زراعة أقل إنتاجًا للحبوب.. لكنها أكثر ربحًا: القمح العضوي يتفوق بيئيًا واقتصاديًا

دراسة تكشف مفاجأة في الزراعة الصديقة للطبيعة.. القمح العضوي يعيد الحياة البرية ويحقق أرباحًا أعلى

قد تبدو شرائط الزهور البرية الممتدة على أطراف حقول القمح الخيار الأكثر وضوحًا لإعادة الحياة البرية إلى الأراضي الزراعية، بعدما أصبحت هذه المساحات الصغيرة ملاذًا للنحل والحشرات والنباتات البرية، لكن دراسة جديدة تكشف أن الصورة أكثر تعقيدًا.

فقد وجد باحثون أن حقول القمح العضوي يمكن أن تستضيف قدرًا كبيرًا من التنوع الحيوي، يقترب في بعض جوانبه من ذلك الموجود في شرائط الزهور البرية، مع تحقيق عوائد مالية أعلى للمزارعين، رغم أن إنتاجها من الحبوب كان أقل بكثير من الحقول التقليدية.

ونُشرت الدراسة كاملة في مجلة Journal of Applied Ecology.

وأجرى الباحثون مقارنة بين ثلاثة أنماط من زراعة القمح الشتوي: الزراعة العضوية، والزراعة التقليدية، والزراعة التقليدية المصحوبة بشريط من الزهور البرية على حافة الحقل، بهدف معرفة أي من هذه الأساليب يوفر فوائد أكبر للحياة البرية، وما إذا كانت تلك الفوائد تتوافق مع الجدوى الاقتصادية للمزارعين.

وقاد الدراسة بيتر باتاري من مركز البحوث البيئية في المجر، بالتعاون مع باحثين من جامعة غوتنغن الألمانية وجامعة بادوفا الإيطالية، وشملت تسع مناطق زراعية في ولاية سكسونيا السفلى بألمانيا على مدار موسمين صيفيين.

وضمت كل منطقة ثلاثة حقول متقاربة في الحجم؛ أحدها مزروع عضويًا، والثاني تقليدي، والثالث تقليدي وتحيط بأحد جوانبه شريط من الزهور البرية السنوية.

وتراوحت مساحة الحقول بين 1.2 و6.5 هكتار، فيما تحصل كل من الزراعة العضوية وشرائط الزهور البرية على دعم مالي من الاتحاد الأوروبي.

الزراعة العضوية

شرائط الزهور تجذب النحل بأعداد أكبر

أظهرت النتائج أن شرائط الزهور أدت بالفعل دورًا واضحًا في جذب النحل البري. وسجل الباحثون خلال عامي الدراسة 993 نحلة برية تنتمي إلى 41 نوعًا، وكان معظمها من النحل الطنان.

وسجلت شرائط الزهور عددًا من أنواع النحل يعادل نحو ثلاثة أضعاف ما سجلته الحقول العضوية، بينما احتوت الحقول العضوية بدورها على أنواع أكثر من الحقول التقليدية.

ولم يقتصر التأثير على النحل، إذ ارتفعت أعداد أنواع الذباب الحوام حول شرائط الزهور بنسبة 89% مقارنة بالحقول التقليدية، بينما سجلت الحقول العضوية زيادة بلغت 64%.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية إضافية لأن أكثر ثلاثة أنواع شيوعًا من الذباب الحوام التي رصدها الباحثون تمتلك يرقات تتغذى على حشرات المن، ما يعني أن وجودها قد يوفر فائدة مزدوجة تتمثل في دعم الملقحات والمساهمة في المكافحة الطبيعية لبعض الآفات الزراعية.

القمح العضوي يحافظ على النباتات البرية

لكن عند الانتقال من الحشرات إلى النباتات، ظهرت صورة مختلفة.

فقد احتوت شرائط الزهور والحقول العضوية على نحو ثلاثة أضعاف عدد أنواع النباتات الموجودة في الحقول التقليدية، بمتوسط يقارب 25 نوعًا في شريط الزهور.

إلا أن الباحثين عندما استبعدوا الأنواع التي زرعت عمدًا ضمن شرائط الزهور، وجدوا أن الحقول العضوية تحتوي على عدد أكبر من النباتات البرية المرتبطة بالأراضي الزراعية، بينما احتوت شرائط الزهور على نحو ضعف العدد الموجود في الحقول التقليدية.

ويرجح الباحثون أن السبب يعود إلى بنك البذور الموجود أصلًا في التربة، والذي يحصل على فرصة للنمو عندما لا تخضع الأرض للإدارة الزراعية التقليدية المكثفة.

