كشفت صور أقمار صناعية حديثة، حجم الكارثة الطبيعية التي ضربت أجزاء واسعة من الداخل السوري، وتُظهر التحليلات البصرية تغيرًا واسعًا في المعالم الحيوية والغطاء النباتي لعدة محافظات، تزامنًا مع انهيارات جزئية خطيرة في البنية التحتية المائية وغرق مساحات زراعية شاسعة، نتيجة الأمطار العنيفة التي غمرت أحياء سكنية وأحدثت أضرارًا كبيرة.
نهر الخابور يبتلع الأحياء السكنية في الحسكة
في محافظة الحسكة، أظهرت صور الأقمار الصناعية تضخمًا كبيرًا في مجرى نهر الخابور، الذي فاضت مياهه لتجتاح المناطق الحضرية المحيطة، بعد أن بلغ تدفقه في مارس/آذار الماضي نحو 80 مترًا مكعبًا في الثانية في ناحية تل تمر، وفقًا لتصريحات نقلتها وكالة الأنباء السورية عن مدير الموارد المائية في الحسكة.
وتتقاطع هذه الصور مع التقارير الميدانية التي وثّقت غمر المياه لعشرات المنازل، متركزة بشكل كبير في أحياء “غويران” و”الميرديان” و”النشوة”.
وأظهرت المقارنات البصرية زيادة في مجرى النهر وتغيرًا في لونه نتيجة جرف السيول، إضافة إلى كثافة غير مسبوقة في الغطاء النباتي المحاذي للضفاف نتيجة الغمر المائي.
غرق الشرايين الحدودية وعزل البوكمال
وعلى الحدود الشرقية، امتدت الكارثة لتضرب الشرايين اللوجستية في محافظة دير الزور، حيث وثّقت الصور الفضائية انهيارًا وغمرًا لجسر “السويعية” الحدودي الإستراتيجي الذي يربط مدينة البوكمال بالحدود العراقية.
وتكشف معطيات الرصد البصري ما أوردته التقارير المحلية عن خروج الجسر من الخدمة، ما أدى إلى عزل القرى المحيطة وشلل الحركة التجارية، واضطرار السلطات إلى استخدام العبّارات النهرية كحل بديل.
سانا عن مدير الموارد المائية في الحسكة عبد العزيز أمين:
• بلغ إجمالي كميات المياه المخزّنة في السدود السطحية 328.620 مليون متر مكعب، مقارنة بـ 121.974 مليون متر مكعب خلال الفترة نفسها من العام الماضي
• توزعت الكميات على عشرة سدود في المحافظة، تركزت النسبة الأكبر منها في سد… pic.twitter.com/TysAKBZzcX
— سوريا الآن – أخبار (@AJSyriaNowN) April 6, 2026
انهيار سد “السيحة” وامتداد الكارثة إلى إدلب
أما في محافظتي حلب وإدلب، فقد رصدت وحدة المصادر المفتوحة تداعيات طالت الأمن الغذائي، إثر انهيار الساتر الترابي لسد “السيحة”.
وتُظهر الصور الفضائية، الملتقطة بتاريخ 23 أبريل/نيسان 2026، تدفقًا هائلًا للمياه أدى إلى غرق مناطق واسعة.
وفي تأكيد رسمي لحجم الكارثة، صرّح قائد عمليات الدفاع المدني في حلب، فيصل محمد علي، بأن انكسار الساتر في بلدة جزرايا (السيحة الغربية) أدى إلى غمر مساحات زراعية تُقدّر بنحو 600 هكتار.
وقد امتدت الأضرار بشكل مباشر إلى محافظة إدلب، حيث أوضحت الصور غرق أجزاء من بلدة “حميمات الداير” والأراضي الزراعية المجاورة، ما أجبر عشرات العائلات على النزوح، كما طالت الأضرار قرى أخرى مثل “التليجينة” و”الوسيطة الشرقية”.
سد “الشهباء” يعود للحياة
وفي مفارقة لافتة، حملت الأمطار الغزيرة وجهًا آخر في ريف حلب الشمالي، حيث أظهرت الصور امتلاء سد “الشهباء”، وهو سد ترابي صغير في المنطقة.
وأفادت وكالة “سانا” الرسمية بأن السد عاد للحياة بفضل أمطار هذا الموسم، ما أعاد الأمل للمزارعين ونشّط الحركة السياحية.
امتلاء السدود وانتعاش الغطاء النباتي
وعلى الصعيد الإستراتيجي، أظهرت المقارنات البصرية تغيرًا كبيرًا في مناسيب السدود، حيث زادت المياه بشكل ملحوظ واختفت أجزاء من الشواطئ بعد أن غمرتها المياه، كما توسعت البحيرات الخاصة بالسدود، وهو ما بدا واضحًا في سد الفرات وسد تشرين، إضافة إلى سدود الرستن والحسكة.
كما كشفت القراءات الفضائية، عند مقارنتها ببيانات العقد الماضي، عن تطور إيجابي ملحوظ في الغطاء النباتي.
وباستخدام مؤشر الغطاء النباتي (NDVI)، أظهرت الصور في حلب والرقة ودير الزور والحسكة وإدلب زيادة غير مسبوقة في كثافة النباتات.
وشهد عام 2026 ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الأمطار، قارب 300 مليمتر حتى نهاية مارس/آذار، ليسجل أحد أفضل المواسم المطرية خلال العقود الثلاثة الماضية.
ونتيجة لذلك، عادت أنهار بردى والعاصي والأعوج والكبير، إضافة إلى ينابيع بيت جن، لتنبض بالحياة من جديد.
تحسن المساحات الخضراء بنسبة 173%
انعكس هذا الارتفاع مباشرة على المساحات الخضراء، حيث أظهرت البيانات تحسنًا بنسبة 173% مقارنة بعام 2025.
ويُذكر أن الفترة بين 2020 و2025 كانت من أشد فترات الجفاف في تاريخ سوريا، نتيجة انخفاض معدلات الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب ضعف إدارة الموارد المائية.
