تشير دراسة حديثة إلى أن الأشخاص الأكثر تواصلًا مع الطبيعة يميلون إلى تناول الطعام بوعي أكبر، استجابةً لإشارات الجوع والشبع بدلًا من الخضوع لقواعد غذائية صارمة. لكن المفاجأة أن العلاقة لا تبدو مباشرة؛ إذ يرتبط هذا النمط من الأكل بدرجة أكبر بتقدير الإنسان لجسده، وقدرته على التعامل مع نفسه برفق وتعاطف.
وتكتسب النتائج أهمية لأنها تفتح زاوية جديدة لفهم العلاقة بين المساحات الخضراء والصحة النفسية والسلوك الغذائي، مع ضرورة التمييز بين الارتباط الإحصائي وإثبات أن قضاء الوقت في الطبيعة هو السبب المباشر لتحسن عادات الأكل.
500 بالغًا في بريطانيا شاركوا في الدراسة
أجرى الدراسة فريق بحثي بقيادة فيرين سوامي، أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة أنجليا روسكين في كامبريدج بالمملكة المتحدة، بالتعاون مع باحثين من بريطانيا والنمسا والنرويج وماليزيا.
وشملت الدراسة 500 شخص بالغ في المملكة المتحدة، أجابوا عن استبيان إلكتروني واحد خلال مايو 2026، تناول مدى تواصلهم مع الطبيعة، وطريقة تعاملهم مع الطعام، وتقديرهم لأجسادهم، ومستوى التعاطف الذي يظهرونه تجاه أنفسهم.
وأفاد المشاركون بأنهم يقضون في المتوسط نحو 19 ساعة أسبوعيًا في الطبيعة، بينما ذكر نصفهم أنهم يقضون 12.5 ساعة أسبوعيًا أو أقل.
واعتمد الباحثون على ثلاثة مؤشرات لقياس التواصل مع الطبيعة: مدى ملاحظة مظاهرها في الحياة اليومية، وتكرار زيارة المناطق الطبيعية، وعدد الساعات التي يقضيها الفرد فيها أسبوعيًا.
لكن الدراسة لم تكتفِ بقياس الوقت الذي يقضيه الأشخاص في الأماكن الطبيعية، بل بحثت أيضًا في كيفية ارتباط هذه التجربة بنظرتهم إلى أجسادهم، ومدى تقبلهم لأنفسهم، وهي عوامل بدت أكثر أهمية في تفسير العلاقة بعادات الأكل.
ما الأكل الحدسي؟ وكيف يختلف عن الحميات التقليدية؟
الأكل الحدسي، أو الأكل استجابةً لإشارات الجسم الطبيعية، هو نهج غذائي يعتمد على الانتباه إلى الجوع والشبع والاحتياجات الجسدية، بدلًا من الالتزام الصارم بقواعد تحدد ما يجب تناوله ومتى يجب التوقف.
ويميل الأشخاص الذين يسجلون درجات مرتفعة في هذا النمط إلى تناول الطعام عندما يشعرون بالجوع، والتوقف عندما يصلون إلى الشبع، وعدم تصنيف الأطعمة بصورة تلقائية إلى أطعمة ممنوعة وأخرى مسموحة.
كما يركز هذا النهج على التمييز بين الحاجة الجسدية إلى الطعام والرغبة في تناوله استجابةً للمشاعر أو الضغوط النفسية.
وقاس الباحثون الأكل الحدسي من خلال 12 عبارة تتعلق بعلاقة المشاركين بالطعام، من بينها تناول الأطعمة التي يشعر الشخص بأنها مناسبة لجسده.
ولا يعني الأكل الحدسي تجاهل الاحتياجات الغذائية أو تناول أي طعام دون اعتبار للتوازن الغذائي، كما أنه ليس نظامًا لفقدان الوزن بحد ذاته؛ بل يركز على فهم إشارات الجسم وتطوير علاقة أقل صراعًا مع الطعام.
العلاقة بين الطبيعة والأكل تختفي عند احتساب العوامل النفسية
عندما قارن الباحثون مؤشرات الدراسة بعضها ببعض، وجدوا ارتباطات إيجابية بين التواصل مع الطبيعة والأكل الحدسي، وكذلك بين الأكل الحدسي وكل من تقدير الجسد والتعاطف مع النفس.
لكن الصورة تغيرت عندما وضع الفريق المتغيرات الخمسة في نموذج إحصائي واحد.
فبعد احتساب دور تقدير الجسد والتعاطف مع النفس والشعور بالارتباط بالطبيعة، تراجع الارتباط المباشر بين التواصل مع الطبيعة والأكل الحدسي إلى مستوى لم يعد ذا دلالة إحصائية.
