تلوث الهواء يترك «بصمة كيميائية» في الدم.. علامات مبكرة قد تكشف خطر أمراض القلب

تلوث الهواء يغير دهونًا في الدم قد تنذر بمشكلات القلب والكبد

لا يقتصر تأثير تلوث الهواء على الجهاز التنفسي، إذ كشفت دراسة جديدة أن استنشاق الهواء الملوث يترك بصمة كيميائية في الدم، وقد تقود هذه البصمة إلى مؤشرات مبكرة على الأضرار التي يمكن أن تصيب القلب وأعضاء أخرى في الجسم.

وحدد باحثون من UCLA Health مؤشرات حيوية في الدم تظهر بعد التعرض لتلوث الهواء، ويبدو أن جزءًا من هذه التغيرات يرتبط بالميتوكوندريا، وهي الهياكل الموجودة داخل معظم خلايا الجسم والمسؤولة عن تحويل الوقود إلى طاقة.

وارتفعت مستويات نوعين من الجزيئات الدهنية لدى فئران تعرضت لعوادم الديزل، كما ارتفعت لدى 26 شابًا بالغًا من لوس أنجلوس بعد قضاء عدة أسابيع في بكين.

ونُشرت الدراسة في 24 سبتمبر في مجلة Arteriosclerosis, Thrombosis and Vascular Biology التابعة لجمعية القلب الأمريكية.

تلوث الهواء يغير دهونًا في الدم قد تنذر بمشكلات القلب

فجوة في فهم تأثير تلوث الهواء

تسبب تلوث الهواء الخارجي في نحو 4.2 مليون وفاة مبكرة عام 2019، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية، التي تشير إلى أن نحو 68% من هذا العبء يرتبط بأمراض القلب والسكتة الدماغية.

وتوثق الدراسات السكانية وجود علاقة بين التعرض لتلوث الهواء ومجموعة من المشكلات الصحية، لكن تحديد سلسلة الأحداث التي تحدث داخل الجسم بعد استنشاق الملوثات يظل أكثر صعوبة.

ووجدت مراجعة شملت 95 دراسة أدلة على تأثير الجسيمات الدقيقة في القلب، حتى عند مستويات أقل من الحدود الحالية المطبقة في الولايات المتحدة، لكنها لم تحسم بصورة كاملة الآليات التي يحدث من خلالها الضرر.

ويعمل الدكتور خيسوس أراوخو في UCLA Health على دراسة هذا السؤال منذ أكثر من عقد.

وأراوخو أستاذ للطب في كلية ديفيد جيفن للطب بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، كما يشغل منصب أستاذ علوم الصحة البيئية في كلية فيلدينج للصحة العامة.

دهون لا تستطيع الخلايا حرقها

تقوم الميتوكوندريا بتكسير الأحماض الدهنية للحصول على الطاقة من خلال عملية تعرف باسم بيتا أكسدة (Beta-oxidation).

وقبل دخول كل حمض دهني إلى الميتوكوندريا، تنقله جزيئة صغيرة تسمى الكارنيتين (Carnitine).

وعندما تتباطأ هذه العملية، تتراكم الدهون التي لم يتم حرقها بصورة كاملة.

ويظل جزء من هذه الدهون مرتبطًا بالكارنيتين، وينتهي به المطاف في الدم على هيئة جزيئات تسمى أسيل كارنيتين (Acylcarnitines).

أما الجزء الآخر فيمكن أن يتحول إلى مسار جانبي ينتج الأحماض ثنائية الكربوكسيل (Dicarboxylic acids – DCAs).

ويراقب الأطباء بالفعل كلا النوعين من المؤشرات.

وتظهر المستويات المرتفعة من هذه الجزيئات لدى أشخاص ولدوا باضطرابات في عملية أيض الدهون، كما تتضمن برامج فحص حديثي الولادة اختبارات للكشف عن أنواع معينة من الأسيل كارنيتين.

