في خطوة قد تفتح الباب أمام تسريع تطوير بطاريات أكثر أمانًا وكفاءة، أطلق علماء من Diamond Light Source ومصدر ISIS للنيوترونات والميونات، بالتعاون مع باحثين من مؤسسات دولية، أول مكتبة مفتوحة الوصول في العالم لبيانات تصوير البطاريات، تتيح للباحثين الوصول إلى أكثر من 4.5 تيرابايت من البيانات التجريبية والصور المعاد بناؤها.
وتضم Battery Imaging Library – BIL بيانات جُمعت من عدة مصادر ضوئية سنكروترونية ومختبرات وطنية، ضمن تعاون دولي شارك فيه 48 عالمًا من 18 مؤسسة حول العالم، واستخدم 13 تقنية مختلفة للتصوير وعلى مقاييس طول متعددة، بهدف تكوين صورة أكثر شمولًا للبنية الداخلية للبطاريات وطريقة تغيرها أثناء التشغيل.
ونشرت الدراسة المصاحبة للمكتبة في دورية Digital Discovery تحت عنوان: Battery Imaging Library: Multi-length scale and multi-modal synchrotron and laboratory battery imaging data for all.
ماذا يوجد داخل مكتبة البطاريات؟
لا تقتصر المكتبة على صور ثابتة للبطاريات، بل تجمع بيانات تجريبية متعددة يمكن للباحثين استخدامها لفهم البنية الداخلية للخلايا وتحليل التغيرات التي تحدث داخلها.
وجاء تطوير المكتبة من خلال تعاون دولي قاده الدكتور أنتوني فامفاكيروس، زميل الصناعة في الجمعية الملكية البريطانية والباحث المسؤول عن البحث والتطوير في شركة Finden Ltd، بالتعاون مع علماء من منشآت بحثية ومؤسسات أكاديمية متعددة.
وتتضمن البيانات صورًا وقياسات تم الحصول عليها باستخدام تقنيات تصوير مختلفة، ما يسمح للباحثين بدراسة البطاريات على مقاييس طول متعددة، بدل الاعتماد على تقنية واحدة قد تكشف جزءًا فقط من الصورة الداخلية للخلية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في أبحاث البطاريات؛ لأن أداء الخلية لا يعتمد على مكون منفرد، وإنما على التفاعل بين مواد الأقطاب والإلكتروليت والبنية الداخلية والتغيرات التي تحدث أثناء دورات الشحن والتفريغ.
الأشعة السينية تكشف ما يحدث داخل البطارية
استخدم الباحثون خط الأشعة I12-JEEP في Diamond Light Source، وهو أحد خطوط الأشعة السينية عالية الطاقة المخصصة للتصوير والحيود، للحصول على قياسات عالية الدقة باستخدام التصوير المقطعي الدقيق بالأشعة السينية (X-ray micro-CT).
وأتاحت هذه التقنية الحصول على صور ثابتة وديناميكية للبنية الداخلية للبطاريات، بما في ذلك متابعة التغيرات التي تحدث أثناء التشغيل.
وفحص الفريق بطاريات تجارية أسطوانية من أنواع مختلفة، شملت بطاريات الليثيوم-أيون، وبطاريات LiFeS2، والبطاريات القلوية، بهدف الكشف عن تفاصيل بنيتها الداخلية.
وقالت جينوفيفا بوركا، العالمة الرئيسية في خط I12، إن إمكانات هذا الخط تتيح دراسة البنية المورفولوجية الداخلية للبطاريات، مشيرة إلى أن إتاحة بيانات التصوير المقطعي الديناميكي بالأشعة السينية بصورة مفتوحة يمكن أن تساعد باحثين حول العالم على تطوير أجهزة تخزين طاقة أكثر أمانًا وكفاءة.
النيوترونا طت تكشف ما قد لا تظهره الأشعة السينية
إحدى نقاط القوة الرئيسية في المكتبة هي أنها لا تعتمد على الأشعة السينية وحدها، فقد استخدم الباحثون أيضًا خط التصوير بالنيوترونات IMAT في مصدر ISIS للنيوترونات والميونات للحصول على بيانات التصوير المقطعي بالنيوترونات (Neutron CT).
وتتميز بيانات النيوترونات بأنها توفر نوعًا مختلفًا من التباين مقارنة بالأشعة السينية، وهو أمر مهم بصورة خاصة عند دراسة العناصر والمكونات الخفيفة داخل البطاريات.
ويمكن لهذه البيانات أن تساعد في تصور الإلكتروليتات القائمة على الليثيوم وتحديد مواقع الأنواع الكيميائية المرتبطة بالليثيوم داخل الخلية، وهي معلومات يصعب الحصول عليها بالطريقة نفسها باستخدام تقنيات التصوير الأخرى.
وبدمج البيانات الناتجة عن الأشعة السينية والنيوترونات وتقنيات التصوير الأخرى، تسعى المكتبة إلى توفير صورة أكثر اكتمالًا للبنية الداخلية للبطاريات وتطورها أثناء التشغيل.
لماذا فتح البيانات مهم لأبحاث البطاريات؟
في الأبحاث العلمية التقليدية، قد تبقى كميات ضخمة من البيانات التجريبية محفوظة على أجهزة التخزين الخاصة بالمختبرات التي أنتجتها، ما يجعل إعادة استخدامها أو مقارنتها ببيانات أخرى أمرًا صعبًا.
أما المشروع الجديد فيتيح الوصول إلى البيانات الخام والصور المعاد بناؤها، بحيث يستطيع باحثون آخرون إعادة تحليلها واستخدامها في تطوير نماذج جديدة.
