جريتا ثونبرج تنضم إلى احتجاجات طلاب فرنسا: مستقبلنا يُسرق والمدارس تحتاج إلى الاستثمار

فرنسا على صفيح ساخن.. احتجاجات الطلاب تكشف أزمة المدارس والديون الحكومية

انضمت الناشطة السويدية في مجال المناخ جريتا ثونبرج إلى طلاب المدارس الثانوية المحتجين في فرنسا، في وقت تستعد فيه البلاد لموجة جديدة من الاحتجاجات على مستوى الجمهورية، رفضًا لنقص المعلمين، واكتظاظ الفصول الدراسية، وتدهور حالة المباني المدرسية.

وقالت ثونبرج، البالغة من العمر 23 عامًا، خلال حديثها إلى الصحفيين أمام مدرسة بول إيلوار الثانوية في ضاحية سان دوني شمال باريس، إن الشباب لا يشاركون بصورة كافية في النقاشات المتعلقة بمستقبلهم.

وأضافت الناشطة التي اشتهرت في سن المراهقة بتنظيم إضرابات مدرسية للمطالبة بالتحرك لمواجهة أزمة المناخ: «إن مستقبلنا يُسرق منا، وكما رأينا هنا، فإن المدارس لا تحصل على الاستثمارات التي تحتاج إليها».

وجاءت تصريحاتها بينما شكل محامون يرتدون أروابهم المهنية سلسلة بشرية لحماية الطلاب، عقب اتهامات متكررة للشرطة الفرنسية باستخدام القوة المفرطة خلال الاحتجاجات.

تواجه الحكومة الفرنسية صعوبة في الاستجابة للمطالب بزيادة الإنفاق على التعليم،

احتجاجات طلاب فرنسا تدخل أسبوعها الثالث

دخلت الاحتجاجات الطلابية أسبوعها الثالث، بمشاركة نقابات عمالية وبعض المعلمين وسياسيين من تيارات اليسار الراديكالي، لتضع الحكومة الفرنسية أمام معادلة صعبة بين المطالب بزيادة الإنفاق العام بصورة عاجلة، والضغوط الرامية إلى تقليص العجز المالي والدين العام المتزايدين.

ووفقًا لأرقام وزارة الداخلية الفرنسية، شارك أكثر من 260 ألف متظاهر في احتجاجات الثلاثاء الماضي، أعقبهم نحو 75 ألفًا يوم الخميس، وسط توقعات بتجدد المظاهرات الثلاثاء في عدد من المدن الكبرى، بينها العاصمة باريس.

وكتب اتحاد الطلاب الجامعيين «يو إي» على وسائل التواصل الاجتماعي: «إنهم لا يستمعون إلينا، ولذلك سنذهب إليهم»، في إشارة إلى استمرار التحركات الاحتجاجية وتصاعد التضامن بين طلاب المدارس والجامعات.

وشهدت مدارس ثانوية في باريس ومرسيليا ومناطق أخرى إغلاق مداخلها، فيما أفادت تقارير بأن نحو 90% من الجامعات الفرنسية شهدت اضطرابات في الدراسة الثلاثاء، وفقًا للتقديرات الواردة في التغطية الصحفية.

وكانت السلطات الفرنسية تأمل أن تتراجع الاحتجاجات تدريجيًا خلال عطلة منتصف الفصل الدراسي، التي تستمر أسبوعين وتبدأ في نهاية الأسبوع، خاصة بعد وقوع اشتباكات عنيفة بين بعض المتظاهرين وشرطة مكافحة الشغب.

احتجاجات طلاب فرنسا تدخل أسبوعها الثالث

نقص المعلمين واكتظاظ الفصول يشعلان الغضب

أعلنت وزارة التعليم الفرنسية أنها تعمل على توفير نحو 3 آلاف معلم بديل للمدارس التي تواجه أشد حالات نقص العاملين، في محاولة لاحتواء الأزمة والاستجابة لأحد أبرز مطالب المحتجين.

وقال وزير التعليم إدوار جيفراي إنه يتوقع إغلاق نحو 200 مدرسة ثانوية بالكامل من إجمالي 3700 مدرسة في البلاد.

لكن وسائل إعلام فرنسية أفادت بإلغاء بعض الحصص الدراسية أو تعطيلها في عدد أكبر من المدارس، بينما لجأت بعض المؤسسات التعليمية إلى تحويل الدراسة جزئيًا أو كليًا إلى نظام التعلم عن بُعد.