وفي دراسة UCLA، ارتفعت مستويات الأحماض ثنائية الكربوكسيل طويلة السلسلة والأسيل كارنيتين متوسطة إلى طويلة السلسلة بعد التعرض لتلوث الهواء.

ويرى الباحثون أن تراكم هذه الجزيئات قد يكون علامة على حدوث إجهاد تأكسدي وتلف في الدهون داخل الكبد، وهو ما يمكن أن يسهم بمرور الوقت في تطور أمراض القلب.

تلوث الهواء

فئران الديزل ومسافرون إلى بكين

لم يحتج الباحثون إلى إجراء تجارب تعرض جديدة، إذ استخدموا عينات دم مجمدة محفوظة من مشروعين بحثيين سابقين في جامعة UCLA.

وتعود عينات الفئران إلى دراسة أجريت عام 2013، تعرضت خلالها الفئران لعوادم الديزل لمدة أسبوعين.

وأظهرت الدراسة السابقة أن كوليسترول HDL، المعروف عادة باسم «الكوليسترول الجيد»، تحول لدى الفئران إلى شكل يعزز عملية الأكسدة.

كما أظهرت أن أسبوعًا من التعرض لهواء نظيف بعد ذلك لم يكن كافيًا لإزالة الضرر الذي أصاب الدم والكبد.

أما العينات البشرية، فجاءت من 26 شخصًا سليمًا من غير المدخنين، بلغ متوسط أعمارهم نحو 24 عامًا.

وغادر المشاركون لوس أنجلوس إلى بكين خلال صيفي عامي 2014 و2015، ضمن برنامج استمر 10 أسابيع.

وسُحبت عينات الدم منهم بعد مرور ستة أو ثمانية أسابيع على وصولهم إلى بكين.

وخلال تلك الفترة، كانت مستويات الجسيمات الملوثة في بكين أعلى بنسبة 371% من مستوياتها في لوس أنجلوس، وفق تقرير نشر عام 2019 عن الرحلتين.

وفي التحليل الجديد، فصل العلماء المستقلبات الفردية الموجودة في كل عينة دم، ثم حددوا تلك التي تغيرت مستوياتها بالتزامن مع التعرض لتلوث الهواء.

بعد ذلك، قارن الباحثون قائمة التغيرات التي ظهرت لدى البشر بتلك التي ظهرت لدى الفئران.

وكانت الأحماض ثنائية الكربوكسيل والأسيل كارنيتين من بين الجزيئات التي ظهرت في القائمتين.

خيط بحث يقود إلى الميتوكوندريا

كان فريق أراوخو يدرس دور الميتوكوندريا في تأثيرات تلوث الهواء منذ عدة سنوات.

وفي عام 2019، أفاد الفريق بأن التعرض لعوادم الديزل أدى لدى الفئران إلى الإصابة بـالكبد الدهني وتلف الميتوكوندريا.

كما أظهرت خلايا الكبد التي تعرضت لجسيمات الديزل قدرة أقل على استهلاك الأكسجين وحرق الدهون.

وفي العام الماضي، أعلن المختبر أن عوادم الديزل أحدثت تغيرات في 658 جينًا و118 مستقلبًا في أكباد الفئران.

وتتبع الباحثون جزءًا كبيرًا من هذه التغيرات إلى اضطراب وظائف الميتوكوندريا.

ولم تقتصر الأدلة على فريق UCLA، إذ توصلت مجموعات بحثية أخرى إلى نتائج تشير أيضًا إلى تأثر الكبد بتلوث الهواء.

فقد ربط فريق بحثي في سيدني بين تلوث الهواء الناجم عن حركة المرور وتلف الكبد لدى الفئران، بينما ربط باحثون في زيورخ وأوهايو بين الجسيمات الدقيقة واضطراب وظيفة الدهون البنية ومقاومة الإنسولين.

