تحذيرات الصحة النفسية تتفوق على رسائل «خذ استراحة» في ردع المراهقين عن وسائل التواصل

هل تحذيرات الصحة النفسية تقلل استخدام المراهقين لوسائل التواصل؟ دراسة تختبر الإجابة

يقترب بعض المراهقين والشباب في الولايات المتحدة من رؤية تحذيرات صحية على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما أقرت أربع ولايات أمريكية سياسات تلزم المنصات بعرض تحذيرات أو إشعارات صحية للمستخدمين الأصغر سنًا.

لكن السؤال الذي ظل بلا إجابة هو: ما الذي يجب أن تقوله هذه التحذيرات حتى يكون لها تأثير؟

في محاولة للإجابة، اختبر باحثون من كلية الطب بجامعة ستانفورد 15 رسالة تحذيرية مختلفة على المراهقين والشباب، ووجدوا أن جميع التحذيرات المتعلقة بالصحة النفسية كانت أكثر ردعًا لاستخدام وسائل التواصل من رسالة محايدة تتعلق بارتداء حزام الأمان.

وكانت الرسائل التي تتحدث عن الأضرار العامة للصحة النفسية، والاكتئاب والقلق هي الأعلى تقييمًا بين الرسائل المختبرة.

لكن الباحثين يؤكدون أن التجربة لم تختبر ما إذا كانت هذه التحذيرات ستؤدي بالفعل إلى تغيير سلوك الاستخدام، وإنما قاست مدى اعتقاد المشاركين بأن الرسائل قد تجعلهم أقل رغبة في استخدام وسائل التواصل.

وقادت الدراسة آنا جرومون، الأستاذة المساعدة في طب الأطفال بجامعة ستانفورد، بالتعاون مع الباحث الرئيسي توماس روبنسون.

وقالت جرومون إن الباحثين لم يكونوا يعرفون حتى الآن ما الذي ينبغي أن تقوله تحذيرات وسائل التواصل، أو ما إذا كانت هذه التحذيرات يمكن أن تكون واعدة في تغيير السلوك، مشيرة إلى أن تغييرات صغيرة في صياغة التحذيرات قد تكون مؤثرة.

الولايات الأمريكية لا تزال تبحث عن صياغة التحذيرات

في عام 2024، دعا الجراح العام الأمريكي منصات التواصل الاجتماعي إلى عرض تحذيرات إلزامية على غرار التحذيرات الموجودة على منتجات مثل السجائر والكحول.

وحظيت الفكرة بدعم أكثر من 40 مدعيًا عامًا في الولايات الأمريكية، بينما أقرت ولايات كاليفورنيا وكولورادو ومينيسوتا ونيويورك سياسات تتطلب عرض تحذيرات، كما طرحت ولاية تكساس مشروع قانون خاصًا بها.

وكانت كاليفورنيا الولاية الوحيدة التي حددت نص التحذير داخل القانون نفسه، على أن يبدأ تطبيق قانونها في 1 يناير 2027.

أما الولايات الثلاث الأخرى، فقد تركت صياغة الرسائل لمسؤولين حكوميين أو لجان من الخبراء، ما يعني أن تحديد الكلمات التي ستظهر أمام المستخدمين لا يزال قضية مفتوحة.

وعلى عكس التحذيرات الموجودة على السجائر والكحول وبعض الأطعمة غير الصحية، والتي خضعت للدراسة لعقود، لم يكن هناك حتى الآن اختبار مباشر لرسائل تحذيرية على منصة تواصل اجتماعي أمام المراهقين لمعرفة كيفية تقييمهم لها.

التحذيرات التي تركز على أضرار الصحة النفسية كانت الأكثر ردعًا لاستخدام وسائل التواصل

1,012 شابًا يقيّمون 15 رسالة تحذيرية

في ديسمبر 2025، شارك 1,012 شابًا في استطلاع إلكتروني.

وكان نحو نصف المشاركين من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عامًا، وبلغ عددهم 499 شخصًا، بينما كان 513 مشاركًا تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا.

وشاهد كل مشارك الرسائل الـ15 جميعها، لكن بترتيب عشوائي.

وكان من بين هذه الرسائل 13 تحذيرًا صحيًا تناولت ستة موضوعات رئيسية، هي:

أما الرسالة الرابعة عشرة، فكانت رسالة لتذكير المستخدم بأخذ استراحة من الشاشة، على غرار الرسائل التي تستخدمها بعض المنصات بالفعل.

