«مصريبثيكس موجراينسيس».. حفرية مصرية تكشف أسرار تطور الحياة قبل 18 مليون سنة

إنجاز علمي مصري يقدم أول دليل مؤكد على وجود أسلاف القردة العليا في شمال إفريقيا

كشفت دراسة علمية نُشرت في مجلة “Science” عن اكتشاف نوع جديد من أسلاف القردة العليا يحمل اسم “مصريبثيكس موجراينسيس” (Masripithecus moghraensis)، عاش قبل نحو 18 مليون سنة خلال العصر الميوسيني المبكر، في منطقة وادي المغرة بالصحراء الغربية في مصر.

يمثل هذا الاكتشاف تحولًا مهمًا في فهم تطور القردة العليا، إذ يقدم أول دليل مؤكد على وجود أسلاف هذه المجموعة في شمال إفريقيا، ما يعيد النظر في الفرضيات السائدة التي حصرت نشأتها في شرق القارة الإفريقية.

ويمثل الإنجاز نقلة نوعية في فهم تطور القردة العليا، ويعزز مكانة مركز الحفريات الفقارية عالميًا، كما يدعم تمكين المرأة، حيث قادت الدراسة د.شروق الأشقر؛ لتكون أول باحثة مصرية تقود بحث علمي في مجلة Science.

الباحثون فريق العمل

نموذج تطوري عالي الدقة

واعتمدت الدراسة على منهجية تحليلية متقدمة جمعت بين البيانات الجزيئية المستخلصة من الأنواع الحديثة والخصائص التشريحية للحفريات.

وشمل التحليل نحو 60 ألف قاعدة وراثية من 67 جينًا نوويًا و10 جينات ميتوكوندرية، إلى جانب دراسة 268 صفة تشريحية للقردة الحديثة والمنقرضة، ما أتاح بناء نموذج تطوري عالي الدقة.

وأظهرت نتائج التحليل، أن “مصريبثيكس” يحتل موقعًا تطوريًا وسيطًا مهمًا، ما يشير إلى أن شمال إفريقيا لم تكن مجرد ممر للهجرة، بل ربما شكلت بيئة رئيسية لتطور القردة العليا وتنوعها المبكر.

وتكمن أهمية الحفرية – رغم اقتصارها على أجزاء من الفك والأسنان – في ما تحمله من مؤشرات على النظام الغذائي والسلوك البيئي؛ إذ أظهرت البنية التشريحية قدرة على تناول الفواكه، مع إمكانية التعامل مع الأغذية الأكثر صلابة، وهو ما يعكس مرونة غذائية مبكرة.

موقع وادي المغرة في مصر

وتُعد هذه المرونة عاملًا حاسمًا في نجاح القردة العليا وانتشارها لاحقًا في بيئات مختلفة، حيث تشير إلى قدرة تكيفية مع التغيرات البيئية التي شهدها العصر الميوسيني.

كما تطرح نتائج الدراسة تحديًا مباشرًا للنماذج التقليدية التي تركز على شرق إفريقيا كمركز وحيد لنشأة القردة العليا، إذ تشير الأدلة الجديدة إلى نطاق جغرافي أوسع يشمل شمال إفريقيا والشرق الأوسط.

ويعزز هذا الطرح فرضية وجود مراكز تطور متعددة أو متداخلة، بدلًا من نموذج “المهد الواحد”، ما يفتح آفاقًا جديدة لإعادة تقييم مسارات الهجرة والتطور لدى الرئيسيات.

الحفريات

إضافة نوعية إلى سجل الحفريات العالمي

كما يسلط البحث الضوء على أهمية التكامل بين علم الحفريات والبيولوجيا الجزيئية في إعادة بناء التاريخ التطوري، حيث أسهم الدمج بين الأدلة الأحفورية والبيانات الجينية في تقديم صورة أكثر شمولًا ودقة.

ومن الناحية العلمية، يمثل هذا الاكتشاف إضافة نوعية إلى سجل الحفريات العالمي، خاصة في ظل ندرة الأدلة المتعلقة بأسلاف القردة العليا في شمال إفريقيا، ما يجعل “مصريبثيكس” عنصرًا محوريًا في سد فجوة معرفية مهمة.

وعلى المستوى المؤسسي، يعكس نشر الدراسة في مجلة “Science” – التي لا تتجاوز نسبة قبول الأبحاث بها 6% سنويًا – جودة المنهجية العلمية وقوة النتائج، خاصة أن البحث تم إنجازه وتمويله بقيادة مصرية كاملة من داخل جامعة المنصورة.

كما يبرز هذا العمل أهمية الاستثمار في البنية التحتية البحثية والدراسات طويلة الأمد، إذ جاء الاكتشاف بعد أكثر من خمس سنوات من العمل الميداني والتحليل العلمي المتكامل.

ويؤكد الباحثون، أن هذا الاكتشاف لا يمثل نهاية المسار، بل بداية لمرحلة جديدة من البحث في شمال إفريقيا، التي قد تكشف عن مزيد من الأدلة القادرة على إعادة تشكيل فهمنا لتاريخ تطور الرئيسيات على مستوى العالم.

