رضا المواطن أولًا.. 10 ملفات عاجلة لإنقاذ منظومة الخدمات العامة في مصر
في اليوم الثاني من منتدى مصر 2026، تنعقد جلسة «مصر الرقمية» في لحظة تستوجب أكثر من الاحتفاء بما تحقق؛ إذ تستدعي وقفة تشخيص أمينة ومراجعة صريحة، لأن التأخر في إحداث طفرة حقيقية في الخدمات العامة لم يعد مجرد إخفاق إداري، بل بات يمثل تكلفة اجتماعية وسياسية تتراكم في منطقة تعيش أزمات متتالية وضغوطًا اقتصادية ممتدة.
والمواطن المصري، الذي صبر طويلًا وتحمّل كثيرًا، بات يقيس أداء الدولة بما تقدمه له يوميًا، لا بما تعلنه في الخطط والبيانات. وهو يفعل ذلك في ظل ضغوط اقتصادية متراكمة يصعب تحملها؛ إذ أكل التضخم شريحة واسعة من القيمة الحقيقية للدخل، وانعكست فاتورة الوقود المرتفعة على كل ما يمس حياته اليومية، من أسعار الخبز والملابس والدواء، إلى تكلفة الوصول إلى العمل، ومصاريف المدارس والجامعات التي باتت تثقل كواهل الأسر من الطبقة المتوسطة، فضلًا عن الأسر الأكثر فقرًا.
في هذا الواقع تحديدًا، حين يضيق هامش الإنفاق الخاص وتتآكل المدخرات، تتضاعف قيمة الخدمة العامة الجيدة، وتتحول من مجرد وسيلة إدارية إلى ركيزة من ركائز الصمود الاجتماعي. فالصحة الميسورة التكلفة، والتعليم الجيد، والمواصلات المنظمة، وسرعة الاستجابة في حالات الطوارئ، كلها خدمات لا يمكن تعويضها بسهولة حين يعجز المواطن عن الحصول عليها من دخله الخاص.
منذ عام 2014، انطلقت موجات متتالية من الإصلاح، ولم يتوقف الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ اليوم الأول عن مطالبة الحكومات المتعاقبة بإيلاء الإصلاح الإداري أولوية حقيقية، والاهتمام بالخدمات العامة التي تمس حياة المواطن اليومية، وهو توجيه كرره الرئيس مرارًا في خطاباته واجتماعاته مع الحكومة.
وقد جاء التحول الرقمي تتويجًا لهذه الموجات ورمزًا لطموحها، وأسهمت منصة «مصر الرقمية»، بلا شك، في إتاحة عدد من الخدمات بصورة أيسر مما كانت عليه، وهو جهد لا يمكن إنكاره.
غير أن القراءة المهنية الأمينة تكشف أننا وقعنا في خطأ منهجي مكلف: رقمنّا الإجراءات قبل تبسيطها، وحوّلنا البيروقراطية الورقية إلى بيروقراطية رقمية، من دون إعادة هندسة العمليات من جذورها.
فحين تتضمن فاتورة المخالفة المرورية نسبة إضافية تقترب من 40% تحت مسمى تكلفة الميكنة، في حين لا يوجد، بحسب ما تشير إليه الكاتبة، نظير لهذه النسبة في المنظومات المقارنة عالميًا، فإن ذلك يثير تساؤلات جدية بشأن ترتيب الأولويات، ومدى مراعاة أثر القرارات على المواطنين. فالرقمنة التي تثقل كاهل من جاءت لخدمته تفقد أحد أهم مبرراتها.
ولا يقف الأمر عند حدود التكلفة المادية. فربط قواعد البيانات بين الجهات الحكومية، الذي طالب الرئيس صراحةً بتحقيقه في مناسبات عديدة، وأكد ضرورة إنجازه دون إبطاء، لا يزال، وفقًا للكاتبة، هدفًا لم يتحول بالكامل إلى واقع ملموس.
وتعمل منظومات المرور والبريد والإسعاف والإطفاء، في جوانب عديدة، بمعزل عن بعضها، فيما لم تُستكمل عملية حصر الخدمات العامة وتبسيطها قبل الشروع في ميكنتها. وهكذا تضاعفت التكلفة دون أن تتضاعف الجدوى بالقدر المأمول. وتبقى الفجوة بين التوجيهات وما يتحقق على أرض الواقع سؤالًا جوهريًا ينبغي أن تجيب عنه هذه الجلسة بصراحة.