وكانت الرسالة الأخيرة بمثابة مجموعة ضابطة تتعلق بارتداء حزام الأمان، واختيرت باعتبارها رسالة صحية لا علاقة لها باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

وظهرت كل رسالة على صفحة تحاكي منصة «إنستجرام»، مع خلفية ضبابية ونص أبيض على خلفية سوداء، إلى جانب مثلث تحذير أصفر.

وكانت الرسالة تغطي نحو نصف الشاشة، وهو حجم يقع في منتصف نطاقي حجم التحذيرين المسموح بهما بموجب قانون كاليفورنيا.

وطُلب من المشاركين تقييم كل رسالة على مقياس من 1 إلى 5 للإجابة عن سؤال يتعلق بمدى قدرتها على تقليل رغبتهم في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

كما طُلب منهم تقييم مدى زيادة الرسالة لوعيهم بالأضرار المحتملة.

وسجل فريق جرومون تصميم الدراسة مسبقًا قبل بدء جمع البيانات.

تحذيرات الصحة النفسية حققت أعلى النتائج

حققت جميع التحذيرات الصحية الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي درجات أعلى من رسالة حزام الأمان الضابطة.

وجاء التحذير المتعلق بالأضرار العامة للصحة النفسية في المركز الأول، بمتوسط بلغ 3.04 من 5.

وجاء تحذير الاكتئاب والقلق بعده مباشرة، بمتوسط 3.00 من 5.

وكان الفرق بين كل من هذين التحذيرين والرسالة الضابطة كبيرًا بما يكفي لاستبعاد تفسيره بمجرد الصدفة، رغم أن الباحثين أوضحوا أن حجم التأثير نفسه كان صغيرًا.

ولا يدعي الباحثون معرفة السبب المؤكد وراء تصدر تحذيرات الصحة النفسية.

وترى جرومون، على سبيل الافتراض، أن هذه الأضرار قد تكون أكثر قدرة على جذب انتباه الشباب لأنها تمس تجارب يمكن لهم تصور حدوثها لهم أو لأصدقائهم، كما أنها من النتائج التي يهتم بها الناس بدرجة كبيرة.

وتشير الدراسة إلى أن الاكتئاب والقلق يمثلان أيضًا المجال الذي توجد فيه أدلة أقوى على الارتباط بين الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي والمشكلات النفسية، ولا سيما بين الفتيات المراهقات.

تحذيرات أضرار الصحة النفسية كانت الأكثر ردعًا لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

رسائل «خذ استراحة» جاءت في ذيل القائمة

تستخدم منصات التواصل الاجتماعي بالفعل رسائل لتشجيع المستخدمين على أخذ فترات راحة من الشاشة.

واختبر الباحثون نسخة من هذا النوع من الرسائل إلى جانب التحذيرات الصحية.

لكنها جاءت في المرتبة الأخيرة، بمتوسط بلغ 2.74 من 5.

وكانت جميع التحذيرات الصحية أكثر ردعًا منها، باستثناء التحذير المتعلق بالإدمان، الذي حصل على نتيجة أعلى منها بـ0.07 نقطة فقط، وهو فرق يمكن أن يكون راجعًا إلى الصدفة.

ولفتت النتائج أيضًا إلى تشابه ردود فعل المجموعتين العمريتين، وهو أمر لم يكن الباحثون يتوقعونه بالضرورة.

وأوضح روبنسون أن تجربة الشباب مع الوسائط الرقمية قد تختلف بصورة كبيرة مع فارق بضع سنوات فقط، بسبب سرعة تغير المشهد الرقمي، لكن المراهقين والشباب المشاركين قالوا باستمرار إنهم يعتقدون أن هذه الرسائل قد تقلل استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي.

ومع ذلك، لم تختلف درجة تفوق التحذيرات على الرسالة الضابطة باختلاف العمر، مع الإشارة إلى أن التجربة لم تكن مصممة أساسًا لاختبار هذه المسألة.

تحذير كاليفورنيا الطويل حقق نتيجة جيدة

كان التحذير الذي صاغته كاليفورنيا هو الأطول بين الرسائل المختبرة.

ويتضمن جملة كاملة تتحدث عن وجود فوائد لبعض المستخدمين الشباب، إلى جانب الأضرار الكبيرة المحتملة على الصحة النفسية، وحقيقة أن المنتج لم تثبت سلامته للشباب.

