أطول توربين رياح في العالم على ارتفاع 300 متر للاستفادة من الرياح الأقوى والأكثر انتظامًا

من مناجم الفحم إلى طاقة الرياح.. توربين عملاق يستعد لإنتاج الكهرباء بألمانيا

اكتمل الارتفاع النهائي لأطول توربين رياح في العالم في منطقة شبكّاو (Schipkau) بولاية براندنبورج شرقي ألمانيا، في مشروع يقع داخل منطقة كانت لسنوات طويلة من أبرز مناطق تعدين الفحم في البلاد.

وبعد نحو عامين من أعمال البناء، بلغ ارتفاع التوربين 365 مترًا من قاعدة الأساس حتى طرف الشفرة عند أعلى نقطة، ليصبح واحدًا من أطول المنشآت في ألمانيا، ويقترب ارتفاعه من برج التلفزيون في برلين الذي يقل عنه بنحو 3 أمتار.

ويستهدف المشروع اختبار قدرة توربينات الرياح المرتفعة للغاية على الاستفادة من الرياح الأقوى والأكثر انتظامًا على ارتفاعات كبيرة، وإنتاج كميات أكبر من الكهرباء مقارنة بالتوربينات التقليدية في الموقع نفسه.

ومن المقرر، وفق الخطط الحالية، أن يبدأ التوربين في تغذية شبكة الكهرباء خلال نوفمبر.

لماذا يصل التوربين إلى هذا الارتفاع؟

تزداد سرعة الرياح عادةً مع الارتفاع عن سطح الأرض، كما تصبح أكثر انتظامًا في الطبقات الجوية الأعلى.

وأظهرت قياسات أجريت في المنطقة المجاورة أن الرياح على ارتفاع 300 متر أقوى وأكثر استقرارًا من الرياح التي تهب على ارتفاعات توربينات الرياح التقليدية.

ولهذا السبب، تسعى شركة GICON، التي تعمل على تطوير التقنية منذ عام 2010، إلى اختبار ما إذا كان الوصول إلى طبقات جوية أعلى يمكن أن يتيح إنتاج المزيد من الكهرباء، خصوصًا في المناطق التي تكون فيها الرياح القريبة من سطح الأرض ضعيفة نسبيًا.

ويصل ارتفاع التوربين المكتمل إلى 365 مترًا، أي ما يعادل تقريبًا مبنى من 100 طابق.

كيف بُني توربين بهذا الارتفاع؟

كان الارتفاع الاستثنائي للتوربين يمثل تحديًا هندسيًا، إذ لا تستطيع الرافعات التقليدية الوصول بسهولة إلى مثل هذه الارتفاعات.

ولذلك استخدم المشروع جهازًا تلسكوبيًا حاصلًا على براءة اختراع لرفع أجزاء الهيكل تدريجيًا.

وبدأ التوربين عند ارتفاع يقارب 150 مترًا، قبل أن ترفع التقنية التلسكوبية الهيكل إلى نحو 300 متر، ثم استُكملت الأعمال للوصول إلى الارتفاع النهائي البالغ 365 مترًا.

لكن المشروع واجه أيضًا صعوبات أثناء التنفيذ.

وفي نهاية عام 2025، اكتشفت مشكلات في بعض الأجزاء الفولاذية، ما أدى إلى توقف أعمال البناء مؤقتًا.

وأكد يوشن غروسّمان، الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة البناء GICON، في ذلك الوقت أن السلامة والجودة تمثلان الأولوية القصوى في هذا المشروع الذي وصفته الشركة بأنه فريد على المستوى العالمي.

كم كهرباء يمكن أن ينتج؟

تتوقع شركة GICON أن ينتج التوربين ما بين 30 و33 جيجاواط/ساعة من الكهرباء سنويًا.
كما تستهدف الشركة أن تقل تكلفة إنتاج الكهرباء عن 5 سنتات يورو لكل كيلوواط/ساعة.

وبحسب بيانات المشروع، يمكن أن يصل إنتاجه إلى نحو 220% من إنتاج توربينات تقليدية قريبة، كما يمكن أن يوفر الكهرباء لما يقارب 7500 أسرة، بمتوسط أربعة أفراد للأسرة.

وهذه الأرقام تمثل توقعات للمشروع، وسيكون التشغيل الفعلي على الشبكة عنصرًا مهمًا في اختبار مدى تحققها عمليًا.

أطول توربين رياح في العالم

هل يمكن للرياح المرتفعة أن توسع استخدام الطاقة في أوروبا؟

لا تهدف التجربة الألمانية إلى بناء توربين أطول فحسب، بل إلى اختبار فرضية أوسع: إمكانية الاستفادة من طبقات جوية أعلى لتوليد الكهرباء في المناطق التي لا تتمتع برياح قوية بالقرب من سطح الأرض.

وللتحقق من ذلك، أقامت شركة GICON، بتكليف من شركة beventum GmbH التابعة للوكالة الفيدرالية الألمانية للابتكار SPRIND، برجًا لقياس الرياح في منطقة Klettwitz المجاورة.

وأظهرت القياسات أن الرياح على ارتفاع 300 متر تهب بصورة أقوى وأكثر انتظامًا مقارنة بالارتفاعات التي تعمل عندها توربينات الرياح التقليدية.

