ثلث الغذاء المنتج عالميًا يُفقد أو يُهدر.. كيف يمكن إنقاذ المحاصيل بعد الحصاد؟

تقنيات التخزين والتبريد تقلص فاقد المحاصيل وتحسن دخل المزارعين

تواجه الزراعة في دول الجنوب العالمي ضغوطًا متزايدة لإنتاج المزيد من الغذاء، بالتزامن مع تداعيات تغير المناخ ومحدودية الموارد.

وفي حين تركزت السياسات الزراعية على زيادة الإنتاج، تبرز قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي الحد من الفاقد بعد الحصاد، إذ تشير التقديرات العالمية إلى أن نحو ثلث الغذاء المنتج للاستهلاك البشري يُفقد أو يُهدر.

وتناولت دراسة بحثية حديثة، شارك فيها باحثون متخصصون في الزراعة والمعارف المحلية والأمن الغذائي، أسباب الفاقد بعد الحصاد وحجمه والعوامل المؤثرة فيه، من خلال مراجعة 324 دراسة تناولت مختلف السلع الغذائية ومناطق الجنوب العالمي.

ما الأسباب الرئيسية لفقد الغذاء بعد الحصاد؟

أظهرت مراجعة الدراسات أن الأدلة المتعلقة بحجم الفاقد وأسبابه لا تزال متفرقة وغير متوازنة بين القطاعات والمناطق المختلفة.

كما يصعب تحديد الحجم الفعلي للخسائر بسبب اختلاف طرق القياس، وتباين المحاصيل ومراحل سلاسل القيمة التي تشملها الدراسات، فضلًا عن تعدد المؤشرات والأساليب المستخدمة في التقييم.

وركز جانب كبير من الأبحاث على خسائر التخزين في المحاصيل الأساسية، مثل الذرة والأرز والبقوليات، ما أدى إلى وجود فجوات معرفية بشأن الفواكه والخضراوات والجذور والدرنات والمنتجات الحيوانية وغيرها من الأغذية.

ومع ذلك، حددت الدراسة عددًا من الأنماط الرئيسية، أبرزها أن الفاقد لا يحدث في مرحلة واحدة، بل يمتد عبر سلسلة الإمداد الغذائي بأكملها، بدءًا من الحصاد والتداول، مرورًا بالنقل والتخزين والتصنيع، وصولًا إلى التسويق.

كما تختلف معدلات الفاقد بدرجة ملحوظة باختلاف مجموعات الأغذية. فوفقًا للتقديرات الواردة في الدراسة، تبلغ الخسائر نحو 27.7% من الحبوب، و35.1% من الخضراوات، و25.8% من الفواكه، و42.9% من الجذور والدرنات في غياب التدخلات اللازمة للحد منها.

لكن تطبيق تدابير مناسبة، تشمل تحسين ممارسات الحصاد والتداول، واستخدام تقنيات التخزين المحكم، وتطوير البنية التحتية لسلاسل التبريد، وتحسين التعبئة والتغليف، ورفع كفاءة التصنيع والنقل، يمكن أن يخفض هذه النسب إلى نحو 8.2% للحبوب، و7.3% للخضراوات، و6.2% للفواكه، و11.5% للجذور والدرنات، وفقًا للأرقام التي أوردتها الدراسة.

وتوضح هذه التقديرات حجم التفاوت بين مجموعات الأغذية، كما تشير إلى إمكانية تقليص الخسائر من خلال التدخلات الملائمة.

ولا يرجع الفاقد بعد الحصاد عادةً إلى سبب منفرد، بل ينتج عن مجموعة من القيود المترابطة، تشمل ضعف البنية التحتية، ومحدودية التكنولوجيا، والظروف البيئية، ونقص التمويل، ومشكلات الأسواق.

فالطرق الريفية غير الملائمة، ونقص المخازن، ومحدودية مرافق التبريد، وعدم كفاءة وسائل النقل، كلها عوامل تزيد تعرض المحاصيل للتلف والأضرار المادية. كما يسهم قصور عمليات التجفيف والتعبئة والتداول في ارتفاع الخسائر.

وتفاقم التقلبات المناخية هذه المشكلات، إذ يمكن لارتفاع درجات الحرارة، وزيادة الرطوبة، والفيضانات والجفاف أن تسرّع تدهور جودة المنتجات الغذائية وتلفها.

المحاصيل الزراعية

4 تحديات رئيسية وفرص للحد من الفاقد بعد الحصاد

1- تحسين قياس الخسائر وتحديد حجمها بدقة

يتمثل التحدي الأول في قياس الفاقد بعد الحصاد بصورة دقيقة، إذ تحتاج الحكومات إلى بيانات موثوقة تحدد مراحل حدوث الخسائر وحجمها قبل اتخاذ قرارات الاستثمار وتوجيه الموارد.

ومن شأن تطوير أساليب قياس موحدة تراعي اختلاف المناطق والسلع الزراعية أن يجعل نتائج الدراسات أكثر قابلية للمقارنة، ويساعد صناع السياسات على تحديد التدخلات الأكثر فاعلية.

ويتطلب ذلك تعاون الباحثين والأجهزة الوطنية للإحصاء والحكومات والمنظمات الدولية والجهات المعنية بالسلع الزراعية.

ويمكن للمؤسسات البحثية والجامعات وخدمات الإرشاد الزراعي ومنظمات سلاسل القيمة جمع البيانات اللازمة من خلال مسوح المزارع والأسر، والقياسات الميدانية، وتقييم مرافق التخزين والأسواق، ومتابعة مختلف مراحل سلسلة الإمداد.

2- تطوير البنية التحتية لحماية المحاصيل

يتمثل التحدي الثاني في توفير بنية تحتية تساعد على نقل الغذاء والحفاظ على جودته.

