخصيته قد أُعيد توليدها اصطناعيًا؟
فالذكاء الاصطناعي قد لا ينسخ الصورة الأصلية حرفيًا، ولكنه يستطيع إنتاج صورة جديدة تجعل الجمهور يتعرف على الشخص ويعتقد أنه ظهر بالفعل في ذلك الموقف.
ومن ثم فإن الحماية المستقبلية يجب ألا تنحصر في “الصورة” باعتبارها ملفًا رقميًا، وإنما تمتد إلى الهوية البصرية للشخص ومظهره وسياقه المهني وسمعته الرقمية.
خامسًا: متى يتحول السلوك إلى تضليل إعلامي أو إعلاني؟
ليس كل استخدام للذكاء الاصطناعي في إنتاج الصور يمثل جريمة أو مخالفة قانونية بالضرورة.
فقد يستخدم شخص صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لأغراض فنية أو ساخرة أو إبداعية، مع توضيح طبيعتها الاصطناعية.
لكن الخطورة تتصاعد عندما تستخدم الصورة:
لتحقيق منفعة مادية أو مهنية، أو لجذب العملاء، أو للتأثير في قرارات الجمهور، أو لإيهام المتلقي بوجود علاقة أو موافقة أو تأييد لم يحدث في الواقع.
وهنا ينتقل الأمر من مجرد الإبداع الرقمي إلى منطقة أكثر حساسية تتقاطع فيها عدة مصالح قانونية، منها:
1. الحق في الصورة والهوية.
2. حماية السمعة والاعتبار.
3. حماية الجمهور من التضليل.
4. مشروعية الإعلان والممارسات التسويقية.
5. حماية العلامة والاسم التجاري.
6. المسؤولية عن المحتوى المنشأ أو المعدل بالذكاء الاصطناعي.
سادسًا: الشخصية العامة ليست “أصلًا إعلانيًا” متاحًا للجميع
من أخطر الأفكار التي قد تنتج عن انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي الاعتقاد بأن شهرة الشخص تجعله متاحًا للاستخدام التسويقي.
وهذا تصور يحتاج إلى مراجعة.
فكون الشخص شخصية عامة لا يعني أن صورته أو اسمه أو سمعته أو صفته المهنية أصبحت ملكًا عامًا.
بل قد تكون الشهرة سببًا في زيادة الحاجة إلى الحماية؛ لأن القيمة الاقتصادية والاجتماعية للصورة تكون أكبر، وبالتالي يكون استغلالها أكثر قدرة على التأثير في الجمهور.
ويزداد الأمر خطورة عندما تكون الشخصية المستغلة أكاديمية أو طبيبًا أو خبيرًا أو إعلاميًا أو مسؤولًا أو صاحب إنجاز معروف؛ لأن استخدام صورتها قد يمنح الشخص المعلن عنه قدرًا من الثقة لا يستحقه في الحقيقة.
سابعًا: “سرقة المصداقية” بوصفها جريمة مستقبلية محتملة
يمكن أن نذهب أبعد من مفهوم سرقة الصورة إلى مفهوم جديد هو:
سرقة المصداقية الرقمية
والمقصود بها استخدام الهوية أو الصورة أو المكانة أو السمعة الرقمية لشخص موثوق به بهدف نقل جزء من الثقة التي يتمتع بها إلى شخص أو منتج أو خدمة لا توجد بينهما علاقة حقيقية.
وفي هذه الحالة لا تكون القيمة المستغلة هي الصورة وحدها، وإنما:
السمعة ، المكانة ،الثقة ، الاعتراف الاجتماعي.
وهذا يجعل الظاهرة جديرة بدراسة مستقلة في إطار القانون الجنائي الرقمي؛ لأن الضرر قد يصيب الشخصية العامة من ناحية، والجمهور من ناحية أخرى.
ثامنًا: المسؤولية لا تقع بالضرورة على من أنشأ الصورة فقط
تثير هذه الظاهرة أيضًا مسألة تحديد المسؤول.
فقد يكون هناك:
– من طلب إنتاج الصورة؛
– من أنشأها باستخدام أداة الذكاء الاصطناعي؛
– من قام بتعديلها؛
– من نشرها؛
– من استخدمها في إعلان مدفوع؛
– أو من أعاد تداولها مع العلم بعدم صحتها.