وتشير البيانات الواردة في التغطيات الصحفية إلى أن قرابة 10% من ساعات التدريس في المدارس الثانوية الحكومية الفرنسية لا تجد معلمين لتغطيتها، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي يواجهها النظام التعليمي.

كما تضم الفصول الدراسية عادة نحو 35 طالبًا، وفقًا لشهادات معلمين نقلتها هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، في حين تؤدي جداول الدراسة الطويلة والفجوات الزمنية الناتجة عن سوء التنظيم ونقص العاملين إلى زيادة استياء الطلاب.

ولا تقتصر الأزمة على نقص المعلمين؛ إذ يشكو الطلاب من تهالك المرافق، وتدهور دورات المياه، ووجود ثقوب في الجدران وأسقف متعفنة في بعض المدارس، إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة داخل الفصول صيفًا وانخفاضها بشدة خلال الشتاء.

وأظهرت مقاطع مصورة متداولة على منصات التواصل الاجتماعي مشكلات تتعلق بالنظافة والبنية التحتية داخل بعض المدارس، ما ساهم في اتساع الغضب الشعبي بشأن أوضاع التعليم الحكومي.

نقص المعلمين واكتظاظ الفصول يشعلان الغضب

3 آلاف معلم إضافي.. هل تنجح الحكومة في احتواء الأزمة؟

في محاولة لتهدئة الأوضاع، تعهدت الحكومة الفرنسية بتوفير نحو 3 آلاف معلم إضافي خلال الأيام المقبلة، في خطوة اعتبرتها النقابات الطلابية استجابة أولية لمطالب المحتجين.

لكن التعهد لم ينجح حتى الآن في إنهاء الاحتجاجات، إذ يرى الطلاب أن الأزمة تتجاوز سد العجز في أعداد المعلمين إلى الحاجة لإصلاح أوسع للمدارس وتحسين ظروف التعلم.

وقال رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو إن الحكومة ستعلن، بحلول نهاية أكتوبر، خطة للتعامل مع الأزمة، فيما أشار مسؤولون إلى إمكانية إعادة النظر في الموارد المخصصة للمدارس ضمن موازنة العام المقبل.

وفي الوقت نفسه، أطلقت وزارة التعليم منصة إلكترونية تتيح للطلاب عرض مخاوفهم وتقديم مقترحات لتحسين العملية التعليمية.

غير أن هذه الخطوات تواجه شكوكًا واسعة بين المحتجين، الذين يعتبرون أن الاستجابات الحكومية لم تعالج جذور المشكلة، وأنهم لم يحصلوا على الاهتمام الكافي قبل تصاعد الاحتجاجات.

3 آلاف معلم إضافي.. هل تنجح الحكومة في احتواء الأزمة؟

اتهامات للشرطة باستخدام القوة المفرطة

أدت الاحتجاجات إلى اعتقالات وإصابات واسعة، وسط تصاعد الجدل بشأن تعامل الشرطة الفرنسية مع المتظاهرين، الذين يضم كثير منهم قاصرين.

ووفقًا لبيانات وزارة الداخلية، جرى توقيف نحو 6800 شخص خلال الاحتجاجات، معظمهم من القاصرين، فيما قالت وزارة العدل إن نحو 1500 شخص يواجهون إجراءات قضائية.

كما تخضع 24 شكوى تتعلق بادعاءات استخدام الشرطة القوة المفرطة للتحقيق، بينما سُجلت إصابات بين الطلاب والعاملين في التعليم وأفراد الشرطة.

اتهامات للشرطة باستخدام القوة المفرطة

وتعرض فتى يبلغ من العمر 15 عامًا لإصابة أدت إلى بتر يده خلال مواجهة مع الشرطة في مدينة لانس شمال شرقي فرنسا، وسط اختلاف الروايات بشأن كيفية وقوع الحادث.

وأعلنت السلطات لاحقًا حظر استخدام القنابل الصاعقة خلال الاحتجاجات المدرسية، في أعقاب الانتقادات التي طالت أساليب التعامل الأمني مع المتظاهرين.

واتهمت منظمات حقوقية ونقابات طلابية الشرطة باستخدام القوة بصورة غير متناسبة، بينما قال مسؤولون أمنيون إن بعض أعمال العنف نفذها أشخاص لا تربطهم صلة بالمدارس، وإنهم يستغلون الاحتجاجات لإشعال المواجهات.

اتهامات للشرطة باستخدام القوة المفرطة

أزمة التعليم تتحول إلى معركة سياسية قبل انتخابات 2027

تجاوزت الاحتجاجات مطالب إصلاح المدارس، لتتحول إلى ساحة جديدة للصراع السياسي في فرنسا، قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2027.