ورغم طوله، حصل التحذير على تقييم مماثل تقريبًا لتقييم التحذيرات القصيرة والمباشرة.

وأوضح روبنسون أن فريقه تحدث مع الأشخاص الذين شاركوا في إعداد مشروع القانون، وتعرف إلى الأساس المنطقي وراء صياغة الرسالة.

وأشار إلى أن هذه ليست الصياغة التي كان فريقه سيختارها بالضرورة، لكنه يرى أن الباحثين يفهمون أسباب أدائها الجيد، كما أن النص صُمم أيضًا ليكون قادرًا على الصمود أمام التحديات القانونية.

وتأتي هذه النقطة في وقت تواجه فيه قوانين التحذيرات المتعلقة بوسائل التواصل الاجتماعي طعونًا قانونية من صناعة وسائل التواصل الاجتماعي.

وقد أبطلت المحاكم في السابق تحذيرات عندما اعتبرت أن صياغتها تتضمن لغة سببية قوية بدرجة مبالغ فيها، أو تشير إلى أضرار لا تزال الأدلة العلمية بشأنها غير محسومة.

ولهذا السبب، صاغ الباحثون الرسائل في الدراسة بدرجات مختلفة من اللغة السببية عمدًا، لكنهم لم يختبروا الرسائل وفق المعايير القانونية التي تستخدمها المحاكم.

هل تغيّر التحذيرات سلوك استخدام وسائل التواصل فعلًا؟

هل تغيّر التحذيرات سلوك استخدام وسائل التواصل فعلًا؟

هنا تكمن أهم نقطة في الدراسة.

فالتجربة لم تقِس الاستخدام الفعلي لوسائل التواصل الاجتماعي بعد مشاهدة التحذير، وإنما اعتمدت على توقع المشاركين بشأن سلوكهم المستقبلي.

ويشير الباحثون إلى أن هذا النوع من التقييم ارتبط بتأثيرات حقيقية للرسائل التحذيرية في بعض المجالات، مثل التبغ والمشروبات السكرية، لكنه لم يُختبر بعد لمعرفة مدى قدرته على التنبؤ بتغير السلوك عندما يتعلق الأمر بتحذير يظهر على تطبيقات التواصل الاجتماعي.

كما شاهد المشاركون كل رسالة مرة واحدة فقط، على منشور ثابت، مع طمس محتوى الخلاصة في الخلفية.

أما التحذير الحقيقي، فمن المتوقع أن يظهر بشكل متكرر فوق مقاطع الفيديو وخلاصة محتوى تتغير باستمرار وفق خوارزميات المنصة.

كما أن جميع الرسائل المستخدمة في التجربة ذكرت الجراح العام الأمريكي، في حين أن بعض قوانين الولايات لا تخطط لاستخدام اسمه.

ولهذا يرى الباحثون أن الاختبار الأهم لم يُجرَ بعد: هل تؤدي التحذيرات فعلًا إلى تغيير عادات استخدام وسائل التواصل؟

التجربة المقبلة ستنتقل من التقييم إلى السلوك

عملت جرومون وروبنسون في الدراسة مع باحثين من كلية جيلينجز للصحة العامة بجامعة نورث كارولينا وجامعة كاليفورنيا ديفيس.

ويتمثل الخطوة التالية للفريق في إجراء اختبار أطول لمعرفة ما إذا كانت التحذيرات تستطيع بالفعل تغيير عادات استخدام الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي.

وترى جرومون أن طبيعة المنتج نفسه تجعل هذه المهمة أكثر تعقيدًا.

ففي حالة مواد مثل التبغ والكحول، أظهرت الدراسات أن التحذيرات المصممة جيدًا يمكن أن تغير السلوك في المتوسط.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي تختلف جذريًا؛ فبدلًا من وضع التحذير على منتج ثابت، ستظهر التحذيرات في صورة نوافذ أو إشعارات منبثقة فوق تجربة رقمية متغيرة باستمرار.

ولهذا فإن القوانين الجديدة تفترض أن هذه التحذيرات ستعمل بطريقة مختلفة، وما يحتاج الباحثون إلى معرفته الآن هو إلى أي مدى يمكن لهذا الشكل من التحذير أن يغيّر السلوك الفعلي.

ونُشرت الدراسة الكاملة في مجلة JAMA Health Forum.

Exit mobile version