وبعبارة أخرى، لم تُظهر النتائج أن مجرد قضاء وقت أطول في الهواء الطلق يرتبط بالأكل الحدسي بصورة مستقلة عن العوامل النفسية التي تناولتها الدراسة.
وبدلًا من ذلك، ظهرت مسارات غير مباشرة تربط بين المتغيرات؛ إذ ارتبط التواصل مع الطبيعة بارتفاع تقدير الإنسان لجسده، كما ارتبط تقدير الجسد بمستويات أعلى من الأكل الحدسي.
وظهر مسار آخر عبر التعاطف مع النفس، ومسار ثالث يجمع بين التعاطف مع النفس وتقدير الجسد.
وكان تقدير الجسد أقوى هذه المسارات، ما يشير إلى أن الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى جسمه قد تكون حلقة أساسية في فهم العلاقة بين الطبيعة وعاداته الغذائية.
تقدير الجسد.. لماذا قد يكون العامل الأهم؟
تقدير الجسد لا يعني بالضرورة الرضا الكامل عن المظهر الخارجي، أو مطابقة صورة مثالية للجمال، بل يتعلق باحترام الجسم وتقدير وظائفه والتعامل معه باعتباره جزءًا من الذات يستحق الرعاية.
ووفقًا لتفسير الباحثين، قد يساعد التواصل مع الطبيعة بعض الأشخاص على تطوير نظرة أكثر تقبلًا لأجسادهم، وتقليل التركيز المفرط على المظهر والمقارنة بالآخرين.
وعندما يصبح الإنسان أكثر تقبلًا لجسده، فقد يكون أكثر قدرة على الاستماع إلى إشارات الجوع والشبع، بدلًا من اتخاذ قرارات الطعام بناءً على الشعور بالذنب أو الخوف من زيادة الوزن أو الرغبة في الالتزام بقواعد صارمة.
أما التعاطف مع النفس، فقد يؤدي دورًا مختلفًا؛ إذ يساعد الشخص على التعامل مع الضغوط والأخطاء اليومية دون اللجوء تلقائيًا إلى لوم الذات أو استخدام الطعام وسيلةً للتعامل مع المشاعر.
ويظل هذا تفسيرًا محتملًا للمسارات الإحصائية التي رصدتها الدراسة، وليس دليلًا نهائيًا على أن الطبيعة تؤدي حتمًا إلى تحسن صورة الجسد أو تغيير السلوك الغذائي.
هل تختلف النتائج بين الرجال والنساء؟
رصد الباحثون بعض الاختلافات بين المشاركين من الرجال والنساء؛ إذ سجل الرجال درجات أعلى في الأكل الحدسي، بينما سجلت النساء درجات أعلى في الشعور بالارتباط بالطبيعة.
ومع ذلك، ظلت المسارات الأساسية التي تربط التواصل مع الطبيعة بتقدير الجسد والتعاطف مع النفس والأكل الحدسي متشابهة بين المجموعتين في التحليلات التي أجراها الفريق.
ولا تعني هذه النتيجة أن الرجال والنساء يستجيبون للطبيعة بالطريقة نفسها في جميع الظروف، لكنها تشير إلى أن المسارات التي درستها هذه العينة لم تختلف بصورة جوهرية بينهما.
هل توجد مدة محددة لقضاء الوقت في الطبيعة؟
لا تقدم الدراسة إجابة محددة عن عدد الدقائق أو الساعات التي يحتاج إليها الإنسان حتى يستفيد من التواصل مع الطبيعة في علاقته بالطعام.
فقد وجد الباحثون أن تكرار التواصل مع الطبيعة وطول مدته ارتبطا بمستويات أعلى من الأكل الحدسي، لكن تصميم الدراسة لم يسمح بتحديد حد أدنى يمكن اعتباره جرعة فعالة.
وقال سوامي إن الأفضل هو تشجيع الأشخاص على قضاء أكبر قدر من الوقت في الطبيعة بالقدر الذي يستطيعون القيام به بصورة مريحة، بدلًا من فرض مدة موحدة على الجميع.
وقد تشمل هذه التجارب التنزه في الحدائق العامة، أو الجلوس في المساحات الخضراء، أو زيارة المناطق الطبيعية، أو تخصيص وقت منتظم للتواجد في الهواء الطلق.
لكن الدراسة لا تثبت أن هذه الأنشطة ستؤدي بمفردها إلى تغيير عادات الأكل، ولا تحدد أي الأنشطة أكثر فاعلية أو المدة اللازمة لتحقيق أثر مستدام.
المساحات الخضراء.. فرصة للصحة العامة وليست علاجًا مضمونًا
تفتح النتائج مجالًا للنقاش بشأن دور الحدائق والمساحات الخضراء في السياسات الصحية العامة، خصوصًا أن التخطيط الحضري لا يؤثر فقط في شكل المدن، بل يحدد أيضًا فرص السكان في الوصول إلى الطبيعة وممارسة الأنشطة الخارجية.
