د.رفعت جبر: زلزال الجيوسياسة.. سلاح الاغتيالات في هندسة النفوذ من الخليج إلى القرن الأفريقي

أستاذ ورئيس قسم التقنية الحيوية- كلية العلوم- جامعة القاهرة

يقف الشرق الأوسط اليوم أمام لحظة فارقة تتجاوز مجرد المناوشات العسكرية؛ إنها عملية “إعادة ضبط” شاملة لموازين القوى. فبينما تشتعل الجبهات، تبرز تحركات استراتيجية خلف الستار ترسم ملامح المنطقة للعقود القادمة، حيث تتداخل مصالح القوى الإقليمية في تشابك معقد بين الأدوار المعلنة والأجندات الخفية.

خريطة الأدوار: صراع الأجندات المزدوجة

تتحرك القوى الفاعلة في المنطقة وفق استراتيجيات ذات وجهين، تهدف في جوهرها إلى السيطرة على الممرات المائية والمقدرات الاقتصادية:

حقيقة الاغتيالات

وفي خضم هذا الصراع، يبرز سلاح الاغتيالات كأداة جراحية لإعادة تشكيل الأنظمة؛ فالتاريخ والجغرافيا يثبتان أن اغتيال الرؤوس السياسية أو العسكرية لا يهدف فقط لتصفية حسابات ميدانية، بل هو محاولة لـ “قطع رأس الهيكل التنظيمي” وإحداث فراغ مفاجئ يُربك حسابات الدولة المستهدفة، ومع ذلك، تظل فاعلية الاغتيالات في تغيير مسارات الحروب محدودة؛ فهي قد تمنح تفوقاً تكتيكياً مؤقتاً أو تكسر معنويات الخصم، لكنها نادراً ما تنجح في هدم “الأنظمة المؤسسية” التي تمتلك بدائل جاهزة.

في صراع الأقطاب الحالي، تُستخدم الاغتيالات كمحفز للفوضى بهدف دفع الخصم نحو ردود فعل غير محسوبة، مما يشرعن تدخلات دولية أوسع، وهو ما يجعل المشهد عرضة لـ “انفجار مفاجئ” يتجاوز حدود التوقعات.

قوة الردع: التحالف المصري التركي وتغيير قواعد اللعبة

في هذا السياق المتفجر، يبرز التحالف المصري التركي كحائط صد استراتيجي يمتلك زمام المبادرة ميدانياً، فالتكامل بين القدرات العسكرية للبلدين يمثل “قوة ضاربة” قادرة على تغيير موازين القوى في البحر الأحمر تحديداً؛ فبينما توفر مصر الثقل الجيوسياسي والقواعد العسكرية المتقدمة والأسطول البحري الضخم في الجنوب، تقدم تركيا تفوقاً نوعياً في تكنولوجيا الطائرات المسيرة (الدرونز) وأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة.

هذا التلاحم يمنع آبي أحمد من تحويل طموحاته البحرية إلى واقع عسكري، ويقطع الطريق على أي محاولات إقليمية لتدويل الممرات المائية المصرية.

من يملك زمام الأمور؟ وكيف ينتهي الصراع؟

رغم محاولات إسرائيل لـ “إدارة الفوضى” وتوريط العواصم العربية في حرب مع طهران، إلا أن زمام الأمور حالياً بدأ يميل لصالح المحور (المصري-التركي-السعودي) الذي يتبنى سياسة “النفس الطويل”. هذا المحور أدرك مبكراً فخ الاستنزاف، وبدأ في بناء منظومة أمنية إقليمية نابعة من الداخل.

التوقعات الختامية

من المرجح أن ينتهي هذا التصعيد بـ “تسوية الأقطاب”؛ حيث ستجبر الضغوط العسكرية والسياسية في الصومال والبحر الأحمر إثيوبيا على التراجع عن أحلام التوسع العسكري، بينما ستجد القوى الدولية نفسها مضطرة للاعتراف بالمحور المصري التركي كضامن وحيد لاستقرار الملاحة العالمية.

إن نهاية الحرب لن تكون بانتصار عسكري ساحق، بل بنشوء نظام إقليمي جديد يحترم الخطوط الحمراء للقاهرة وأنقرة، ويفشل مخطط “تقسيم المقسم”.

حفظ الله مصر وشعوب المنطقة من الفتن ومن كل سوء.

Exit mobile version