كما اختلف تركيب النباتات من نظام إلى آخر؛ إذ كانت نباتات مثل «لا تنساني» و«إبرة الراعي صغيرة الأزهار» من أكثر النباتات شيوعًا في حقول القمح العضوي، بينما ظهر العشب الزاحف بصورة أكبر في الحقول التقليدية.

الخنافس والعناكب استفادت من النظامين

وأظهرت المصائد الأرضية أن الفوائد البيئية لم تقتصر على النباتات والملقحات.

وسجل الباحثون 4348 خنفساء أرضية تنتمي إلى 78 نوعًا، وارتفع عدد الأنواع بنسبة 33% في الحقول التي تحتوي على شرائط زهور، وبنسبة 23% في الحقول العضوية، مقارنة بالحقول التقليدية.

كما سجلت الدراسة 3010 عناكب تنتمي إلى 96 نوعًا، مع اتجاه مشابه في التنوع بين أنظمة الزراعة المختلفة.

أما خنافس الروفي، فكانت الاستثناء، إذ جمع الباحثون أكثر من 5000 فرد ينتمون إلى 93 نوعًا، ولم يظهر اختلاف واضح في ما سجلته المصائد تبعًا لطريقة إدارة الحقول.

وبشكل إجمالي، رصدت الدراسة 486 نوعًا عبر مجموعات الكائنات التي شملها البحث.

وكانت شرائط الزهور أكثر الأنظمة احتواءً على الأنواع التي لم تظهر في النظامين الآخرين؛ إذ شكلت الأنواع الفريدة نحو 28% من إجمالي الأنواع المسجلة فيها، مقابل 12% في الحقول العضوية و3% فقط في الحقول التقليدية.

وتشير هذه النتائج إلى أن الزراعة التقليدية وحدها توفر موائل محدودة نسبيًا للأنواع التي تستفيد من الممارسات الزراعية الأكثر صداقة للطبيعة.

إنتاج القمح انخفض.. لكن الأرباح ارتفعت

المفارقة الأبرز ظهرت عند مقارنة النتائج البيئية بالعائد الاقتصادي.

فقد أنتج القمح التقليدي، سواء في الحقول التقليدية العادية أو تلك التي تحيط بها شرائط زهور، نحو ضعف كمية الحبوب التي أنتجتها حقول القمح العضوي لكل فدان.

لكن انخفاض الإنتاج لم يعنِ انخفاض الأرباح.

فمع تقارب تكاليف الإنتاج بين الأنظمة الثلاثة، استفاد القمح العضوي من ارتفاع سعر بيعه، لتصل إيراداته إلى نحو ضعف الإيرادات المحققة من القمح التقليدي، بينما تجاوزت أرباحه أرباح الحقول التقليدية بأكثر من 150%.

وبعبارة أخرى، أنتجت الحقول العضوية كمية أقل من القمح، لكنها حققت للمزارعين عائدًا ماليًا أكبر.

وساهمت الإعانات الأوروبية في هذا الفارق، لكن مساهمتها كانت محدودة نسبيًا؛ إذ شكلت نحو 8% من إيرادات الزراعة العضوية و7% من إيرادات الحقول التي تضم شرائط زهور، بينما جاء الجزء الأكبر من الإيرادات من السوق وسعر بيع المحصول.

القمح

شرائط الزهور تكشف مفارقة اقتصادية

أما الحقول التقليدية التي تضم شرائط زهور، فقد قدمت نتيجة أكثر تعقيدًا.

فقد كانت أرباح هذه الحقول أقل بنحو 19% من الحقول التقليدية العادية، لكن الباحثين حذروا من تحميل شرائط الزهور وحدها مسؤولية هذا الفارق، لأن محصول القمح في الحقول التي احتوت على الشرائط كان أداؤه أضعف أيضًا.

وعند مقارنة الجزء المزروع بالقمح فقط، كانت التكاليف متقاربة للغاية، بينما حققت الحقول التقليدية العادية إيرادات أعلى بنحو 10% وأرباحًا أعلى بنحو 21%.

وانخفض إنتاج القمح في الحقول التي تضم شرائط زهور بنسبة 4.4%، إلا أن هذا الانخفاض لم يكن كبيرًا بما يكفي ليكون ذا دلالة إحصائية.

ويقدم الباحثون تفسيرًا مهمًا لهذه النتيجة.

وقال بيتر باتاري، رئيس مجموعة بيئة المناظر الطبيعية والحفاظ على الطبيعة في المركز البحثي المجري، إن الحقول التي لا تحتوي على شرائط زهور حققت إنتاجية أعلى بنحو 5% وأرباحًا أعلى بـ21%، وهو ما يشير إلى أن المزارعين ربما كانوا يختارون أصلًا المناطق الأقل إنتاجية والأكثر هامشية من أراضيهم لإنشاء شرائط الزهور.