تلوث الهواء

هل يمكن تطوير اختبار دم للإنذار المبكر؟

يتعرض ملايين الأشخاص لتلوث الهواء يوميًا، لكن الغالبية لا يصابون بأمراض خطيرة، بينما يصاب بعض الأشخاص بأمراض مرتبطة بالتلوث.

وفي الوقت الحالي، لا توجد طريقة تشخيصية معتمدة يمكنها تحديد الأشخاص الذين سيصابون بمشكلات صحية خطيرة بسبب التعرض لتلوث الهواء قبل ظهور المرض، سواء تعلق الأمر بأمراض القلب أو السكري أو الكبد الدهني أو السرطان.

ويعتقد باحثو UCLA أن قياس مستويات الأحماض ثنائية الكربوكسيل والأسيل كارنيتين في الدم قد يفتح الباب أمام تطوير اختبار يستطيع رصد التأثيرات البيولوجية لتلوث الهواء في مرحلة مبكرة، وربما قبل ظهور المرض بسنوات.

وقد تكون هذه الأداة ذات أهمية خاصة بالنسبة إلى مرضى قصور القلب، الذين تشير الأدلة إلى أنهم أكثر حساسية لتأثيرات تلوث الهواء.

لكن هذا الاختبار غير موجود حاليًا، وما زال يحتاج إلى مزيد من البحث والتقييم قبل إمكانية استخدامه سريريًا.

الدراسة ما زالت أمامها أسئلة مهمة

ويشير الباحثون إلى عدد من القيود المهمة في الدراسة، فالعينة البشرية اقتصرت على 26 شخصًا فقط، وجميع المشاركين كانوا شبابًا وأصحاء وغير مدخنين.

كما لم تتم متابعة المشاركين لمعرفة ما إذا كان أي منهم قد أصيب لاحقًا بأمراض القلب أو الكبد.

وبالتالي، لا تثبت النتائج أن ارتفاع هذه المؤشرات في الدم يؤدي حتمًا إلى الإصابة بأمراض القلب أو الكبد، وإنما تشير إلى وجود تغيرات بيولوجية مرتبطة بالتعرض لتلوث الهواء وتستحق مزيدًا من الدراسة.

كما أن الباحثين لا يعرفون بعد مدى سرعة انخفاض مستويات هذه المؤشرات بعد انتهاء التعرض للتلوث.

وفي عام 2019، كانت معظم التغيرات الأخرى التي ظهرت في دم المسافرين قد تراجعت خلال أربعة إلى سبعة أسابيع من عودتهم إلى منازلهم.

لكن ما إذا كانت الأحماض ثنائية الكربوكسيل والأسيل كارنيتين تختفي بالسرعة نفسها لا يزال سؤالًا مفتوحًا.

خطوة نحو فهم ما يحدث داخل الجسم

وتضيف النتائج دليلًا جديدًا إلى سلسلة الأبحاث التي تحاول تفسير كيفية انتقال تأثير تلوث الهواء من البيئة المحيطة إلى الأعضاء والأنسجة داخل الجسم.

وتشير الدراسة إلى أن الدم قد يحمل إشارات مبكرة عن التغيرات التي تحدث في عملية التمثيل الغذائي للدهون، وأن الميتوكوندريا والكبد يمكن أن يكونا جزءًا مهمًا من السلسلة البيولوجية التي تربط التعرض لتلوث الهواء بالمخاطر الصحية طويلة الأمد.

لكن تحويل هذه المؤشرات إلى اختبار تشخيصي فعلي يتطلب دراسات أكبر تشمل أشخاصًا من أعمار وحالات صحية مختلفة، مع متابعة طويلة المدى لتحديد ما إذا كانت التغيرات في هذه المؤشرات تتنبأ فعلًا بظهور أمراض القلب أو غيرها من الأمراض.

وجاء تمويل الدراسة من المعهد الوطني لعلوم الصحة البيئية (NIEHS)، والمعاهد الوطنية للصحة (NIH)، وجمعية القلب الأمريكية، إلى جانب برنامجين وطنيين للعلوم في الصين.

↑
Exit mobile version