وتحدد الدراسة المصاحبة للمكتبة ثلاثة أهداف رئيسية للمشروع:
• أولًا: توسيع الوصول إلى البيانات، من خلال إتاحتها مجانًا للباحثين في مختلف المراحل المهنية والأكاديمية.
• ثانيًا: تطوير أدوات وأساليب التحليل، عبر توفير بيانات واقعية يمكن استخدامها لاختبار تقنيات التصوير ومعالجة الصور وتحسينها.
• ثالثًا: دعم التعليم والتدريب، من خلال منح الطلاب والباحثين والمهنيين إمكانية التعامل مع بيانات حقيقية ومسارات عمل عملية في مجال تصوير البطاريات وتحليلها.
4.5 تيرابايت من البيانات تحتاج إلى طريقة جديدة للتصفح
مع هذا الحجم الهائل من المعلومات، لم يكن توفير البيانات وحده كافيًا؛ إذ كان أحد التحديات الرئيسية هو تمكين الباحثين من العثور على البيانات التي يحتاجون إليها بسرعة.
وتولى رونان دوكيرتي، طالب الدكتوراه في مركز التدريب للدكتوراه في التوصيف المتقدم للمواد بجامعة إمبريال كوليدج لندن، تطوير موقع إلكتروني مخصص للمكتبة لتسهيل تصفح المجموعة والبحث فيها والوصول إلى البيانات المختلفة وإعادة استخدامها.
وقال دوكيرتي إن المشكلة الأساسية في كثير من مجموعات البيانات التجريبية الموجودة لا تتمثل فقط في الوصول إليها، وإنما في العثور على البيانات المناسبة داخلها، وهو ما صُمم الموقع الجديد لمعالجته من خلال إتاحة تصفح تقنيات التصوير المختلفة والوصول السريع إلى البيانات المرتبطة بكل بحث.
الذكاء الاصطناعي يدخل على خط تطوير البطاريات
لا تتوقف أهمية المكتبة عند دراسة البطاريات الحالية، إذ يمكن للبيانات المفتوحة أن تصبح أيضًا مادة تدريب مهمة لخوارزميات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي المستخدمة في علوم المواد.
وقال سام كوبر، أستاذ الذكاء الاصطناعي لتصميم المواد في كلية Dyson للتصميم الهندسي بجامعة إمبريال كوليدج لندن، والعالم الرئيسي في شركة Polaron المنبثقة عن الجامعة، إن البيانات المفتوحة تمثل عنصرًا مهمًا لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التي يمكن أن تسرع الجيل المقبل من الاكتشافات العلمية.
وتتيح المكتبة للباحثين استخدام مجموعات البيانات الواقعية في تطوير واختبار نماذج حسابية جديدة، بدل تدريب النماذج على بيانات اصطناعية أو محدودة فقط.
من إزالة الضوضاء إلى الصور فائقة الدقة
ويشير فامفاكيروس إلى أن أحد الأهداف الأساسية من فتح هذه المجموعة هو تسريع تطوير أساليب التعلم الآلي للبيانات التجريبية.
ومن بين الاستخدامات المحتملة للبيانات تدريب شبكات عصبية ذاتية الإشراف على مهام مثل:
• إزالة الضوضاء من بيانات التصوير لتحسين جودة الصور.
• تحسين الدقة (Super-resolution) لاستخراج تفاصيل أكثر من بيانات التصوير.
• دمج البيانات (Data fusion) للجمع بين المعلومات الناتجة عن تقنيات تصوير مختلفة للحصول على صورة أكثر اكتمالًا.
وهذه التطبيقات قد تكون مهمة بشكل خاص في أبحاث البطاريات، حيث يمكن الجمع بين البيانات الناتجة عن الأشعة السينية والنيوترونات وغيرها من تقنيات القياس لبناء نماذج أكثر دقة للبنية الداخلية للخلية.
بنية تحتية مفتوحة للجيل المقبل من أبحاث تخزين الطاقة
المكتبة الجديدة لا تقدم بطارية جديدة بحد ذاتها، لكنها توفر بنية بيانات مفتوحة يمكن استخدامها في تطوير البطاريات وتحليلها.
ويشارك في المبادرة باحثون من 18 مؤسسة، بينما تغطي البيانات 13 تقنية تصوير مختلفة وعلى مقاييس متعددة، ما يجعلها موردًا يمكن استخدامه في مجالات تتراوح من علوم المواد والتصوير العلمي إلى النمذجة الحاسوبية والذكاء الاصطناعي.
ويأمل القائمون على المشروع أن يشجع فتح هذه البيانات مجموعات بحثية أخرى على مشاركة بياناتها، بما يوسع قاعدة البيانات المتاحة للعلماء ويقلل تكرار الجهد البحثي، ويتيح اختبار الخوارزميات والأساليب التحليلية على بيانات واقعية من مصادر وتجارب متعددة.
وفي ظل التوسع العالمي في الاعتماد على البطاريات لتخزين الكهرباء ودعم السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، فإن القدرة على رؤية ما يحدث داخل البطارية نفسها وتحليل هذه البيانات باستخدام أدوات التصوير والذكاء الاصطناعي قد تصبح جزءًا أساسيًا من تطوير الجيل المقبل من تقنيات تخزين الطاقة.
لكن القيمة العلمية للمكتبة ستعتمد أيضًا على استمرار تحديثها وإضافة مجموعات جديدة من البيانات، وعلى قدرة الباحثين على تطوير أدوات تحليل تستفيد من هذا التنوع الكبير في تقنيات التصوير ومقاييس القياس.