وتحاول أطراف من اليمين المتطرف واليسار الراديكالي توظيف الأزمة لتعزيز مواقعها السياسية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تراجع الثقة في المؤسسات الحكومية واتساع الانقسامات داخل المجتمع الفرنسي.

وأبدت مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف، انتقاداتها للأضرار التي لحقت بالمدارس، ودعت إلى تحميل أولياء أمور الطلاب المتورطين في أعمال التخريب تكاليف الإصلاح.

في المقابل، أيد جان لوك ميلانشون، زعيم اليسار الراديكالي، الاحتجاجات، ووصف الطلاب المشاركين فيها بأنهم استثنائيون، كما انتقد ما اعتبره استخدامًا مفرطًا للقوة من جانب الشرطة.

وتشير استطلاعات الرأي الواردة في التغطيات الفرنسية إلى اتساع قلق الشباب بشأن مستقبل البلاد، وسط تراجع مساحة التيار السياسي الوسطي وصعود التيارات الأكثر تطرفًا.

أزمة التعليم تتحول إلى معركة سياسية قبل انتخابات 2027
أزمة التعليم تتحول إلى معركة سياسية قبل انتخابات 2027
أزمة التعليم تتحول إلى معركة سياسية قبل انتخابات 2027

فاتورة الدين تضيق الخناق على الإنفاق التعليمي

تواجه الحكومة الفرنسية صعوبة في الاستجابة للمطالب بزيادة الإنفاق على التعليم، في ظل الضغوط المالية وارتفاع الدين العام والحاجة إلى تقليص عجز الموازنة.

ووفقًا للتقديرات الواردة في التغطيات الصحفية، تجاوزت تكلفة خدمة الدين العام سنويًا الموازنة الأساسية المخصصة للتعليم الحكومي، ما يسلط الضوء على حجم المنافسة بين الالتزامات المالية للدولة واحتياجات المدارس.

وتتضمن مسودة موازنة 2027 زيادة في الإنفاق على التعليم بنحو 1.7%، لكن هذه الزيادة تقل عن معدل التضخم، وهو ما يعني أن الموارد المخصصة للقطاع قد لا تكفي للحفاظ على قدرتها الشرائية الفعلية.

وتقدر تكلفة الأضرار التي لحقت بالمدارس في منطقة باريس الكبرى وحدها بنحو 7 ملايين يورو، وفقًا لتغطية شبكة «سي إن إن»، فيما يتوقع أن تتطلب معالجة أوجه القصور الهيكلية في النظام التعليمي استثمارات كبيرة في المباني والتجهيزات وتعيين المعلمين، فضلًا عن سنوات من العمل.

وتكشف الأزمة عن معضلة أوسع تواجه فرنسا: كيف يمكن تحسين الخدمات العامة وتلبية مطالب الشباب، في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة إلى خفض الدين والعجز الماليين؟

جريتا ثونبرج تعيد تسليط الضوء على صوت الشباب

يمثل انضمام جريتا ثونبرج إلى الاحتجاجات الفرنسية امتدادًا لحضورها في الحركات الشبابية المطالبة بالتغيير، بعدما اكتسبت شهرتها العالمية من خلال الإضرابات المدرسية التي نظمتها للدفع نحو اتخاذ إجراءات أكثر جدية لمواجهة تغير المناخ.

وتتقاطع رسالتها في باريس مع مطالب الطلاب الفرنسيين بإشراكهم في القرارات التي تحدد مستقبلهم، وضمان حصولهم على تعليم جيد وبيئة مدرسية آمنة ومجهزة.

وبينما تحاول الحكومة احتواء الأزمة عبر تعيين معلمين إضافيين وإطلاق مشاورات مع الطلاب، تستمر الاحتجاجات في كشف التوتر بين احتياجات الخدمات العامة والقيود المالية، إلى جانب اتساع الفجوة بين الشباب والمؤسسات السياسية.

من المدارس المتهالكة إلى المواجهات مع الشرطة.. كيف تحولت احتجاجات طلاب فرنسا إلى أزمة وطنية؟

وتؤكد التطورات أن أزمة المدارس الفرنسية لم تعد مجرد خلاف بشأن عدد المعلمين أو حالة المباني، بل تحولت إلى اختبار لقدرة الدولة على الاستجابة لمطالب جيل يشعر بأن صوته لا يُسمع، وأن مستقبله يتأثر بقرارات لا يشارك في صنعها.

↑
Exit mobile version