الغائب الأكبر: مؤشر تراكمي لرضا المواطن
لعل الغائب الأكبر عن هذه المنظومة برمتها، والملف الأكثر إثارة للقلق، هو غياب مؤشر تراكمي مستقل لرضا المواطنين.
فما يُعلن أحيانًا من أرقام مركزية ليس، في كثير من الحالات، سوى مؤشرات جزئية تنتجها الجهة ذاتها التي يجري تقييم أدائها، وهو ما يثير إشكالية تضارب المصالح، ولا يتفق مع أفضل الممارسات الدولية في التقييم. كما يغيب خط الأساس المرجعي الذي يتيح قياس التطور عامًا بعد عام، فضلًا عن غياب القياس المنتظم على المستوى المحلي، حيث يعيش المواطن ويشعر بالأثر الفعلي للسياسات أو بغيابها.
والسؤال هنا ليس بلاغيًا: كيف نحاسب مسؤولًا لا يوجد معيار معلن لأدائه؟ وكيف نصلح منظومة لا نملك أداة موثوقة لقياس انعكاس أدائها على من تخدمهم؟
إن القاعدة الإدارية التي تقوم عليها منظومات الحوكمة الحديثة واضحة: ما لا يُقاس يصعب إدارته وتحسينه.
وقد طورت كوريا الجنوبية، على مدى عقود، ممارسات لقياس رضا المواطنين والاستفادة من نتائجها في تقييم أداء المؤسسات الحكومية وتحسين الخدمات. وعلى المنوال ذاته، رسخت المملكة المتحدة ثقافة معايير الخدمة العامة، التي تتيح للمواطنين الاطلاع على مستويات الأداء ومواعيد الاستجابة المعلنة لدى الجهات الحكومية.
أما سنغافورة، فتستعين باستطلاعات رضا المستفيدين وأدوات تقييم الخدمات، وتستخدم نتائجها في تحديد مجالات التحسين. وتتيح التجربة الكندية بدورها أدوات لقياس تجربة المواطنين مع الخدمات الحكومية، بما يساعد على متابعة الأداء ورصد التغيرات عبر الزمن.
وتؤكد هذه التجارب أهمية بناء منظومة مستقلة وشفافة لقياس رضا المواطنين، مع مراعاة اختلاف النماذج المؤسسية وآليات تطبيقها من دولة إلى أخرى.
تجارب دولية.. حين يصبح المواطن مرجعًا
تضيف الدول الأوروبية بُعدًا عمليًا آخر لا يقل أهمية، إذ تجاوزت، في تجاربها المتقدمة، التعامل مع الرقمنة بوصفها هدفًا في حد ذاتها، واتجهت نحو بناء هويات رقمية تتيح للمواطنين الوصول إلى خدمات متعددة من خلال وسيلة موحدة للتحقق من الهوية.
ويُعد النموذج الإستوني أحد أبرز النماذج العالمية في هذا المجال؛ إذ تتيح منظومته الرقمية للمواطنين الوصول إلى مجموعة واسعة من الخدمات الحكومية باستخدام الهوية الرقمية، بما يشمل الخدمات الصحية والضريبية وغيرها، مع اختلاف آليات الاستخدام بحسب نوع الخدمة.
كما يعمل الاتحاد الأوروبي على تطوير محفظة الهوية الرقمية الأوروبية، التي تستهدف تسهيل تعامل المواطنين مع الخدمات العامة والخاصة عبر الدول الأعضاء، وتقليل الحاجة إلى تقديم الوثائق ذاتها بصورة متكررة.
والمبدأ الجوهري الذي تقوم عليه هذه المنظومات هو أن تتحرك البيانات بأمان بين الجهات المخولة، بدلًا من اضطرار المواطن إلى إعادة إثبات هويته وتقديم مستنداته في كل مرة يتعامل فيها مع جهة جديدة.
ولا تشير هذه التجارب إلى رفاهية ديمقراطية، بل إلى أدوات حوكمة يمكن أن ترفع كفاءة الخدمات وتحد من فرص الفساد، من خلال تعزيز الشفافية وإتاحة متابعة أداء المؤسسات العامة.
فالشفافية ليست خطرًا على الدولة، بل هي أحد المحركات الأساسية للإصلاح الفعلي.