فالمخازن والطرق الريفية ومرافق التصنيع وسلاسل التبريد ليست مجرد خدمات مساندة للقطاع الزراعي، بل تمثل جزءًا أساسيًا من منظومة إنتاج الغذاء.

وتشير الأدلة التي استعرضتها الدراسة إلى أن تحسين التخزين والتجفيف والتعبئة والتبريد يمكن أن يقلل الخسائر بدرجة كبيرة، ويرفع دخول المزارعين، ويوسع فرص وصولهم إلى الأسواق الأعلى قيمة.

ويعني ذلك أن الاستثمار في البنية التحتية بعد الحصاد يمكن أن يحقق فوائد تتجاوز الحفاظ على المحاصيل، ليشمل تحسين العائد الاقتصادي من الإنتاج الزراعي وتعزيز قدرة المزارعين على تسويق منتجاتهم.

3- إتاحة التكنولوجيا المناسبة والاستفادة من المعارف المحلية

لا تتطلب جميع الحلول استخدام تقنيات متقدمة أو مرتفعة التكلفة؛ إذ يمكن لتقنيات بسيطة، مثل التخزين المحكم الذي يمنع دخول الهواء، والتجفيف بالطاقة الشمسية، وتحسين التعبئة والتغليف، ووسائل التبريد منخفضة التكلفة، أن تسهم في تقليل الفاقد.

ويمكن الجمع بين هذه التقنيات والممارسات التقليدية المستندة إلى المعرفة المحلية، مثل التجفيف والتدخين والتمليح والتخمير، بما يضمن الاستفادة من الخبرات المتوارثة في حفظ الأغذية، مع تحسين كفاءتها وسلامتها عند الحاجة.

ولكي يستفيد صغار المزارعين من هذه الحلول، ينبغي تكييفها وفقًا للظروف المحلية واحتياجات كل محصول، مع توفير التدريب العملي من خلال خدمات الإرشاد الزراعي والمزارع النموذجية والجمعيات التعاونية ومنظمات المزارعين والمصنّعين المحليين والمنظمات غير الحكومية وشركات القطاع الخاص والمنصات الرقمية.

4- توفير التمويل والإرشاد الزراعي وتعزيز الابتكار الشامل

يواجه كثير من صغار المزارعين صعوبات في الحصول على التمويل والدعم الفني اللازمين للاستثمار في تقنيات التخزين والتصنيع المحسنة.

كما تؤدي تقلبات الأسعار وزيادة المعروض خلال مواسم الحصاد إلى تكدس المنتجات التي تعجز الأسواق عن استيعابها، ما يرفع احتمالات تلف الأغذية سريعة الفساد قبل بيعها.

وتزيد قيود الائتمان من صعوبة تبني المزارعين للتقنيات المناسبة للحد من الخسائر.

ويمكن للحكومات والمؤسسات المالية تخفيف هذه العقبات من خلال تقديم إعانات موجهة وقروض ميسرة ومنح وآليات لتقاسم المخاطر.

كما ينبغي أن تساعد خدمات الإرشاد الزراعي المزارعين على اختيار التقنيات الملائمة واستخدامها وصيانتها بصورة صحيحة.

وتؤكد الدراسة أهمية إشراك النساء بصورة واضحة في تصميم التكنولوجيا وبرامج التدريب والتمويل، نظرًا إلى أدوارهن المهمة في عمليات التداول والتعامل مع المنتجات بعد الحصاد.

ويمكن تحقيق ذلك من خلال تبني سياسات زراعية ومالية تضمن تمثيل النساء في تصميم التقنيات وبرامج الإرشاد، وتحسين فرص حصولهن على الائتمان والإعانات والتدريب، إلى جانب متابعة مدى استفادة النساء والرجال من التقنيات الجديدة ومعدلات تبنيهم لها.

المحاصيل الزراعية

كيف يمكن تمويل جهود خفض الفاقد الغذائي؟

تشير نتائج الدراسة إلى ضرورة ألا يقتصر التمويل على شراء المعدات والتقنيات، بل ينبغي أن يشمل الاستثمار العام في البنية التحتية الريفية والبحث العلمي والإرشاد الزراعي والسياسات الداعمة.

ويمكن لجهات التمويل التنموي توفير المنح والقروض الميسرة والضمانات اللازمة للاستثمارات المرتبطة بمرحلة ما بعد الحصاد، بينما تستطيع الشراكات مع القطاع الخاص دعم التخزين والتصنيع والخدمات اللوجستية وسلاسل التبريد، خصوصًا في الأسواق التي تتوافر فيها فرص اقتصادية قابلة للاستمرار.

وتدعو الدراسة إلى تجاوز المشروعات المنفصلة والمحدودة، مثل توفير معدات التخزين أو التصنيع لمرة واحدة، لصالح برامج متكاملة تجمع بين التكنولوجيا وتدريب المزارعين والتمويل والوصول إلى الأسواق وخدمات الصيانة.

كما ينبغي أن تستهدف الاستثمارات سلاسل القيمة بأكملها، من خلال ربط المزارعين بمرافق التخزين والتصنيع والنقل والأسواق الموثوقة، بما يضمن استمرار الاستفادة من التقنيات وعدم تعطلها بسبب نقص الصيانة أو غياب قنوات التسويق.

ويعزز هذا النهج دمج جهود الحد من الفاقد بعد الحصاد في استراتيجيات أوسع للأمن الغذائي والقدرة على التكيف مع تغير المناخ والتنمية الريفية، بما يساعد على الاستفادة بصورة أفضل من الغذاء المنتج، وتحسين دخول المزارعين، وتقليل الضغوط على الموارد الزراعية.

↑
Exit mobile version