ولاحظ فريق البحث أن هذه الشرائط كانت تميل إلى الوجود في أراضٍ تقع على منحدرات مواجهة للشمال وبالقرب من حواف الغابات، وهي مناطق قد تكون أقل ملاءمة للإنتاج الزراعي وأكثر قابلية لإخراجها من دورة زراعة القمح.

دعم شرائط الزهور يعوض جزءًا من خسارة الأرض

وتحصل شرائط الزهور على دعم يبلغ نحو 354 يورو للفدان، أو 875 يورو للهكتار، وهو ما يعادل قرابة أربعة أضعاف الدعم المخصص للزراعة العضوية في إطار النظام الذي درسه الباحثون.

ويساعد هذا الدعم على تعويض جزء كبير من هامش الربح الذي قد يخسره المزارع عندما يخرج مساحة من أرضه من إنتاج القمح ويخصصها للزهور البرية.

لكن الدراسة تكشف في الوقت نفسه أن اختيار الموقع قد يكون عاملًا أساسيًا عند تقييم العائد الاقتصادي لشرائط الزهور، لأن المزارعين قد يضعونها بالفعل في المناطق الطرفية الأقل إنتاجية، وليس عشوائيًا في جميع أجزاء المزرعة.

السؤال الذي لم تستطع الدراسة الإجابة عنه

ورغم أهمية المقارنة، بقي سؤال رئيسي بلا إجابة: ماذا يحدث إذا جُمعت الزراعة العضوية وشرائط الزهور في الحقل نفسه؟

لم يتمكن الباحثون من اختبار هذا السيناريو في سكسونيا السفلى، لأن القواعد المعمول بها هناك لا تسمح للمزارع بالحصول على الدعمين على الأرض نفسها، وبالتالي لم تكن هناك حقول عضوية مزروعة بالقمح وتضم في الوقت ذاته شرائط زهور يمكن مقارنتها بالأنظمة الأخرى.

ويرى الباحثون أن هذا الدمج قد يكون مهمًا، لأن كل ممارسة من الممارستين تبدو قادرة على دعم مجموعات مختلفة من الكائنات.

وقال تيجا تسشارنتكه، أستاذ علم البيئة الزراعية في جامعة غوتنغن، إن التدابير البيئية مثل الزراعة العضوية وشرائط الزهور البرية يمكن أن تكون مكملة لبعضها في الحفاظ على التنوع البيولوجي، لأنها تدعم جزئيًا أنواعًا مختلفة من الكائنات.

وأضاف أن الجمع بين هذه التدابير يمثل خطوة مهمة نحو تطوير مناظر زراعية متعددة الوظائف، تستطيع إنتاج الغذاء وفي الوقت نفسه توفير موائل للحياة البرية.

الزراعة المستدامة تحتاج إلى تصميم على مستوى المشهد الزراعي

ويؤكد الباحثون أن نتائج الدراسة لا تعني أن نظامًا واحدًا يمكنه تقديم جميع الفوائد البيئية والاقتصادية في الوقت نفسه.

فالدراسة اقتصرت على عامين وتسع مناطق زراعية، كما اعتمدت على عدد محدود من المزارع التقليدية، وهو ما يجعل من الضروري اختبار النتائج في نطاق أوسع وضمن ظروف زراعية ومناخية مختلفة.

لكن النتائج تقدم رسالة واضحة بشأن إدارة الأراضي الزراعية: استعادة التنوع البيولوجي لا تعتمد بالضرورة على إجراء واحد.

فشرائط الزهور توفر موارد مهمة للنحل والعديد من الحشرات، بينما تستطيع الزراعة العضوية دعم مجموعة واسعة من النباتات البرية والكائنات المرتبطة بالتربة والحقول، إلى جانب تحقيق عائد اقتصادي مرتفع في الدراسة محل البحث.

ولهذا يرى الباحثون أن تحقيق أفضل النتائج قد يتطلب تنسيق الممارسات الزراعية على مستوى المناظر الطبيعية بأكملها، وليس التعامل مع كل حقل بمعزل عن محيطه.

وتبقى الإجابة عن السؤال الأكثر إثارة للاهتمام معلقة حتى تتغير قواعد الدعم أو تظهر تجارب تسمح بالمقارنة المباشرة بين حقل عضوي مزروع بالقمح ويضم في الوقت نفسه شريطًا من الزهور البرية.

الزراعة المستدامة
Exit mobile version