وقد يكون توفير الحدائق الآمنة والمتاحة، وتحسين الوصول إلى المساحات الخضراء، وتشجيع الأنشطة المجتمعية في الهواء الطلق، جزءًا من نهج أوسع لدعم الرفاه النفسي والصحة العامة.
ويرى سوامي أن هناك أسبابًا تدعو إلى بحث إمكان إدراج الطبيعة، سواء في صورتها الواقعية أو عبر بعض التجارب الرقمية، ضمن استراتيجيات الصحة العامة التي تستهدف دعم عادات غذائية أكثر صحة.
لكن تحويل هذا الاحتمال إلى توصيات صحية عملية يحتاج إلى أدلة إضافية، خاصة لتحديد الفئات التي قد تستفيد، وطبيعة الأنشطة المناسبة، ومدى استمرار أي تغير في السلوك الغذائي.
كما أن الوصول إلى الطبيعة ليس متاحًا للجميع بالدرجة نفسها؛ إذ قد تحد المسافة أو ظروف العمل أو الإعاقة أو نقص المساحات الخضراء من فرص بعض الأشخاص في قضاء وقت منتظم خارج المنزل.
ومن ثم، فإن تعزيز العلاقة بالطبيعة على مستوى المجتمع يتطلب الاهتمام بإتاحتها للجميع، لا الاكتفاء بتوجيه الأفراد إلى زيادة الوقت الذي يقضونه في الهواء الطلق.
حدود الدراسة.. ارتباط لا يثبت السبب والنتيجة
رغم أهمية النتائج، فإن الدراسة تواجه عددًا من القيود التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند تفسيرها.
أولًا، اعتمدت على استبيان أُجري مرة واحدة، ولذلك لا يمكن الجزم بما إذا كان التواصل مع الطبيعة قد سبق تحسن العلاقة بالطعام، أم أن الأشخاص الذين يتقبلون أجسادهم ويتبعون الأكل الحدسي يميلون أصلًا إلى قضاء وقت أطول في الخارج.
ثانيًا، اعتمدت الدراسة على إفادات المشاركين عن أنفسهم، وهو ما قد يؤدي إلى المبالغة في تقدير الوقت الذي يقضونه في الطبيعة أو التأثر بطريقة فهمهم للأسئلة.
ثالثًا، كانت العينة أعلى تعليمًا من عموم السكان في المملكة المتحدة؛ إذ حصل نحو ثلثي المشاركين على شهادة جامعية، مقارنة بنحو ثلث البالغين في المجتمع البريطاني وفق المقارنة الواردة في الدراسة. وقد يحد ذلك من إمكانية تعميم النتائج على جميع الفئات السكانية.
وأجرى الباحثون اختبارات إضافية مع مراعاة عوامل مثل العمر والتعليم والأمان المالي والإعاقة، كما حللوا بيانات الرجال والنساء بصورة منفصلة، وظلت النتائج الأساسية متسقة في هذه الاختبارات. لكن ذلك لا يلغي القيود المرتبطة بطبيعة الدراسة القائمة على الملاحظة.
ولهذا، يدعو الباحثون إلى إجراء دراسات مستقبلية في دول أخرى، ومتابعة الأشخاص على مدى زمني أطول، لمعرفة ما إذا كان زيادة التواصل مع الطبيعة تسبق بالفعل أي تغير في تقدير الجسد أو التعاطف مع النفس أو السلوك الغذائي.
علاقة صحية بالطعام قد تبدأ من نظرتنا إلى أنفسنا
تضيف الدراسة بُعدًا جديدًا إلى الأبحاث التي تبحث في العلاقة بين البيئة الطبيعية والصحة النفسية والسلوك اليومي. فالتواصل مع الطبيعة ارتبط بالأكل الحدسي لدى المشاركين، لكن تقدير الجسد والتعاطف مع النفس بدوا أكثر أهمية في تفسير هذا الارتباط.
وتكمن القيمة الأساسية للنتائج في أنها تنقل النقاش من مجرد حساب الوقت الذي يقضيه الإنسان خارج المنزل إلى فهم علاقته بجسده ومشاعره واحتياجاته.
ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع الدراسة باعتبارها دليلًا على أن التنزه أو زيارة الحدائق يعالجان اضطرابات الأكل أو يضمنان تغيير العادات الغذائية. إنها نتائج أولية تستحق المتابعة، وتؤكد الحاجة إلى أبحاث أطول زمنًا وأكثر تنوعًا قبل تحويلها إلى توصيات صحية محددة.
نُشرت الدراسة في مجلة Body Image، تحت عنوان بحثي يمكن الرجوع إليه عبر المعرّف الرقمي: https://doi.org/10.1016/j.bodyim.2026.102199.
