تعدين المعادن النادرة يهدد مطبخ العالم.. تلوث خطير في روافد نهر الميكونج

سموم في المياه.. تحذيرات من كارثة بيئية بسبب التعدين غير المنظم

حذّر تقرير صحفي من أن عمليات تعدين المعادن النادرة في مناطق متفرقة من جنوب شرق آسيا، خصوصًا في ميانمار ولاوس، تتسبب في تلوث خطير لروافد نهر الميكونج، بما يهدد حياة ملايين الأشخاص الذين يعتمدون على النهر في الزراعة وصيد الأسماك، ويعرّض أحد أهم الأحواض الزراعية والغذائية في العالم لما وُصف بأنه “تهديد وجودي”.

في قرية تا تون شمال تايلاند، يجلس الصياد المسن سوكجاي يانا على قاربه الخشبي، يتأمل شباكه شبه الفارغة، في مشهد يعكس تراجع الثروة السمكية بسبب المخاوف المتزايدة من تلوث المياه.

الباحث واراكورن مانيتشوكيت يُشرح سمكة في مختبر بجامعة ناريسوان في فيتسانولوك، تايلاند

ويقول إن دخله تراجع بشكل كبير مع انخفاض الطلب على الأسماك بعد انتشار التحذيرات من التلوث القادم من المنبع.

ويعتمد نحو 70 مليون شخص في منطقة الميكونج على النهر الذي يمتد لمسافة تقارب 5 آلاف كيلومتر، بينما يواجه النظام البيئي للنهر ضغوطًا متصاعدة، من بينها السدود وتلوث البلاستيك، إلى جانب توسع نشاط التعدين غير المنظم.

تلوث كيميائي واسع النطاق

وفقًا للخبراء، فإن أخطر ما يهدد النهر حاليًا هو تسرب المعادن الثقيلة الناتجة عن التعدين، مثل الزرنيخ والزئبق والرصاص والكادميوم، وهي مواد ترتبط بأمراض خطيرة تشمل السرطان، وتلف الأعضاء، واضطرابات النمو لدى الأطفال والحوامل.

يقوم الصياد سوكجاي يانا بفك شبكته أثناء رسوّ سفينته على نهر كوك في تشيانغ ساين، تايلاند

وفي تايلاند، بدأت آثار التلوث تمتد إلى المحاصيل الزراعية، حيث تُروى أراضٍ زراعية من نهر كو، أحد روافد الميكونغ القادمة من ميانمار، ما أثار مخاوف واسعة لدى المزارعين من تلوث صادراتهم الغذائية.

ويؤكد مزارعون محليون أن محاصيل أساسية مثل الأرز والثوم والذرة والمانجو أصبحت مهددة، في وقت تُعد فيه تايلاند من أكبر مصدري الأرز في العالم.

“مطبخ العالم” في خطر

يحذر خبراء بيئة من أن استمرار التلوث قد يؤدي إلى انهيار منظومة الأمن الغذائي في المنطقة، إذ تعتمد دول جنوب شرق آسيا بشكل كبير على إنتاجها الزراعي وصادراتها الغذائية.

ويقول أحد الباحثين البيئيين إن الزراعة تمثل “عمود الاقتصاد في المنطقة”، مشيرًا إلى أن تلوث النهر قد يهدد سمعة الغذاء القادم من هذه الدول في الأسواق العالمية.

عمال زراعيون يحصدون الثوم من مزرعة على ضفاف نهر كوك في ثا تون، تايلاند

غياب حلول فعالة

ورغم تصاعد التحذيرات، تواجه الحكومات المحلية صعوبات في التعامل مع الأزمة، بسبب ضعف القدرة على مراقبة أنشطة التعدين عبر الحدود، خصوصًا في مناطق تشهد نزاعات مسلحة.

وتقتصر الاستجابة في الغالب على برامج مراقبة جودة المياه والتوعية الصحية، إلى جانب مبادرات بحثية لرصد مستويات المعادن الثقيلة في الأسماك والرواسب المائية.

وفي مختبرات علمية في تايلاند، يتم فحص عينات من الأسماك القادمة من النهر، حيث تظهر عليها علامات تلوث واضحة، مثل تغير لون الجلد ونموات غير طبيعية، في مؤشر على تراكم السموم في السلسلة الغذائية.

تعدين غير منضبط وتوسع خطير

تشير تحليلات أقمار صناعية إلى وجود مئات مواقع التعدين غير المنظم على طول روافد الميكونغ في ميانمار ولاوس وكمبوديا، كثير منها في مناطق نزاع مسلح، ما يجعل الرقابة شبه مستحيلة.

وتُستخدم تقنيات استخراج تعتمد على تكسير الصخور أو غسل التربة بمواد كيميائية، ما ينتج عنه مخلفات سامة تتسرب مباشرة إلى الأنهار.

يستريح المزارع لاه بونروانغ من حصاد محصول الموز في مزرعة بمدينة ثا تون، تايلاند

طلب عالمي متزايد

يأتي هذا التلوث في ظل ارتفاع عالمي في الطلب على المعادن النادرة، التي تدخل في صناعة الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية والأسلحة المتقدمة، ما يفاقم الضغط على مناطق التعدين.

ويرى خبراء أن هذا السباق العالمي على المعادن الاستراتيجية يضع نهر الميكونغ أمام “خطر بيئي غير مسبوق”، قد يكون أشد من تأثير السدود والتغيرات المناخية.

Exit mobile version