من منصة حفل تخرج الأكاديمية العسكرية، طرح الرئيس عبد الفتاح السيسي مقترحًا لإعداد وتأهيل مرشحين محتملين لرئاسة الجمهورية من حَمَلة الدكتوراه من جامعات مصرية وأجنبية مرموقة، عبر برنامج تدريبي مدته ثلاثون شهرًا داخل الأكاديمية. ولم يتوقف الطرح عند منصب الرئاسة، بل امتد إلى إعداد كوادر لشغل المناصب القيادية في الوزارات ومؤسسات الدولة، في إطار قانوني ينظم الاختيار والتأهيل.
رسالة تتجاوز الحدث
المعنى الأعمق لهذه التوجيهات أنها تعيد الاعتبار إلى حامل الدكتوراه بوصفه مشروع قائد، لا مجرد صاحب لقب، فحامل هذه الدرجة أمضى سنوات طويلة في التعليم والبحث، بدعم من الدولة والأسرة، وتدرّب على مهارات تحتاج إليها الإدارة الرشيدة تحديدًا، مثل تحليل المشكلات المعقدة، وقراءة الأرقام، وبناء القرارات على الأدلة لا على الانطباعات.
وهذه التوجيهات ليست طارئة؛ ففي يونيو الماضي، أعلن الرئيس أن الدولة تعمل على وضع رؤية متكاملة للاستفادة من الحاصلين على الماجستير، من خلال دعمهم لاستكمال الدكتوراه، وإيفاد المتميزين في بعثات خارجية، ودراسة إلحاق بعضهم بكلية الدفاع الوطني. نحن إذن أمام مسار متصل، لا مجرد قرار منفرد.
الوجه الآخر للصورة
لكن الإنصاف يقتضي النظر إلى الواقع كما هو. فخلف كل رقم عن حَمَلة الشهادات العليا قصة انتظار. وتشير تقارير مستندة إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن أكثر من مليون شخص حصلوا على درجات علمية عليا خلال عشر سنوات، وأن نحو ربعهم لا يشغلون وظائف رسمية.
والمفارقة أن الدولة التي استثمرت في تعليم هذه العقول على مدى سنوات طويلة لا تجني كامل ثمار هذا الاستثمار، وأن الدرجة العلمية التي كان يُنتظر أن تكون جواز عبور إلى فرص العمل والتقدم المهني أصبحت، بالنسبة إلى كثيرين، عنوانًا لانتظار طويل.
فالثروة التي لا تُستثمر تتآكل، والعقل الذي لا يجد مكانه في وطنه قد يبحث عنه خارجه.
والآن، بدأت الدولة حصر رصيدها من هذه الكفاءات؛ إذ تواصل الجامعات حصر خريجي الماجستير والدكتوراه خلال السنوات العشر الأخيرة، تمهيدًا لإرسال بياناتهم إلى المجلس الأعلى للجامعات.
وعلى مستوى البحث العلمي، بلغ الإنفاق على البحث والتطوير في مصر نحو 1.03% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2023، وفق بيانات البنك الدولي، بما يقترب من الحد الأدنى الذي نص عليه الدستور، وهي خطوة تستحق البناء عليها من خلال زيادة الاستثمار في البحث العلمي وربط مخرجاته باحتياجات الاقتصاد والمجتمع.
ما ننتظره من القانون
الكرة الآن في ملعب البرلمان؛ فقد دعا الرئيس رئيس مجلس النواب إلى إعداد إطار تشريعي للمقترح، بالتعاون مع نخبة من المفكرين والسياسيين، وبمشاركة وزارتي التعليم العالي والعدل.
ومن المهم أن يجيب هذا القانون بوضوح عن أسئلة يطرحها الرأي العام؛ إذ لم تتضح بعد آليات اختيار المشاركين، ولا مدى ارتباط البرنامج بالشروط الدستورية والقانونية القائمة للترشح لرئاسة الجمهورية.
كما ينبغي أن يحدد القانون معيارًا شفافًا لعبارة «الجامعات ذات الشأن»، وأن يضمن تمثيل التخصصات الإنسانية والاجتماعية إلى جانب التخصصات العلمية والتطبيقية؛ فإدارة الدول تحتاج إلى المؤرخ والاقتصادي وعالم الاجتماع بقدر حاجتها إلى المهندس والطبيب.
غير أن البرنامج سيقتصر، بطبيعته، على نخبة محدودة العدد، ما يُبقي السؤال قائمًا بشأن عشرات الآلاف من حَمَلة الدكتوراه خارج نطاقه.
وهنا تكمن الفرصة الحقيقية: أن تكون هذه التوجيهات شرارة انطلاق لاستراتيجية وطنية أشمل، تنشئ قاعدة بيانات موحدة لحَمَلة الدرجات العلمية العليا، وتفتح أمامهم أبواب وحدات دعم القرار في الوزارات والمحافظات، وتربط موضوعات الرسائل العلمية بقضايا مصر الملحة في المياه والطاقة والغذاء والتحول الرقمي.
ويجب أن تمتد الاستراتيجية إلى منح القطاع الخاص حوافز حقيقية لتوظيف الباحثين، وتحويل العلماء المصريين في الخارج من «عقول مهاجرة» إلى جسور للمعرفة والاستثمار، بما يتيح الاستفادة من خبراتهم وشبكاتهم العلمية والمهنية في دعم التنمية داخل مصر.
كلمة أخيرة
حين عاد رفاعة الطهطاوي من بعثته العلمية إلى باريس قبل نحو قرنين، لم يعد بشهادة فحسب، بل بمشروع نهضة لوطنه. وحَمَلة الدكتوراه في مصر اليوم يحملون، بدورهم، إمكانات يمكن أن تسهم في تحقيق نهضة علمية وتنموية، وينتظرون الفرصة التي تتيح توظيف معارفهم وخبراتهم.
لقد فتحت التوجيهات الأخيرة بابًا مهمًا، والمطلوب أن يتسع ليشمل كل عقل مؤهل، لا أن يظل مقصورًا على مجموعة محدودة من المرشحين للقيادة.
فهؤلاء ليسوا عبئًا على سوق العمل، بل ثروة قومية قادرة على دعم التنمية وصناعة المستقبل، وقد آن أوان استثمارها.
