المياه المعاد تدويرها سلاحًا لمواجهة صيف إل نينيو الحار وخفض حرارة المدن

ري الأشجار بالمياه المعالجة يعزز الغطاء الأخضر دون الإضرار بالتربة لتبريد المدن

مع إعلان ظاهرة إل نينيو رسميًا لصيف عام 2026، يتجه باحثون من جامعة ماكواري الأسترالية إلى اختبار حل مبتكر لمواجهة موجات الحر المتزايدة، يتمثل في استخدام المياه المعالجة لري الأشجار الحضرية، في محاولة لتبريد المناطق الأكثر تأثرًا بارتفاع درجات الحرارة في غرب مدينة سيدني.

ويهدف المشروع إلى تقييم قدرة المياه المعاد تدويرها على دعم نمو الأشجار والمحافظة على المساحات الخضراء، بما يعزز قدرة المدن على التكيف مع آثار تغير المناخ والحرارة الشديدة.

موجات الحر أصبحت واقعًا

موجات الحر

يستحضر الباحثون صيف عام 2020، عندما سُجلت مدينة بينريث في غرب سيدني بوصفها أكثر الأماكن حرارة على وجه الأرض في أحد الأيام، حيث تجاوزت درجات الحرارة مستويات غير مسبوقة، وتحولت الشوارع إلى مساحات شبه خالية تحت أشعة الشمس الحارقة.

ومنذ ذلك الحين، لم تعد موجات الحر الشديدة حدثًا استثنائيًا، بل أصبحت أكثر تكرارًا وطولًا وشدة، نتيجة تغير المناخ، والتوسع العمراني السريع، وانتشار المواد التي تمتص الحرارة، إلى جانب الحاجة المتزايدة لتوسيع الغطاء النباتي داخل المدن.

ومع توقعات بأن يؤدي إل نينيو إلى صيف أكثر حرارة من المعتاد، تتزايد الحاجة إلى حلول مستدامة تقلل آثار الحرارة على السكان والبنية التحتية.

تجربة على 600 شجرة

فريق التجربة

بالتعاون مع Sydney Water وحدائق سيدني النباتية، أنشأ الباحثون حديقة بحثية في الحديقة النباتية الأسترالية بجبل أنان (Mount Annan)، حيث تمت زراعة 600 شجرة تمثل 15 نوعًا محليًا.
وقسم الفريق الأشجار إلى مجموعتين:
• مجموعة تُروى بالمياه المعالجة.
• مجموعة تُروى بمياه الشرب التقليدية.

ومنذ ثلاث سنوات، يراقب الباحثون نمو الأشجار وصحة التربة وتأثير كل نوع من المياه على النظام البيئي المحيط.

مراقبة ذكية كل 15 دقيقة

اعتمد المشروع على شبكة من أجهزة الاستشعار الذكية التي تسجل البيانات كل 15 دقيقة، وتشمل:

• درجة حرارة الهواء.
• الرطوبة.
• رطوبة التربة.
• ملوحة التربة.
كما يقارن الباحثون بين المناطق المزروعة بالأشجار والمناطق الخالية منها لقياس تأثير الغطاء النباتي في تحسين المناخ المحلي وخفض درجات الحرارة.

نتائج أولية مشجعة

أظهرت النتائج الأولية أن استخدام المياه المعالجة لم يؤثر سلبًا في نمو الأشجار أو في ملوحة التربة، وهو ما يشير إلى إمكانية الاعتماد عليها بصورة آمنة في ري المساحات الخضراء داخل المدن.

كما بينت البيانات أن الأشجار التي تنمو في الموقع تسهم بالفعل في خفض درجات الحرارة المحيطة، وهو ما يعزز دور الغابات الحضرية في التكيف مع تغير المناخ.

ويؤكد الباحثون أن صعوبة التمييز بين الأشجار المروية بالمياه المعالجة وتلك التي تُروى بمياه الشرب تمثل مؤشرًا على نجاح التجربة.

كل قطرة ماء أصبحت مهمة

تشير الباحثة الدكتورة لورا فرنانديز إلى أن غرب سيدني يعد من أكثر مناطق أستراليا حرارة وجفافًا، ولذلك فإن إعادة استخدام المياه تمثل فرصة مهمة للحفاظ على الحدائق والمتنزهات والأشجار الحضرية، خاصة مع استمرار النمو السكاني وازدياد الضغط على الموارد المائية.

وأضافت أن المشروع يسعى أيضًا إلى فهم التأثيرات طويلة الأجل للمياه المعالجة في التربة والنباتات، وهو مجال لا تزال الدراسات حوله محدودة.

تعزيز وعي المجتمع

لا يقتصر المشروع على الجانب العلمي، بل يتضمن أيضًا برنامجًا للتوعية المجتمعية.

فقد أنشأ الباحثون بالتعاون مع شركائهم مسارًا تعليميًا داخل الحديقة النباتية، يضم 13 لوحة إرشادية مزودة برموز استجابة سريعة (QR)، تشرح للزوار أهمية المياه ودور الأشجار في الحد من آثار تغير المناخ، مع التركيز على تحديات غرب سيدني.

ويهدف هذا البرنامج إلى تعزيز فهم المجتمع لأهمية إعادة استخدام المياه في بناء مدن أكثر استدامة.

المرحلة المقبلة حتى 2028

بعد تمديد المشروع حتى عام 2028، يعتزم الباحثون دراسة استجابة أنواع مختلفة من الأشجار لدرجات الحرارة المرتفعة خلال موسم إل نينيو.

كما بدأ الفريق في استخدام حساسات تدفق العصارة النباتية لمراقبة خمسة أنواع من الأشجار في الوقت نفسه، بدلًا من دراسة كل نوع على حدة، بهدف مقارنة استجابتها للظروف المناخية المتطرفة.

ويتوقع الباحثون أن توفر موجات الحر المرتقبة خلال صيف إل نينيو فرصة مهمة لفهم قدرة الأشجار والمياه المعالجة على تعزيز مرونة المدن في مواجهة تغير المناخ.

ومن المقرر نشر نتائج الدراسة في دوريات علمية، إلى جانب مشاركتها مع الجهات المعنية بإدارة المياه والتخطيط الحضري، لدعم اختيار الأنواع النباتية الأكثر قدرة على تحمل الحرارة وتحسين استراتيجيات الري في المدن الأسترالية.

Exit mobile version