لم أرغب في كتابة هذا المقال في هذا الوقت المبكر من الحرب القائمة في منطقتنا، لكن الأمور تتدحرج بسرعة إلى ما هو أسوأ، ولا بد أن نحذر أنفسنا ونتخذ الخطوات المفروضة علينا لكي نمر بهذه الأزمة التي قد تطول.
في خضم التصعيد غير المسبوق الذي تشهده المنطقة، لم يعد مشهد الصواريخ والمواجهات العسكرية مجرد حدث آني يمكن تجاوزه، بل أصبح مؤشرًا على بداية مرحلة جديدة من عدم الاستقرار قد تمتد لسنوات. إن السيناريوهات المطروحة لحرب ممتدة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، خصوصًا مع احتمالية انجراف دول الخليج إلى دائرة النار، ترسم ملامح واقع مختلف تمامًا لمصر.
مصر، التي طالما كانت نقطة ارتكاز الأمن الإقليمي، لن تكون بمنأى عن التداعيات، بل ستكون في قلب العاصفة اقتصاديًا وجيوسياسيًا. لكن السؤال الأهم اليوم ليس: كيف ستتأثر مصر؟ بل: ما المطلوب من المواطن المصري لمواجهة هذه المرحلة بوعي وحكمة؟
1. الاقتصاد الجديد: من الرفاهية إلى الإدارة
لنكن صريحين: مصر تستورد نحو نصف احتياجاتها الغذائية، وجزءًا كبيرًا من احتياجاتها من الطاقة. أي صراع طويل الأمد في محيط الخليج سيؤدي إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع العالمية، وخاصة القمح والوقود. وهنا يواجه المواطن المصري أول اختبار حقيقي:
- تحول جذري في أنماط الاستهلاك: نحن أمام مرحلة تتطلب الانتقال من ثقافة “الاستهلاك” إلى ثقافة “الإدارة”. يجب على الأسرة المصرية إعادة ترتيب أولوياتها المالية، والابتعاد عن أنماط الاستهلاك الترفي، والتعامل مع الغذاء والطاقة باعتبارهما جزءًا من الأمن القومي، لا مجرد سلع اعتيادية. هذا ليس تقشفًا بقدر ما هو تكيف مع واقع أسعار عالمية مرتفعة لفترة طويلة.
2. سوق العقارات والهجرة: فرصة مؤقتة لا بديل عن الاستدامة
من المتوقع أن تشهد مصر موجة هجرة قد تصل إلى ملايين من دول الخليج، سواء للاستثمار أو للاستقرار المؤقت. وقد يخلق ذلك طفرة في سوق العقارات ويدفع نحو إنشاء مجتمعات عمرانية جديدة. لكن التحذير هنا واضح:
- عدم الرهان على “فقاعة” الهجرة: يجب ألا يُنظر إلى هذه الموجة كحل سحري للأزمة الاقتصادية. نعم، ستنشط حركة البناء، لكن هذه الأموال قابلة للتراجع مع تغير الأوضاع السياسية. المطلوب هو توظيف هذه السيولة في مشروعات إنتاجية حقيقية قادرة على الاستمرار بعد انتهاء الظرف الاستثنائي.
3. تحويلات المصريين بالخارج: صدمة يجب الاستعداد لها
السيناريو الأسوأ يتضمن تراجعًا حادًا أو توقفًا شبه كامل لتحويلات العاملين المصريين في الخليج، وهي تمثل شريان حياة لملايين الأسر.
- إدارة شح السيولة: على الأسر التي تعتمد على هذه التحويلات أن تبدأ من الآن في إعادة هيكلة ميزانياتها، والبحث عن مصادر دخل محلية بديلة، والتخلي عن ثقافة الانتظار. في الحروب الطويلة، لا مكان للانتظار السلبي.
4. التجارة وقناة السويس: ضغط مباشر على الاقتصاد
لا يمكن الحديث عن الحرب دون التطرق إلى قناة السويس. أي تصعيد في البحر الأحمر أو مضيق هرمز قد يؤدي إلى تعطيل حركة الملاحة العالمية، ما يعني تراجعًا في عائدات القناة، وانكماشًا في التجارة مع دول الخليج، وهو ما يشكل ضغطًا مباشرًا على الموازنة العامة.
- المطالبة بالشفافية والمشاركة: في هذه المرحلة، يصبح المواطن شريكًا في تحمل المسؤولية. احتواء تداعيات انخفاض الدخل القومي يتطلب حوارًا مجتمعيًا حول أولويات الإنفاق. ومن المتوقع زيادة الإنفاق العسكري لحماية الأمن القومي، ما يستلزم دعمًا واعيًا من المواطن، مع ضرورة متابعة كفاءة الإنفاق.
5. ما وراء الحرب: الوعي الجيوسياسي
القضية الأعمق قد تتجاوز الصراع المباشر إلى إعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة. وفي هذا السياق، قد تتعرض دول المنطقة، ومنها مصر، لضغوط سياسية واقتصادية متزايدة.
- الانحياز للدولة: المرحلة المقبلة قد تشهد تصاعدًا في الشائعات وحروب المعلومات. المطلوب هو الوعي، والتحقق من المعلومات، وعدم الانسياق وراء حملات التضليل.
- تعزيز الثقافة الجيوسياسية: لم تعد السياسة شأنًا نخبويًا، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا لفهم الواقع. إدراك طبيعة الصراع يساعد المواطن على اتخاذ مواقف أكثر وعيًا واتزانًا.
خلاصة: مرحلة الوعي لا الانتظار
المواطن المصري أمام مرحلة معقدة تتطلب يقظة وانضباطًا. فالأزمات الكبرى لا تنشأ فقط من نقص الموارد، بل من غياب الوعي في إدارتها.
في المرحلة المقبلة، سيكون مطلوبًا من كل مصري:
- اقتصاديًا: إدارة الموارد بحكمة، وتجنب المخاطر غير المحسوبة.
- اجتماعيًا: تعزيز التكافل، والحد من الممارسات السلبية مثل الاحتكار.
- سياسيًا: دعم الدولة مع الحفاظ على وعي نقدي مسؤول يفرق بين البناء والهدم.
مصر، التي واجهت تحديات كبرى عبر تاريخها، قادرة على تجاوز هذه المرحلة، لكن ذلك يتطلب وعيًا جماعيًا، ووحدة داخلية، وإدارة رشيدة للموارد لضمان العبور الآمن.
