د.رفعت جبر: عصر ما بعد السليكون.. عالم جديد من البرمجة البيولوجية

عضو المجلس الأعلى للثقافة- أستاذ التقنية الحيوية بكلية علوم القاهرة

لم تعد الحوسبة المستقبلية مرتبطة فقط بشرائح السيليكون والترانزستورات والدوائر الإلكترونية، إذ يتجه العلماء إلى تطوير مفهوم مختلف يعتمد على الجزيئات البيولوجية، وفي مقدمتها الحمض النووي DNA، لتنفيذ العمليات الحسابية وتخزين البيانات.

وتندرج هذه التقنيات ضمن مجال الحوسبة الجزيئية والبيولوجية، الذي يستغل الخصائص الكيميائية للـDNA والجزيئات الأخرى لتنفيذ عمليات منطقية ومعالجة المعلومات، بدل الاعتماد بصورة أساسية على حركة الإلكترونات داخل الدوائر التقليدية.

ولا تستهدف هذه التكنولوجيا في الوقت الحالي استبدال الحواسيب والهواتف والأجهزة الإلكترونية المعتادة، وإنما تسعى إلى تطوير أنظمة يمكنها العمل في بيئات لا تكون فيها الحوسبة التقليدية الخيار الأكثر ملاءمة، خصوصًا في التطبيقات البيولوجية والطبية والمستشعرات وتخزين البيانات.

من تجربة أدليمان إلى الحوسبة الجزيئية

تعود جذور استخدام الحمض النووي في العمليات الحسابية إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما أثبت عالم الحاسوب ليونارد أدليمان إمكانية استخدام جزيئات DNA لحل مسألة رياضية.

وأظهرت التجربة أن جزيئات الحمض النووي يمكن التعامل معها بطريقة تشبه معالجة المعلومات، إذ يمكن ترميز البيانات داخل تسلسلات DNA، ثم استخدام التفاعلات الكيميائية والبيولوجية لتنفيذ عمليات حسابية واختيار النتائج الصحيحة.

ومنذ ذلك الوقت، تطور مجال الحوسبة الجزيئية تدريجيًا، وأصبح الباحثون يعملون على تصميم جزيئات ودوائر منطقية جزيئية أكثر تعقيدًا، مع دراسة إمكانية استخدامها في تطبيقات عملية.

كيف يعمل حاسوب DNA؟

تعتمد الحواسيب الإلكترونية التقليدية على البتات، التي تمثل البيانات باستخدام حالتين أساسيتين، هما 0 و1.

أما في الحوسبة الجزيئية، فيمكن تمثيل المعلومات باستخدام تسلسلات جزيئية محددة، ثم معالجة هذه المعلومات من خلال التفاعلات الكيميائية التي تحدث بين الجزيئات.

ويتم تصميم جزيئات DNA بحيث تحمل معلومات أو تؤدي وظائف محددة عند ارتباطها بجزيئات أخرى أو انفصالها عنها.

ومن خلال التحكم في هذه التفاعلات، يمكن تنفيذ عمليات منطقية وحسابية، مثل عمليات «و» و«أو» وغيرها من العمليات التي تشكل أساس معالجة البيانات.

وفي بعض الأنظمة التجريبية، يمكن قراءة نتائج العمليات من خلال تغيرات كيميائية أو إشارات فلورية، ما يسمح بتحويل النتيجة الجزيئية إلى معلومات يمكن للباحثين تحليلها.

لماذا يهتم العلماء بالـDNA في الحوسبة؟

يمتلك الحمض النووي خصائص تجعله مثيرًا للاهتمام في مجال المعلومات، خصوصًا قدرته على تخزين كميات ضخمة من البيانات في حجم بالغ الصغر.

وقد أظهرت أبحاث في مجال تخزين البيانات في DNA إمكانية الوصول نظريًا إلى كثافات تخزين هائلة مقارنة بوسائط التخزين التقليدية.

وتكمن الفكرة في تحويل البيانات الرقمية إلى تسلسلات من القواعد النيتروجينية الأربع التي يتكون منها DNA، ثم تصنيع هذه التسلسلات وحفظها، قبل استعادتها لاحقًا باستخدام تقنيات القراءة الجزيئية.

ويختلف هذا الاستخدام عن «الحوسبة بالـDNA»؛ فالأول يركز على تخزين المعلومات، بينما يستهدف الثاني تنفيذ العمليات الحسابية أو المنطقية باستخدام التفاعلات الجزيئية.

DNA ومراكز البيانات

يكتسب تخزين البيانات في الحمض النووي أهمية خاصة مع النمو المتسارع لحجم البيانات الرقمية عالميًا، وما يرافقه من توسع في مراكز البيانات والبنية التحتية اللازمة لتخزين ومعالجة المعلومات.

وتحتاج مراكز البيانات التقليدية إلى الكهرباء للتشغيل والتبريد والحفاظ على الأنظمة في ظروف مستقرة، ولذلك يبحث العلماء عن وسائل جديدة يمكن أن تساعد مستقبلًا في تخزين كميات كبيرة من البيانات بكثافة أعلى.