وتوجد مناطق واسعة في أوروبا، من شرق بولندا إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، تواجه ظروفًا أقل ملاءمة لطاقة الرياح بسبب ضعف الرياح القريبة من سطح الأرض.

ولهذا يرى القائمون على المشروع أن الأبراج المرتفعة للغاية يمكن أن توفر إمكانية لتوسيع نطاق استخدام طاقة الرياح في مناطق جديدة، إذا أثبتت التقنية جدواها الاقتصادية والتشغيلية.

من منطقة الفحم إلى مشروع للطاقة المتجددة
يقع المشروع في لوساتيا، وهي منطقة ارتبطت لعقود طويلة بتعدين الفحم وتوليد الكهرباء منه، قبل أن تبدأ عملية تحول اقتصادي وبيئي واسعة.

وتعمل السلطات المحلية حاليًا على تشجيع مشروعات الطاقة النظيفة من خلال توفير الأراضي والبنية التحتية والدعم السياسي.

ولا يقتصر التصور المستقبلي للموقع على توربين الرياح العملاق.

إذ يجري التخطيط على المدى الطويل لإنشاء محطة طاقة هجينة تضم مستويين من توليد الكهرباء من الرياح، إلى جانب محطة للطاقة الشمسية على الأرض.

ووفق تصور المشروع، يمكن لهذا الاستخدام المتعدد للموقع أن يرفع إنتاج الطاقة إلى نحو خمسة أضعاف ما يمكن إنتاجه باستخدام الطاقة الشمسية وحدها، مع الاستفادة من اختلاف أوقات إنتاج الرياح والطاقة الشمسية لتوفير الكهرباء على مدار العام.

توربينات الرياح

مشكلة أخرى: الشبكات لا تواكب نمو الطاقة المتجددة

يكشف المشروع في الوقت نفسه عن تحدٍ آخر يواجه التوسع الأوروبي في الطاقة المتجددة، وهو قدرة شبكات الكهرباء على استيعاب الإنتاج الجديد ونقله.

ففي ألمانيا، توجد كميات كبيرة من طاقة الرياح في الشمال الشرقي، بينما يتركز جزء كبير من الطلب على الكهرباء في الجنوب.

وعندما يتجاوز إنتاج الكهرباء من مزارع الرياح قدرة خطوط النقل على نقلها إلى مناطق الاستهلاك، تضطر مشغلات الشبكة إلى خفض إنتاج بعض التوربينات أو إيقافها مؤقتًا.

وعند حدوث ذلك، قد تحتاج الشبكة إلى الاعتماد على مصادر أخرى لتغطية الطلب، بما في ذلك محطات تعمل بالغاز الأحفوري، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى زيادة التكاليف والانبعاثات.

وبحسب تحليل نشرته صحيفة Tagesspiegel الألمانية، فُقد نحو 9.3 تيراواط/ساعة من طاقة الرياح في عام 2023 وحده بسبب قيود الشبكة، بينما بلغت تكاليف إدارة الاختناقات نحو 3 مليارات يورو، يتحمل المستهلكون جزءًا منها من خلال رسوم الشبكة المضافة إلى فواتير الكهرباء.

ويرى مطورو مشروع التوربين العملاق أن نشر توربينات قادرة على الاستفادة اقتصاديًا من الرياح المرتفعة في مواقع جديدة يمكن أن يساعد، على المدى الطويل، في جعل التوسع في طاقة الرياح أكثر توزيعًا جغرافيًا.

أوروبا توسع قدراتها في طاقة الرياح

بلغ إجمالي القدرة المركبة لطاقة الرياح البرية والبحرية في أوروبا نحو 304 جيجاواط بنهاية عام 2025، وفق بيانات جمعية طاقة الرياح الألمانية.

واستحوذت ألمانيا على نحو 77.7 جيجاواط من القدرة المركبة، مقارنة بنحو 31.6 جيجاواط في المملكة المتحدة و31.2 جيجاواط في إسبانيا.

كما أضافت ألمانيا خلال عام 2025 نحو 5735 ميجاواط من قدرات طاقة الرياح الجديدة، لتكون صاحبة أكبر إضافة جديدة في أوروبا خلال ذلك العام وفق المصدر.

طاقة الرياح

ألمانيا تستهدف المزيد من الطاقة المتجددة

تدفع الحكومة الألمانية باتجاه زيادة قدرات الطاقة المتجددة ضمن خططها لخفض الانبعاثات وتعزيز أمن الطاقة.

وفي نهاية مارس، عرض وزير البيئة الألماني كارستن شنايدر برنامج حماية المناخ لعام 2026 أمام البرلمان، ويتضمن 67 إجراءً تستهدف خفض 25 مليون طن إضافية من ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2030.

وتتضمن الخطط طرح مناقصات لنحو 2000 توربين رياح إضافي مقارنة بالخطط السابقة، إلى جانب طرح 12 جيجاواط من قدرات طاقة الرياح للمنافسة بهدف ربطها بالشبكة بحلول عام 2030.

ويأتي توربين شبكّاو العملاق في إطار هذه التحولات، لكنه يمثل في الوقت نفسه تجربة هندسية وعلمية لاختبار مدى قدرة الرياح على ارتفاعات تصل إلى مئات الأمتار على تقديم إنتاج كهربائي مرتفع بتكلفة تنافسية.

↑
Exit mobile version