من المسؤول؟ سؤال بلا إجابة مؤسسية
ثمة إشكالية هيكلية أعمق تظل غائبة عن النقاش العام، وهي سؤال: من المسؤول؟
ليس المقصود المسؤول عن خدمة بعينها، بل الجهة المسؤولة عن منظومة الخدمات العامة في مجملها، على المستويين المركزي والمحلي، بما يشمل تطوير الخدمات، وتحديث معاييرها، وتلقي الشكاوى المتعلقة بها، والتحقق من تنفيذ خطط تحسينها.
والإجابة التي تطرحها الكاتبة هي أن مصر تحتاج إلى جهة ذات ولاية واضحة وصلاحيات فعلية وأدوات قياس تمكنها من متابعة هذه المنظومة بصورة متكاملة.
فمع تشابك الكيانات وتداخل الاختصاصات، قد تتقاذف الجهات المسؤولية، وينتهي الأمر بالمواطن إلى الانتقال من جهة إلى أخرى دون أن يجد من يملك صلاحية اتخاذ قرار شامل بشأن مشكلته.
وهذا الغياب المؤسسي ليس مجرد ثغرة تنظيمية، بل قد يكون أحد أسباب الترهل الإداري وتعثر الإصلاح، فيما تتجاوز تداعياته على جودة الخدمات ما يمكن أن تحدثه إشكاليات تقنية منفردة.
والمطلوب، في هذا الإطار، هو إنشاء منظومة إشراف وتنسيق تكاملي، يمكن أن يقودها مركز دعم واتخاذ القرار، بمشاركة وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، لتكون إطارًا مرجعيًا يجمع جهود تطوير الخدمات ومتابعتها وتقييمها ومساءلة الجهات المعنية بها، وفق اختصاصات قانونية محددة.
الشفافية في التسعير والمعايير: حق لا منّة
تتصل بهذا الملف مسألة يُستحيا أحيانًا من إثارتها، رغم أهميتها، وهي حق المواطن في معرفة كيفية احتساب فاتورته.
ففاتورة الكهرباء والغاز والهاتف ليست من أسرار الدولة، بل من حق من يدفعها أن يفهم مكوناتها، وأسس احتسابها، والشرائح السعرية المطبقة عليها.
وغياب هذه الشفافية لا يضعف ثقة المواطن فحسب، بل يقوض شعوره بعدالة المنظومة وشرعيتها؛ لأن الخدمة التي لا يفهم آلية احتساب تكلفتها قد يشعر بأنها مفروضة عليه، لا أنها تقدم له وفق قواعد واضحة.
وفي هذا السياق تحديدًا، تثير الكاتبة قضية تأخر إقرار تشريع شامل لإتاحة المعلومات وتداولها، معتبرة أن هذا التشريع ليس ترفًا قانونيًا، بل ركيزة جوهرية لأي منظومة حوكمة حديثة.
فمثل هذا القانون من شأنه إرساء حق المواطن في الاطلاع على البيانات والوثائق التي تمس حياته، وإلزام الجهات الحكومية بالإفصاح عنها وفق قواعد واضحة، مع مراعاة الاستثناءات المشروعة المتعلقة بالأمن الوطني والخصوصية وغيرها من الاعتبارات التي يحددها القانون.
وتشير التجارب الدولية إلى أن إتاحة المعلومات بصورة منظمة لا تضعف الدولة، بل يمكن أن تعزز ثقة المواطنين في مؤسساتها، وتحد من فرص الفساد، حين يدرك المسؤولون أن قراراتهم قابلة للمراجعة والمساءلة.
وعلى صعيد متصل، تغيب عن كثير من الخدمات العامة معايير جودة معلنة وقابلة للقياس. فلا يجد المواطن دائمًا معايير واضحة ومعلنة تحدد الزمن المستهدف لوصول الإسعاف، أو المدة اللازمة لإنجاز وثيقة حكومية، أو زمن الانتظار المقبول في مكاتب البريد والمرور، أو المدة المحددة للرد على اتصالات خدمة العملاء.
وفي غياب هذه المعايير، تصبح المساءلة أكثر صعوبة، لأن تقييم الأداء يحتاج إلى أهداف معلنة ومؤشرات قابلة للتحقق.
وتدعو الكاتبة إلى أن تضطلع هيئة الرقابة الإدارية بدور فاعل في مراجعة هذه المنظومات من منظور تقييم الأداء الفعلي، لا الاكتفاء بالتفتيش الشكلي على الإجراءات.