وتم نشر هذا البحث في مجلة “Science” بقيادة مصرية كاملة ومن داخل جامعة المنصورة، بباحث رئيسي وتمويل مصري خالص، ويعكس ذلك انتقال المؤسسات البحثية المصرية من المشاركة إلى الريادة وقدرتها على إنتاج معرفة تنافس عالميًا، ويعد هذا الإنجاز محطة مهمة في البحث العلمي المصري.

وادي المغرة في مصر وأدلة جديدة على تطور القردة العليا

الهوية المصرية

وقد حرص الفريق البحثي على أن تعكس التسمية الهوية المصرية؛ إذ يجمع اسم “مصريبثيكس” بين “مصر” والكلمة اليونانية “بيثيكوس” بمعنى “قرد”، بينما يشير “موجراينسيس” إلى وادي المغرة، موقع الاكتشاف.

وأوضحت د.شروق الأشقر، المؤلف الرئيسي للدراسة، أن الحفرية – رغم اقتصارها على أجزاء من الفك والأسنان – تحمل دلالات علمية مهمة؛ حيث تكشف عن نظام غذائي مرن يعتمد على الفواكه مع القدرة على معالجة الأغذية الأكثر صلابة، بما يعكس قدرة مبكرة على التكيف مع البيئات المتغيرة، وهي من السمات الأساسية في نجاح القردة العليا وانتشارها لاحقًا.

وأشارت د.شروق الأشقر إلى أن الدراسة اعتمدت على تحليل تطوري متكامل جمع بين البيانات الجزيئية المستمدة من الأنواع الحديثة، والخصائص التشريحية للحفريات؛ حيث شمل نحو 60 ألف قاعدة وراثية من 67 جينًا نوويًا، و10 جينات ميتوكوندرية، إلى جانب 268 صفة تشريحية للقردة الحديثة والمنقرضة، ما أتاح بناء شجرة تطورية دقيقة وتحديد الموقع التطوري لهذا النوع الجديد بدرجة عالية من الدقة.

الحفريات

أكثر من خمس سنوات في البحث الميداني

وفي هذا السياق، أوضح د.هشام سلام، أن الفريق استمر لأكثر من خمس سنوات في البحث الميداني عن حفريات القردة العليا في منطقة المغرة، مؤكدًا أن هذا الاكتشاف جاء تتويجًا لجهود طويلة من العمل الدؤوب، مؤكدًا أن هذا الإنجاز يمثل رسالة قوية إلى الشباب المصري بأن المنافسة على أعلى المنصات العلمية العالمية ممكنة من داخل مصر، وأن الاستثمار في البحث العلمي قادر على وضع المؤسسات المصرية في قلب الاكتشافات التي تعيد كتابة تاريخ الحياة على الأرض.

كما أشار البروفيسور إيريك سيفرت، عالم الحفريات بجامعة جنوب كاليفورنيا والمؤلف المشارك في الدراسة، إلى أن نتائج التحليل تمثل تحديًا قويًّا للنظريات التقليدية التي كانت تحصر نشأة القردة العليا في شرق إفريقيا، مؤكدًا أن هذا الاكتشاف يوسع النطاق الجغرافي ليشمل شمال إفريقيا والشرق الأوسط كمناطق محورية في هذا التطور.

ونظمت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي احتفالا لفريق العمل بحضورد.عبدالعزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، ود.شريف خاطر رئيس جامعة المنصورة، الفعالية التي نظمتها جامعة المنصورة للإعلان عن تحقيق إنجاز علمي مصري بارز، بعد نجاح فريق مركز الجامعة للحفريات الفقارية “سلام لاب” بقيادة د.هشام سلام.

احتفالية وزارة التعليم العالي

مثمنًا جهود مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية وفريق “سلام لاب” بقيادة د.هشام سلام في بناء مدرسة علمية وطنية متخصصة، أثمرت هذا العمل العالمي بعد سنوات من البحث، مشيدًا بدور د.شروق الأشقر في قيادة الدراسة ونشرها بمجلة Science، بما يعكس تنامي دور المرأة المصرية في البحث العلمي، كما أعرب الوزير عن تقديره للدعم المؤسسي من الجامعة وهيئة تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار في توفير بيئة محفزة لهذا الإنجاز.

احتفالية وزارة التعليم العالي

وفي ختام كلمته، أكد د.عبدالعزيز قنصوة أن هذا الإنجاز يمثل بداية لمرحلة جديدة تستهدف مضاعفة النجاحات، وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي ودولي لإنتاج المعرفة، ودعم الباحثين للانخراط في القضايا العلمية الكبرى، موجهًا التهنئة لجامعة المنصورة ود.هشام سلام وفريقه، وكل من ساهم في هذا الإنجاز، ومؤكدًا ثقته في قدرة العلماء المصريين على مواصلة التميز، ليظل العلم الطريق الأقصر نحو مستقبل أفضل لمصر.

Exit mobile version