بريطانيا تتراجع عن تمويل ثاني أكبر غابة مطيرة في العالم.. ملايين الجنيهات تُسحب من حوض الكونغو

أزمة تمويل تهدد أكبر مخزن للكربون في أفريقيا.. انتكاسة لتعهدات المناخ العالمية

وجهت الحكومة البريطانية ضربة جديدة لجهود حماية الغابات الاستوائية، بعدما قررت تقليص تمويل مشروعات الحفاظ على غابات حوض الكونغو، ثاني أكبر غابة مطيرة في العالم، في إطار مراجعة واسعة لبرامج المساعدات الخارجية، وهو ما أثار انتقادات منظمات بيئية وبرلمانيين اعتبروا الخطوة تراجعًا عن التعهدات التي أطلقتها لندن خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP26.

وتكشف بيانات حكومية أن بريطانيا لم تنفق حتى عام 2024 سوى 39.8 مليون جنيه إسترليني من أصل 200 مليون جنيه تعهدت بتقديمها لدعم حماية غابات حوض الكونغو، رغم أن المبادرة كانت تمثل أحد أبرز الالتزامات البريطانية لحماية الغابات الاستوائية.

ويأتي ذلك في ظل تقليصات واسعة للمساعدات الخارجية نفذتها حكومتا المحافظين ثم العمال، بالتزامن مع توجه عدد من الدول الغربية إلى خفض الإنفاق التنموي.

تعهدات من مؤتمر جلاسكو

خلال استضافة بريطانيا مؤتمر COP26 في مدينة جلاسكو عام 2021، قادت إطلاق إعلان قادة جلاسكو بشأن الغابات واستخدام الأراضي، الذي وقع عليه أكثر من 140 دولة بهدف وقف إزالة الغابات وعكس مسارها بحلول عام 2030.

كما أعلنت لندن آنذاك حزمة تمويلات لحماية أكبر الغابات المطيرة في العالم، شملت:

وجاءت هذه التعهدات ضمن التزام دولي جماعي تجاوز 1.5 مليار دولار لدعم دول حوض الكونغو بحلول عام 2025.

حوض الكونغو.. رئة أفريقيا الكربونية

يمثل حوض الكونغو ثاني أكبر غابة مطيرة على مستوى العالم بعد الأمازون، ويعد أكبر مخزن طبيعي للكربون في أفريقيا، إذ يؤدي دورًا محوريًا في امتصاص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وتنظيم المناخ العالمي.

ورغم أهميته البيئية، تواجه الدول الست التي تضم الغابة تحديات اقتصادية كبيرة ونقصًا في التمويل اللازم لحمايتها من إزالة الغابات والتوسع الزراعي وقطع الأشجار والتغيرات المناخية.

تقليص حاد للتمويل

أطلقت بريطانيا خلال مؤتمر 27COP برنامج Congo Basin Forest Action Programme (CBFA)، باعتباره الأداة الرئيسية لتنفيذ نحو نصف تعهدها المالي لحوض الكونغو.

لكن الحكومة قررت خفض ميزانية البرنامج من 90 مليون جنيه إسترليني إلى 18.8 مليون جنيه فقط، مع إنفاق نحو 15 مليون جنيه بالفعل، وذلك في إطار إعادة توجيه جزء من ميزانية المساعدات لدعم الإنفاق الدفاعي.

ولم يقتصر الأمر على هذا البرنامج، إذ أغلقت الحكومة أيضًا الجزء الخاص بحوض الكونغو من صندوق المناظر الطبيعية عالية التنوع البيولوجي (Biodiverse Landscapes Fund)، الذي بلغت قيمته 12.3 مليون جنيه إسترليني، بعد عامين فقط من بدء تنفيذه، رغم أن مدته الأصلية كانت سبع سنوات.

كما تشير الوثائق الحكومية إلى احتمال تقليص ميزانيات مشروعات أخرى في جمهورية الكونغو الديمقراطية، مع احتمال تقليص نطاق تنفيذ بعضها ليقتصر على عدد أقل من الدول.

انتقادات لخرق التعهدات

أثارت هذه الخطوات انتقادات واسعة من منظمات حماية البيئة، التي حذرت من أن الدول الاستوائية تبني سياساتها طويلة الأجل اعتمادًا على التزام الدول المانحة بتمويل حماية الغابات.

وقال داميان فليمنج، المدير الأول لبرامج الغابات في الصندوق العالمي للطبيعة (WWF International)، إن الدول التي تمتلك الغابات الاستوائية تتخذ قرارات تنموية وسياسات طويلة المدى على أساس وفاء الشركاء الدوليين بوعودهم التمويلية.

كما اعتبر زاك جولدسميث، الوزير البريطاني السابق الذي أشرف على تعهدات الغابات خلال COP26، أن بريطانيا انتقلت من موقع الريادة الدولية في حماية الطبيعة إلى مرحلة “التراجع عن الوعود” التي قطعتها للدول النامية.

الحكومة البريطانية: ما زلنا ملتزمين

في المقابل، تؤكد الحكومة البريطانية أنها أوفت بهدفها البالغ 11.6 مليار جنيه إسترليني لتمويل العمل المناخي خلال الفترة الحالية، مشيرة إلى أنها تجاوزت أيضًا الأهداف الفرعية المتعلقة بحماية الطبيعة والغابات.

وتقول لندن إنها ستواصل إعطاء أولوية لحوض الكونغو ضمن استراتيجيتها الجديدة للمساعدات في أفريقيا، مع استمرار تمويل مشروعات حماية الغابات باعتبارها جزءًا أساسيًا من تمويلها المناخي، رغم التخلي عن تخصيص مبالغ منفصلة ومحمية قانونيًا لبرامج الطبيعة والغابات في التعهدات الجديدة.

تداعيات عالمية

يرى خبراء أن تراجع التمويل الدولي لحوض الكونغو لا يهدد التنوع البيولوجي في أفريقيا فحسب، بل قد ينعكس أيضًا على الجهود العالمية لمواجهة تغير المناخ، نظرًا للدور الحيوي الذي تؤديه الغابة في امتصاص الكربون والحفاظ على استقرار النظام المناخي العالمي.

ومع استمرار الضغوط الاقتصادية على الدول المانحة، يزداد القلق من اتساع الفجوة التمويلية التي تواجهها الدول النامية في تنفيذ تعهدات حماية الغابات، رغم اعتبارها أحد أهم الحلول الطبيعية للحد من تغير المناخ.

Exit mobile version