غير أن عمل الهيئة لن يبلغ أثره المنشود ما لم يُنسق تنسيقًا مؤسسيًا حقيقيًا مع الجهات التنظيمية القطاعية، مثل الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، وجهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، والجهات المعنية بتنظيم قطاع الغاز، وغيرها من المؤسسات التي تمتلك صلاحيات تتعلق بالتسعير ومعايير الجودة وتلقي تظلمات المستفيدين.
فهذه الجهات تعمل، في بعض الملفات، ضمن أطر تنظيمية منفصلة، بينما يحتاج المواطن إلى منظومة متكاملة تحمي حقوقه وتضمن اتساق معايير الخدمة.
والمطلوب ليس الانتقاص من صلاحيات هذه الجهات، بل توحيد الإطار المرجعي الذي يحكم تعاملها مع المواطن، من خلال معايير جودة معلنة، وآليات تظلم واضحة، ونتائج دورية لقياس رضا المستفيدين، ترتبط بتقييم أداء القيادات وخطط تحسين ملزمة.
الإصلاح الإداري.. الضحية الصامتة
ثمة حقيقة لا يمكن تجاوزها في أي تشخيص أمين: لقد تراجع الإصلاح الإداري، في بعض مراحله، أمام أولويات طارئة ومشروعات اقتصادية كبرى.
وكان هناك منطق مفهوم في ترتيب الأزمات التي واجهتها مصر منذ عام 2014، إذ لم يكن من الممكن التعامل مع جميع الملفات بالقدر نفسه من التركيز والموارد في آن واحد.
غير أن ترشيد الإنفاق أفضى، وفقًا لطرح الكاتبة، إلى تقليص الاستثمار في الإنسان، فلم يتلقَّ الموظف العام في كثير من الجهات تدريبًا ممنهجًا على معايير جودة الخدمة، ولم تتوافر له دائمًا الأدوات اللازمة لأداء عمله بكفاءة، فيما اعتمدت بعض جهود بناء القدرات على ما تيسر من دعم الجهات المانحة.
وفي غياب بناء قدرات حقيقي، ومن دون خطط استراتيجية مؤسسية تتجاوز النشرات الرسمية إلى مؤشرات أداء قابلة للمتابعة والمحاسبة، يدور الجهاز الإداري في حلقة مفرغة: يُطالب بتحقيق نتائج دون توافر جميع الشروط الموضوعية اللازمة لتحقيقها، وتُطلب محاسبة المسؤولين وفق معايير لم تُحدد أو تُعلن بوضوح منذ البداية.
ومن ثم، فإن تطوير الخدمات العامة لا يمكن أن يتحقق بالتوجيهات وحدها، بل يحتاج إلى الاستثمار في العنصر البشري، وتوفير الأدوات المناسبة، وتحديد المسؤوليات، وربط التدريب بتحسين الأداء الفعلي.
الذكاء الاصطناعي.. خدمة تُصمَّم للمستفيد
في هذا الإطار تحديدًا، يأتي دور الذكاء الاصطناعي، لا بوصفه موضة تقنية تتبناها الدول لمجرد أن العالم يتبناها، بل باعتباره أداة يمكن أن تحدث تحولًا فعليًا في طريقة تصميم الخدمات العامة وتقديمها.
وتتيح تطبيقات الذكاء الاصطناعي، عند توظيفها بصورة صحيحة ومسؤولة، إمكانات لتحليل احتياجات المواطنين، وتوقع الطلب على الخدمات، وتخصيص أساليب تقديمها بما يتناسب مع ظروف المستفيدين، بدلًا من حصرهم في نموذج واحد تفرضه الجهة الحكومية.
وهذا التحول في المنطق، من خدمة متاحة إلى خدمة مصممة حول احتياجات المستفيد، هو أحد محاور التطوير التي تسعى إليها منظومات الحوكمة الحديثة.
فقطاع واسع من المواطنين لا يجد في المنصات الرقمية وسيلة مريحة للتواصل مع الدولة؛ إذ يفضل كبار السن، وبعض سكان الريف والمناطق النائية، التعامل من خلال مكتب موحد للخدمات قريب من محل إقامتهم، أو الحصول على خدمة منزلية بتكلفة عادلة لا تتضمن مبالغات.
لذلك، ليست الرقمنة بديلًا عن الحضور المادي الكريم، بل قناة إضافية ضمن منظومة متعددة الوسائط، تتيح لكل مواطن اختيار الوسيلة التي تتناسب مع احتياجاته وقدراته وظروفه.
