تثير الولايات المتحدة جدلاً واسعًا قبل انطلاق كأس العالم 2026، بعدما فرضت شرطًا ماليًا جديدًا على المسافرين من نحو 50 دولة، بما في ذلك خمس دول مشاركة في البطولة، لإيداع ما يصل إلى 15 ألف دولار كتأمين للحصول على تأشيرة سياحية.
هذا القرار، المعروف باسم “سند التأشيرة”، يهدف إلى ضمان التزام الزوار بمدة الإقامة القانونية، لكنه في الوقت نفسه يشكّل حاجزًا ماليًا كبيرًا أمام المشجعين، خصوصًا من الدول ذات الدخل المتوسط والمنخفض.
ويشير محللون إلى أن هذه السياسة تترتب عليها تداعيات اقتصادية مباشرة على البطولة، إذ قد يتراجع إنفاق الجماهير في الفنادق والمطاعم ووسائل النقل والتسوق، ما يقلل من العوائد السياحية المتوقعة، التي كانت تُقدّر بنحو 30 مليار دولار.
كما يُتوقع أن يؤدي ارتفاع تكلفة السفر إلى إحلال جماهير من دول أخرى، أو توجيه المشجعين نحو حضور المباريات في كندا والمكسيك، وهو ما يقلّص الزخم الجماهيري داخل الملاعب الأمريكية ويحدّ من التأثير الاقتصادي المضاعف للحدث.
وعلى الرغم من ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بمصادر دخل مستقرة من حقوق البث التلفزيوني وعقود الرعاية، كما أن السوق المحلية قد تعوّض جزءًا من تراجع الحضور الدولي.
وبحسب تقرير لصحيفة “ذا أثليتيك”، يتعين على المشجعين من عدة دول إيداع ما يصل إلى 15 ألف دولار للحصول على تأشيرة سياحية، بينما يضغط الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لمنح اللاعبين استثناءات.
وتشمل هذه السياسة مواطني دول مثل الجزائر والرأس الأخضر والسنغال وساحل العاج، وانضمت تونس مؤخرًا إلى القائمة، التي دخلت حيز التنفيذ في أبريل.
وأكدت وزارة الخارجية الأمريكية أن جميع المتقدمين يخضعون لنفس المعايير القانونية، وأن من يغادرون البلاد قبل انتهاء مدة التأشيرة سيستردون أموالهم، مشيرة إلى أن الطلبات تُدرس بشكل فردي.
ومع ذلك، لا يتضمن البرنامج أي استثناءات واضحة للرياضيين المشاركين في البطولات الكبرى، ما قد يفرض عليهم أيضًا متطلبات مالية مماثلة.
إشكالية اقتصادية
يقول خبير أسواق المال محمد سعيد إن القرار لا يُعد مجرد رفع لتكلفة الدخول، بل يمثل تأمينًا ماليًا مستردًا لضمان الالتزام بالقوانين، لكنه في المقابل يخلق عائقًا كبيرًا أمام الجماهي، ويوضح أن هذا الشرط يمثل حاجز سيولة ضخمًا، حيث تضطر العائلات إلى تجميد مبالغ قد تتجاوز متوسط دخلها السنوي، ما يؤدي إلى إقصاء شريحة واسعة من المشجعين.
ويضيف أن التأثير المباشر سيطال قطاع السياحة، الذي يُعد المحرك الرئيسي لعوائد البطولة، حيث سيؤدي انخفاض أعداد الجماهير إلى تراجع الطلب، ومن ثم انخفاض الإيرادات في المدن المستضيفة.
كما يشير إلى بروز “تأثير الإحلال”، إذ قد يتجه المشجعون إلى كندا أو المكسيك بسبب سهولة الإجراءات، ما يعني تسرب الإيرادات إلى تلك الدول.
وفي المقابل، يرى أن الاقتصاد الأمريكي قد لا يتأثر جذريًا، نظرًا لضخامة إيرادات البث والرعاية، إضافة إلى قوة السوق المحلية.
بطولة نخبوية؟
من جانبه، يرى خبير العلاقات الدولية محمد الخفاجي أن القرار قد يحوّل البطولة إلى حدث أكثر نخبوية، عبر تقليص مشاركة الجماهير من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
ويشير إلى أن الفيفا تستهدف بيع ملايين التذاكر وجذب نحو 10 ملايين زائر، وهو ما يعتمد على سهولة السفر والانفتاح، محذرًا من أن القيود الحالية قد تقلص هذه الأرقام.
ويختتم بأن القرار يحمل تأثيرًا مزدوجًا؛ إذ يحقق أهدافًا أمنية ويوفر سيولة مؤقتة، لكنه قد يقلص العوائد الاقتصادية الإجمالية ويؤثر على الصورة العالمية للبطولة.