لكن ذلك لا يعني أن تخزين البيانات في DNA أصبح بديلًا تجاريًا جاهزًا لمراكز البيانات الحالية.

فالتقنية لا تزال تواجه تحديات تتعلق بتكلفة تصنيع DNA وكتابة البيانات وقراءتها، وسرعة الوصول إلى المعلومات، إضافة إلى الحاجة إلى تقنيات متخصصة لإدارة عمليات التخزين والاسترجاع.

الحوسبة الجزيئية تفتح الباب أمام الطب

من أكثر التطبيقات إثارة للحوسبة الجزيئية إمكانية استخدامها في الطب الدقيق والمستشعرات الحيوية.

فنظرًا إلى قدرة الجزيئات على التعرف على جزيئات أو إشارات بيولوجية محددة، يمكن مستقبلًا تصميم أنظمة جزيئية تستجيب لوجود مؤشرات معينة داخل الخلايا أو الأنسجة.

وقد يتيح ذلك تطوير مستشعرات بيولوجية قادرة على اكتشاف تغيرات محددة في البيئة الخلوية واتخاذ استجابات مبرمجة وفقًا لهذه المعلومات.

ومن بين التطبيقات التي يدرسها الباحثون مستقبلًا استخدام الدوائر الجزيئية في تشخيص الأمراض أو توصيل الأدوية بصورة أكثر استهدافًا.

لكن هذه التطبيقات ما زالت في نطاق البحث والتطوير، ولا ينبغي اعتبارها علاجًا طبيًا متاحًا حاليًا.

مستشعرات تعمل دون بنية إلكترونية تقليدية

يمكن أن تكون الحوسبة الجزيئية مناسبة أيضًا لتطوير مستشعرات حيوية أو كيميائية تعمل من خلال التفاعل المباشر مع العينة.

فبدلًا من الاعتماد الكامل على دوائر إلكترونية لتحليل الإشارة، يمكن تصميم نظام جزيئي يتغير عند وجود مادة معينة، ثم تُقرأ النتيجة باستخدام إشارة كيميائية أو ضوئية.

وقد يكون لهذا النهج أهمية في بعض البيئات التي يصعب فيها توفير الطاقة أو تركيب أجهزة إلكترونية تقليدية، مثل بعض التطبيقات الطبية والبيئية والمخبرية.

السرعة لا تزال تحديًا رئيسيًا

رغم الإمكانات الكبيرة للحوسبة الجزيئية، فإنها لا تنافس الحواسيب الإلكترونية التقليدية حاليًا في سرعة تنفيذ العمليات الحسابية العامة.

فالتفاعلات الكيميائية والجزيئية تحتاج إلى وقت لإتمام عمليات الارتباط والانفصال والتفاعل، بينما تستطيع المعالجات الإلكترونية الحديثة تنفيذ عدد هائل من العمليات خلال فترة زمنية قصيرة جدًا.

ولهذا، لا يتمثل الهدف الأساسي من الحوسبة الجزيئية في إنتاج نسخة أبطأ من الحاسوب التقليدي، وإنما في الاستفادة من خصائص الجزيئات التي لا توفرها الإلكترونيات التقليدية.

الدقة والأخطاء تحدٍ آخر

تواجه الحوسبة الجزيئية أيضًا تحديات تتعلق بالدقة.

فالتفاعلات الكيميائية يمكن أن تنتج أخطاء نتيجة ارتباط جزيئات غير مستهدفة أو حدوث تفاعلات جانبية، وهو ما يفرض على الباحثين تطوير آليات للتحقق من النتائج وتصحيح الأخطاء.

كما أن بعض عمليات الحوسبة الجزيئية تستهلك الجزيئات المستخدمة في التفاعل، ما يجعل إعادة استخدامها أو تشغيل النظام بصورة مستمرة أكثر تعقيدًا مقارنة بالدوائر الإلكترونية التقليدية.

هل يمكن أن تصبح الجزيئات حواسيب المستقبل؟

تشير التطورات في الحوسبة الجزيئية إلى اتجاه علمي مختلف عن المسار التقليدي لصناعة الحواسيب.

فبدلًا من تقليص حجم الترانزستورات إلى مستويات أصغر، يحاول هذا المجال استغلال القواعد الكيميائية والبيولوجية نفسها باعتبارها وسيلة لمعالجة المعلومات.

ومع استمرار تطور تقنيات تصنيع وقراءة DNA، يمكن أن تصبح الحوسبة الجزيئية أكثر قدرة على التعامل مع تطبيقات متخصصة في الطب والبيئة والبحث العلمي وتخزين البيانات.

لكن الطريق إلى الاستخدام التجاري واسع النطاق لا يزال طويلًا، إذ تحتاج التقنية إلى تحسين السرعة والدقة والتكلفة وطرق قراءة المعلومات وكتابتها.

وفي المستقبل، قد لا يكون السؤال فقط عن مدى قدرة الحاسوب على معالجة البيانات، وإنما عن المادة التي يمكن استخدامها لتنفيذ هذه المعالجة؛ فبعد عقود من هيمنة السيليكون، تفتح الجزيئات البيولوجية بابًا جديدًا أمام عالم الحوسبة.

Exit mobile version