كما ينبغي أن تدرك الجهات المسؤولة عن تقديم الخدمات المدنية أن الإتاحة الحقيقية لا تتحقق بمجرد إطلاق تطبيق على متجر إلكتروني؛ بل تتطلب ضمان سهولة الاستخدام، وإتاحة الدعم الفني، وحماية البيانات الشخصية، وتوفير بدائل مناسبة لمن لا يستطيعون التعامل مع الوسائل الرقمية.
2026–2030.. نافذة استراتيجية لا تتكرر
تمثل المرحلة الممتدة بين عامَي 2026 و2030 نافذة استراتيجية ينبغي استثمارها بجدية وإرادة حقيقية.
فالطفرة المطلوبة لا تُقاس بعدد المنصات الرقمية أو أرقام التحميل والتسجيل، بل بالتجربة الفعلية للمواطن عندما يحتاج إلى استخراج وثيقة، أو الاتصال بالإسعاف، أو دفع فاتورة، أو تسوية مخالفة.
وتستلزم هذه الطفرة تخصيص اعتمادات مالية كافية ومحددة زمنيًا لبرنامج إصلاح متكامل، يشمل بناء قدرات العاملين في الجهاز الإداري، وتطوير أنظمة قياس الأداء، وتعزيز البنية التحتية للبيانات، فضلًا عن تبني استراتيجية لمكافحة الفساد تعطي الأولوية للمنظومات الأكثر اتصالًا بحياة المواطنين اليومية.
فالإصلاح لا يُبنى بالتكليفات والتعميمات وحدها، بل بالاستثمار المحسوب والمتتابع، وبالمتابعة المنتظمة، والمحاسبة الفعلية على النتائج.
نحو منظومة مؤسسية لقياس رفاهية المواطن
في هذا السياق، يصبح طرح سؤال جديد أمرًا مشروعًا: هل تحتاج مصر إلى جهة مؤسسية مستقلة، على غرار بعض التجارب الدولية المعنية بقياس الرفاهية وجودة الحياة، تتولى تقييم تجربة المواطنين الفعلية مع الخدمات العامة، وترفع توصياتها ونتائجها إلى أعلى مستويات صنع القرار، وتتيحها للرأي العام؟
وقد اتجهت الإمارات إلى إنشاء وزارة للسعادة وجودة الحياة عام 2016، فيما طورت بوتان مؤشر السعادة الوطنية الإجمالية، الذي يضم أبعادًا متعددة تتجاوز قياس الدخل والنمو الاقتصادي.
وتشير هذه التجارب إلى أن إضفاء طابع مؤسسي على قياس رفاهية المواطنين يمكن أن يسهم في إعادة توجيه السياسات العامة نحو الأثر الإنساني الفعلي، وتغيير طريقة ترتيب الأولويات داخل الحكومة.
لكن المقصود ليس استنساخ هذه النماذج حرفيًا، بل تصميم منظومة عقلانية تناسب السياق المصري، وتتكامل مع المؤسسات القائمة، وتعزز ثقة المواطن في أن صوته مسموع، وأن شكواه قابلة للقياس والمتابعة، وأن أداء المسؤولين يخضع للمساءلة وفق معايير معلنة.
خاتمة
خلاصة القول، إن جلسة «مصر الرقمية» يمكن أن تمثل نقطة تحول حقيقية إذا تجاوزت عرض الإنجازات إلى الاعتراف بالفجوات، والالتزام بجداول زمنية واضحة وقابلة للمحاسبة.
والمواطن، الذي يدفع الضرائب ويستفيد أولًا من أي إصلاح، ليس مجرد معاملة في نهاية طابور، بل هو محور المعادلة ومبررها الأساسي.
وأقل ما يستحقه هو حكومة تعلن معايير خدماتها، وتقيس رضاه بصدق واستقلالية، وتحاسب مسؤوليها بموضوعية.
ومصر أكبر من أن تتأخر، وأعرق من أن تتراجع، ومواطنوها أحق بأن تقوم علاقتهم بالدولة على الكرامة والعدالة والحق.
ولعلنا، ونحن نتابع أعمال المنتدى، نترقب ما قد يُدشَّن خلاله من منظومات للذكاء الاصطناعي توظف التقنية في تيسير الخدمات اليومية للمواطن؛ فالبداية الجريئة والصادقة كفيلة بأن تكون بشرى طيبة لملايين المصريين الذين ينتظرون دولة ترى فيهم شركاء لا مجرد متلقين للخدمات.
