أخبارتغير المناخ

باحثون يفككون أسطورة أكبر مرآة طبيعية على الأرض

أقمار صناعية ورحلات ميدانية تفك شفرة ظاهرة انعكاس السماء على ملح بوليفيا

يُعَدّ “سالار دي أويوني” في بوليفيا أكبر سبخة ملحية على كوكب الأرض، بمساحة تتجاوز عشرة آلاف كيلومتر مربع، وهو مقصد سياحي شهير يجذب آلاف الزوار سنويًا بفضل سطحه الأبيض المذهل الذي يتحول، عند تغطيته بطبقة رقيقة من المياه خلال موسم الأمطار، إلى ما يشبه مرآة طبيعية هائلة تعكس السماء والغيوم والجبال المحيطة بدقة مدهشة.
لطالما اعتبر كثيرون هذه الظاهرة “أكبر مرآة طبيعية في العالم”، لكن هذا الوصف ظل حتى وقت قريب أقرب إلى انطباع سياحي وصور فوتوغرافية أكثر من كونه حقيقة علمية مؤكدة.

في دراسة حديثة نُشرت في دورية Communications Earth & Environment، قام فريق من العلماء بتحقيق شامل للتحقق من هذا الادعاء.
اكتشف الباحثون أن سطح السبخة أكثر تعقيدًا وتغيّرًا مما كان يُظن، وأن تأثير “المرآة الطبيعية” ليس متجانسًا كما شاع في الأدبيات السياحية والإعلامية.

معظم الأدلة السابقة على هذه الظاهرة كانت قائمة على صور السياح ومقاطع الفيديو التي تُظهر انعكاس السماء والسحب والمارة بوضوح تام على سطح الماء.
لكن هذه الصور، على جمالها، لا تقدم بيانات كمية أو قياسات علمية دقيقة.
وكان الوصول إلى قلب السبخة خلال موسم الأمطار – حيث تكون الظاهرة في أوجها – صعبًا جدًا بسبب غمر المياه للمسارات وغياب البنية التحتية، ما جعل الدراسات الميدانية محدودة.

 منطقة الدراسة في سالار دي أويوني (بوليفيا)، مع ستة مسارات أرضية متراكبة
منطقة الدراسة في سالار دي أويوني (بوليفيا)، مع ستة مسارات أرضية متراكبة

لتجاوز هذه العقبات، تبنّى العلماء منهجًا مزدوجًا، في المرحلة الأولى، استخدموا بيانات أقمار Sentinel-3 الصناعية التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية. هذه الأقمار مزودة برادارات “ألتيمتر” تُطلق نبضات رادارية وتقيس كمية الإشارة المرتدة عن السطح، بحيث تُعطي قوة الإشارة المرتدة دلالة على مدى نعومة السطح أو خشونته.
كلما كانت الإشارة أقوى دل ذلك على سطح أكثر تسطحًا ونعومة – وهو ما يشير إلى قابلية أكبر للانعكاس.
حلّل الفريق أكثر من 390 ألف قياس راداري للفترة الممتدة من عام 2016 إلى 2024، وهو أكبر تحليل من نوعه لهذه المنطقة.

رحلة ميدانية

في المرحلة الثانية، قاموا برحلة ميدانية إلى “سالار دي أويوني” خلال ذروة موسم الأمطار في فبراير 2024.
اختير التوقيت ليوافق مرور قمر صناعي من طراز Sentinel-3 مباشرة فوق المنطقة، لضمان مطابقة القياسات الأرضية مع البيانات الفضائية.
على الأرض، استخدم العلماء أجهزة بصرية دقيقة لقياس مستوى سطح الماء ونعومته، بينما قامت طائرة مسيرة (درون) بتصوير انعكاس الشمس والأفق لتقديم دليل بصري عالي الدقة على خصائص الانعكاس.
أظهرت هذه القياسات الميدانية تطابقًا واضحًا بين الإشارات الرادارية القوية وسطح الماء الذي يشبه المرآة بالفعل.
في الورقة العلمية كتب الباحثون: “إن سالار دي أويوني ليس مرآة متجانسة للرادار، ومن المرجح أنه ليس مرآة بصرية متجانسة كما قيل في الأدبيات”.

الفترة المثالية لمشاهدة الظاهرة الفريدة

بمعنى آخر، لا يشكّل سطح السبخة مرآة واحدة هائلة كما يتصور الكثيرون، بل يتغير ملمسه وانعكاسه من منطقة إلى أخرى، ويتبدّل مع الزمن تبعًا لكمية الأمطار وتوزع المياه على السطح.
وقد تبين أن الظروف الأكثر نعومة والأكثر شبهًا بالمرآة تحدث مباشرة بعد هطول أمطار غزيرة وقبل أن تتبخر المياه أو تتشربها التربة الملحية.

صورة للسطح عبر كاميرا طائرة بدون طيار في 20 فبراير 2024 تظهر قرصًا ساطعًا، وهو انعكاس مرآوي للشمس
صورة للسطح عبر كاميرا طائرة بدون طيار في 20 فبراير 2024 تظهر قرصًا ساطعًا، وهو انعكاس مرآوي للشمس

كذلك لاحظ الفريق ارتباطًا وثيقًا بين فترات الأمطار الغزيرة وقوة تأثير الانعكاس، ما يؤكد أن هذه الظاهرة مرتبطة مباشرة بأنماط المناخ في هضبة الأنديز.
وحدد الباحثون الفترة المثالية لمشاهدة هذه الظاهرة الفريدة بين أواخر يناير وأوائل مارس من كل عام، حين تبلغ الأمطار ذروتها ويظل الماء ساكنًا على السطح لفترات طويلة.
ومن الاكتشافات المثيرة في الدراسة أن الرياح لا تفسد تأثير المرآة كما كان متوقعًا.
فبينما يتسبب الهواء عادةً في تموجات تكسر انعكاس الصورة على سطح الماء، لم يحدث ذلك في السبخة. ويرجح العلماء أن السبب يعود إلى ضحالة المياه – التي لا تتعدى بضع سنتيمترات – ما يمنع تكوّن الأمواج حتى مع وجود رياح خفيفة إلى متوسطة.
بهذا، تكون الدراسة قد قدّمت أول توثيق علمي واسع النطاق لظاهرة “مرآة سالار دي أويوني”، مبيّنة أن الانعكاس البصري المذهل حقيقة لكنه ظاهرة موسمية متغيرة وليست صفة دائمة أو متجانسة للسبخة.
ويأمل الفريق أن تسهم هذه النتائج في تحسين فهم السياحة البيئية في المنطقة وإدارة الموارد المائية وحماية هذا النظام البيئي الفريد.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading