د.رفعت جبر: من إسقاط الأنظمة إلى إنهاك الدول.. قراءة في أدوات الصراع الجيوسياسي الجديدة

أستاذ ورئيس قسم التقنية الحيوية- كلية العلوم- جامعة القاهرة

تتصدر تساؤلات “إسقاط الأنظمة” واجهة التحليلات السياسية في عام 2026، ولكن بمنظور جديد يتجاوز أنماط المواجهة العسكرية المباشرة.

إذ يشير المشهد الدولي الراهن إلى تحولات في أدوات إدارة الصراع بين القوى الكبرى، تقوم على استهداف الحلفاء الإقليميين بدلًا من الانخراط في صدام تقليدي، في إطار تنافس جيوسياسي بين الولايات المتحدة من جهة، وكل من الصين وروسيا من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، تبرز منطقة الشرق الأوسط بوصفها ساحة رئيسية لإعادة توزيع النفوذ، خاصة في ظل موقعها المحوري في معادلات أمن الطاقة والتحكم في الممرات المائية الدولية.

استهداف الأطراف: إعادة ضبط شبكات النفوذ

لم تعد الضغوط الدولية المحتملة على بعض دول الإقليم مجرد ردود أفعال ظرفية، بل باتت تُقرأ في إطار محاولات لتقليص قدرة الحلفاء الإقليميين للقوى الشرقية على المناورة الاستراتيجية.
ففي حالة إيران، يُنظر إلى الضغوط الاقتصادية والعسكرية بوصفها عاملًا قد يؤثر في شبكة علاقاتها مع موسكو وبكين، وما يرتبط بها من ملفات الطاقة والتجارة.

كما تتعرض كل من باكستان وتركيا لضغوط مالية واقتصادية متباينة، قد تحد من هامش حركتهما ضمن الترتيبات الإقليمية الأوسع، خاصة في ظل تقاطع مصالحهما مع المبادرات الاقتصادية الآسيوية.

مصر في قلب التوازنات

في هذا الإطار، تبرز مصر بوصفها أحد الفاعلين الرئيسيين في معادلة الاستقرار الإقليمي، نظرًا لدورها في ملفات أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط، إلى جانب موقعها في معادلة الأمن العربي.

وتشير بعض التحليلات إلى أن الضغوط الاقتصادية العالمية قد تنعكس على قدرة الدول الإقليمية، ومنها مصر، على الانخراط في ملفات خارجية، ما يفرض أولويات داخلية تتعلق بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

أدوات الجيل الجديد: من المواجهة إلى الإنهاك

تشير أنماط التنافس الراهنة إلى انتقال تدريجي من الصدام العسكري إلى أدوات أكثر تعقيدًا، تشمل الضغوط المالية، والتقنيات الرقمية، والحرب المعلوماتية، وهي أدوات قد تؤثر في استقرار المؤسسات الوطنية عبر التأثير في الرأي العام أو تقييد خيارات السياسات الاقتصادية.

تحركات موازنة من الشرق

في المقابل، تسعى بكين إلى تعزيز حضورها عبر استثمارات البنية التحتية المرتبطة بمبادرة “الحزام والطريق”، في حين تعمل موسكو على توسيع مجالات التعاون الأمني والعسكري مع شركائها الإقليميين، في محاولة للحفاظ على توازن النفوذ في مواجهة الضغوط الغربية.

خلاصة المشهد

تعكس التطورات الجيوسياسية في عام 2026 تحولًا من سيناريوهات إسقاط الأنظمة إلى استراتيجيات إنهاك الدول، عبر أدوات اقتصادية وتقنية تسعى إلى إعادة تشكيل أدوار القوى الإقليمية ضمن منظومة دولية متغيرة، حيث يظل استقرار الدول المحورية عاملًا حاسمًا في الحد من مخاطر الفوضى الإقليمية.

Exit mobile version