تسعى الولايات المتحدة إلى تطوير تقنيات علمية متقدمة تمكنها من التحكم في الجليد في البيئات القطبية، في خطوة قد تمنحها تفوقًا استراتيجيًا في القطب الشمالي الذي يشهد منافسة جيوسياسية متصاعدة بين القوى الكبرى.
وتُعد الظروف المناخية القاسية والجليد الدائم من أبرز التحديات التي تواجه العمليات العسكرية في تلك المنطقة، حيث يعيق الجليد حركة القوات والمعدات ويحد من القدرة على المناورة.
وفي محاولة لمعالجة هذه المشكلة، يعمل باحثون في Johns Hopkins University Applied Physics Laboratory على تطوير مواد وتقنيات ذكية لا تكتفي بمقاومة الجليد، بل تسعى إلى التحكم في تكوينه وتطويعه لخدمة العمليات العسكرية والعلمية.
ويأتي هذا المشروع ضمن برنامج تابع لـ DARPA، وهي وكالة المشاريع البحثية الدفاعية المتقدمة التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، ويُعرف البرنامج باسم “التحكم في الجليد في البيئات الباردة”.
القطب الشمالي.. ساحة تنافس عالمي
تزايد الاهتمام الدولي بالقطب الشمالي خلال السنوات الأخيرة، بسبب ما يُعتقد أنه يحتوي على احتياطيات ضخمة من النفط والغاز والمعادن النادرة، إضافة إلى أهميته الاستراتيجية كممر ملاحي جديد قد يصبح أكثر نشاطًا مع ذوبان الجليد بفعل تغير المناخ.
ولهذا السبب، أصبحت المنطقة محور تنافس متزايد بين الولايات المتحدة وروسيا والصين وعدد من الدول القطبية، حيث تسعى كل دولة إلى تعزيز حضورها العسكري والعلمي هناك.
مشروع “بورياس”.. هندسة الجليد
أحد أبرز المشاريع ضمن هذا البرنامج يحمل اسم “بورياس” (Boreas)، ويهدف إلى تنظيم تكوين الجليد البيئي بطريقة تسمح بتحقيق التفوق العملياتي في البيئات القطبية.
تعتمد فكرة المشروع على تطوير مجموعة من الجزيئات والبروتينات القادرة على التأثير في عملية تجمد الماء، بحيث يمكن:
-
تعزيز تكوين الجليد عند الحاجة
-
منع تكونه في أماكن معينة
-
أو حتى زيادة صلابته وقوته لتشكيل هياكل مؤقتة.
وفي إطار التجارب الأولية، استخدم الباحثون بوليمرات مستوحاة من الطبيعة، واكتشفوا مادة مشتقة من السكر تُستخدم عادة في مستحضرات التجميل لكنها قادرة على تحفيز تشكل الجليد بدقة عالية.
ولإثبات ذلك عمليًا، رسم الفريق حروف APL بهذه المادة، لتتكون حروف جليدية واضحة خلال دقائق.
بروتينات تتحكم في البلورات الجليدية
درس العلماء أيضًا أنواعًا مختلفة من البروتينات المتحكمة في الجليد، وهي جزيئات توجد طبيعيًا في بعض الكائنات الحية التي تعيش في البيئات المتجمدة.
ومن بين هذه البروتينات:
-
بروتينات تحفز تكوين الجليد
-
بروتينات تمنع تشكله
واللافت أن دمج النوعين معًا أدى إلى تكوين بلورات جليدية أكبر وأكثر صلابة، وهي ظاهرة غير موجودة في الطبيعة، ما يفتح الباب أمام تطبيقات علمية جديدة.
تقنيات متقدمة لاختبار الجليد
لاختبار آلاف التركيبات الكيميائية المختلفة، استخدم الباحثون مجموعة من التقنيات المتطورة، منها:
-
ألواح اختبار ميكروية تسمح بدراسة مئات العينات بسرعة
-
اختبارات التصاق الجليد لقياس قوة ارتباطه بالأسطح المختلفة
-
تقنية القطيرات المجهرية لتحليل تأثير كل جزيء بشكل منفصل
وتتيح هذه الأدوات للعلماء دراسة كيفية التحكم في خصائص الجليد بدقة غير مسبوقة.
تطبيقات عسكرية وطبية وإنسانية
يقول الكيميائي Joel Sarapas من قسم البحث والتطوير الاستكشافي في المختبر إن هذه التكنولوجيا قد تفتح الباب أمام مجموعة واسعة من التطبيقات.
فعلى المستوى العسكري، يمكن استخدامها في:
-
منع تراكم الجليد على أجنحة الطائرات
-
حماية السفن والمنشآت البحرية
-
إنشاء هياكل مؤقتة فوق الجليد في البيئات القطبية
أما في المجال الطبي، فقد تساعد هذه التقنيات في:
-
الوقاية من قضمة الصقيع
-
تطوير أدوية يمكن حفظها بالتجميد لفترات طويلة
كما يمكن أن يكون لها بعد إنساني مهم، مثل تحسين طرق حفظ الدم المتبرع به أثناء نقله لمسافات طويلة دون تلف.
مستقبل التكنولوجيا القطبية
رغم أن المشروع لا يزال في مراحله الأولى، فإن العلماء يرون أنه قد يحدث تحولاً جذريًا في طريقة التعامل مع البيئات المتجمدة.
ومع تزايد الاهتمام الدولي بالقطب الشمالي، قد تصبح تقنيات التحكم في الجليد واحدة من أهم أدوات النفوذ العلمي والعسكري في المنطقة خلال العقود المقبلة.