ومن ثم فإن المسؤولية القانونية قد تتعدد بحسب الدور الذي قام به كل شخص، ومدى علمه بحقيقة المحتوى والغرض من استخدامه والضرر الناتج عنه.
كما تبرز مسؤولية المنصات الرقمية ومزودي الخدمات الإعلانية في الحالات التي يتم فيها الإبلاغ عن محتوى مضلل أو منتحل للهوية، وفقًا للإطار القانوني المنطبق على كل منصة ودولة.
تاسعًا: الحاجة إلى وسم المحتوى المنشأ بالذكاء الاصطناعي
من الحلول المهمة لمواجهة هذه الظاهرة تعزيز الشفافية.
فإذا كان المحتوى مولدًا أو معدلًا بالذكاء الاصطناعي، فإن الإشارة إلى ذلك يمكن أن تقلل من احتمال تضليل الجمهور.
لكن مجرد وضع عبارة صغيرة مثل “صورة بالذكاء الاصطناعي” قد لا يكون كافيًا دائمًا.
فإذا كانت الصورة تستخدم بطريقة توحي بأن الشخصية العامة تؤيد منتجًا أو شخصًا أو مشروعًا، فإن الإفصاح ينبغي أن يكون واضحًا وبارزًا ومفهومًا للمستخدم العادي.
كما ينبغي التمييز بين: محتوى اصطناعي لأغراض فنيةومحتوى اصطناعي يستخدم لإحداث أثر تجاري أو مهني مضلل.
فالمشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي ذاته، وإنما في الغرض من استخدامه وطريقة تقديمه للجمهور والنتيجة التي يُراد إحداثها.
عاشرًا: نحو حماية قانونية للهوية الرقمية الممتدة
لقد أصبح من الضروري أن تتطور المفاهيم القانونية التقليدية لتواكب التطور التقني.
فالهوية الشخصية في البيئة الرقمية لم تعد تقتصر على الاسم والصورة، وإنما أصبحت تشمل:
الوجه، والصوت، والأسلوب، والصفة المهنية، والسمعة الرقمية، والعلامات المميزة، والسياق الذي يظهر فيه الشخص.
ومن ثم فإن الحماية المستقبلية ينبغي أن تتعامل مع ما يمكن تسميته “الهوية الرقمية الممتدة”.
ويشمل ذلك وضع قواعد أكثر وضوحًا بشأن:
– استخدام صور الشخصيات العامة؛
– إنشاء صور اصطناعية تحاكي أشخاصًا حقيقيين؛
– استخدام الصورة أو الصوت في الإعلانات؛
– الإيهام بالتأييد أو الشراكة؛
– انتحال الصفة المهنية؛
– المحتوى الاصطناعي المؤثر في السمعة؛
– والإفصاح عن المحتوى الاصطناعي المستخدم لأغراض تجارية.
الخطورة الحقيقية
لقد منح الذكاء الاصطناعي الإنسان قدرة غير مسبوقة على صناعة الصور، لكنه في الوقت ذاته منحه قدرة على صناعة العلاقات الوهمية والمكانة الوهمية والمصداقية الوهمية.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فقد كان التحدي في الماضي هو: هل هذه الصورة حقيقية أم مزيفة؟
أما التحدي الجديد فأصبح: هل العلاقة التي توحي بها الصورة حقيقية أم مصطنعة؟ وهل الشخص الذي يظهر في الإعلان وافق على أن تتحول صورته ومكانته إلى أداة لتسويق شخص آخر؟
إننا أمام تحول من تزييف الصورة إلى تزييف السياق، ومن انتحال الهوية إلى استغلال المصداقية.
ولذلك فإن المواجهة القانونية لا ينبغي أن تركز فقط على تقنية التزييف، وإنما على النتيجة التي أحدثها المحتوى الاصطناعي في وعي الجمهور وسمعة الشخص ومصالحه.
وربما يكون السؤال القانوني الأكثر إلحاحًا في عصر الذكاء الاصطناعي هو: «هل نحتاج إلى تجريم “سرقة المصداقية الرقمية” باعتبارها صورة مستقلة من صور الاعتداء على الهوية والسمعة؟»
فالمستقبل القريب قد يجعل الصورة المصطنعة أكثر إقناعًا من الحقيقة نفسها، وعندها لن تكون حماية الصورة وحدها كافية، بل ستصبح حماية حق الإنسان في ألا يُنسب إليه ما لم يفعله، وألا تُستغل مكانته فيما لم يوافق عليه .
