دراسة جديدة تكشف كيف تتحكم أوراق الأشجار في استجابتها لتغير المناخ

نمو الأشجار ليس مضمونًا مع ارتفاع الكربون.. مسام الأوراق تفسر المفاجأة

منذ أن يتعلم الطلاب أساسيات البناء الضوئي، تبدو المعادلة بسيطة: تمتص النباتات ثاني أكسيد الكربون والماء بوجود الضوء، وتنتج الأكسجين والسكريات اللازمة للنمو.

وبناءً على هذه القاعدة، ساد اعتقاد علمي طويل الأمد مفاده أن ارتفاع تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي سيؤدي بالضرورة إلى تسارع نمو الأشجار وزيادة قدرتها على تخزين الكربون على المدى الطويل.

 

غير أن الواقع الميداني خالف هذه التوقعات. فعلى الرغم من الارتفاع المستمر في مستويات ثاني أكسيد الكربون عالميًا خلال العقود الماضية، أظهرت القياسات طويلة الأمد لنمو الأشجار وكتلتها الحيوية تباينًا كبيرًا؛ إذ سجلت بعض الغابات زيادات طفيفة في النمو، بينما لم تُظهر غابات أخرى أي تحسن يُذكر، بل إن بعض الدراسات رصدت تراجعًا في معدلات النمو وتخزين الكربون.

 

هذا التناقض ظل لغزًا علميًا محيرًا لسنوات، إلى أن قدم فريق بحثي تقوده جامعة ديوك الأمريكية بالتعاون مع جامعة ووهان الصينية تفسيرًا جديدًا يربط بين فسيولوجيا أوراق الأشجار والتوازن الدقيق بين الكربون والماء.

أوراق الأشجار وتغير المناخ

إعادة النظر في افتراضات راسخة

 

في دراسة نُشرت مطلع ديسمبر في دورية  Nature Climate Change، عرض الباحثون نموذجًا رياضيًا جديدًا يفسر كيف تتفاعل الأشجار مع ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون من خلال مسام أوراقها، المعروفة علميًا بالثغور.

 

ويقول البروفيسور جابي كاتول، أستاذ الهندسة المدنية والبيئية بجامعة ديوك، إن الاعتقاد السائد لفترة طويلة كان يقوم على أن زيادة ثاني أكسيد الكربون تعني تلقائيًا زيادة في امتصاصه، وبالتالي نموًا أكبر للأشجار.

لكنه يشير إلى أن التجارب الواقعية واسعة النطاق أثبتت أن هذا التأثير لا يعمل بمعزل عن العوامل البيئية الأخرى، وعلى رأسها توفر المياه والظروف المناخية.

أوراق الأشجار وتغير المناخ

دروس من تجارب ميدانية طويلة الأمد

 

استند الباحثون في تطوير نموذجهم إلى نتائج تجارب مرجعية استمرت 16 عامًا، أُجريت في كل من جامعة ديوك والمعهد التقني الفيدرالي العالي في زيورخ.

ففي تجربة ديوك، جرى تعريض مجموعات من الأشجار لكميات إضافية من ثاني أكسيد الكربون تحاكي سيناريوهات مستقبلية محتملة، بينما ركزت تجربة زيورخ على رفع مستويات الرطوبة المحيطة بالأشجار.

 

وقد كشفت هذه التجارب، من خلال قياسات دقيقة للنمو واحتجاز الكربون والتغيرات الفسيولوجية داخل الأوراق، أن الأشجار لا تزيد امتصاصها للكربون بالقدر الذي كان متوقعًا، حتى في بيئات غنية بثاني أكسيد الكربون.

 

الثغور: بوابة الكربون ونقطة ضعف المياه

 

لفهم هذه الظاهرة، لجأ الفريق البحثي إلى ما وصفه كاتول بـ«المنظور الهندسي» لحركة الماء داخل الأشجار، فالثغور الموجودة على سطح الأوراق تعمل كصمامات دقيقة تسمح بدخول ثاني أكسيد الكربون اللازم للبناء الضوئي، لكنها في الوقت ذاته تشكل منفذًا لفقدان الماء عبر التبخر.

 

في البيئات الحارة والجافة، يتسارع فقدان الماء من خلال هذه الثغور، ولمواجهة هذا الخطر، تلجأ الأشجار إلى تقليص حجم فتحات الثغور أو تقليل فترة فتحها، ما يؤدي تلقائيًا إلى تقليل كمية ثاني أكسيد الكربون الداخلة إلى الورقة، ومن ثم تراجع معدلات البناء الضوئي والنمو، ويؤدي ذلك إلى مفاضلة حيوية دقيقة بين الحاجة إلى النمو عبر امتصاص الكربون، والحاجة إلى البقاء عبر الحفاظ على التوازن المائي الداخلي.

 

خطر خفي مع نضج الأشجار

 

تزداد هذه المفاضلة تعقيدًا مع تقدم الأشجار في العمر وزيادة ارتفاعها، فالأشجار الكبيرة تعتمد على نظام دقيق من التوتر المائي الممتد من الجذور إلى الأغصان العليا، وأي فقدان سريع أو مفرط للماء قد يؤدي إلى اضطراب هذا النظام، بما يهدد بحدوث انهيارات هيدروليكية داخل أنسجة الشجرة.

من هنا، يصبح الحد من فتح الثغور آلية وقائية أساسية، حتى لو جاء ذلك على حساب تقليل امتصاص ثاني أكسيد الكربون.

 

نموذج يفسر التباين العالمي

 

بعد تطوير نموذجهم، قام الباحثون بتطبيقه على عشرات الدراسات التي تناولت نمو الأشجار الاستوائية خلال العقود الخمسة الماضية، وعلى الرغم من الارتفاع المتواصل في مستويات ثاني أكسيد الكربون، أظهرت هذه الدراسات نتائج متباينة بشدة، وهو ما كان يُعد لغزًا علميًا.

لكن باستخدام النموذج الجديد، تمكن الفريق من تفسير هذا التباين من خلال الاختلافات المحلية في الحرارة والرطوبة وتوازن المياه، مؤكدين أن استجابة الأشجار للكربون لا يمكن فهمها دون النظر إلى القيود المائية والبيئية المحيطة.

Exit mobile version