بدلًا من حرقه.. باحثون يحولون الفحم إلى أداة لإعادة تدوير البلاستيك

هل يصبح الفحم مادة لتدوير البلاستيك؟ جسيمات نانوية تفكك البوليمرات بالليزر

يستكشف باحثون في جامعة ولاية بنسلفانيا الأمريكية طريقة جديدة لإعادة تدوير البلاستيك الصعب المعالجة، تعتمد على استخدام جسيمات متناهية الصغر من الفحم وتحويل ضوء الليزر إلى حرارة على المستوى الجزيئي، بهدف تفكيك المواد البلاستيكية إلى مكوناتها الأساسية وإعادة استخدامها.

وتأتي هذه التقنية ضمن مشروع بحثي لا يزال في مرحلة التطوير، ويبحث إمكانية استخدام جسيمات صغيرة مصنوعة من فحم الأنثراسيت الموجود في ولاية بنسلفانيا للمساعدة في تشغيل التفاعلات الكيميائية اللازمة لإعادة تدوير أنواع معقدة من البلاستيك.

وناقش باحثو الجامعة هذه التقنية في أحدث حلقات بودكاست Growing Impact، موضحين كيف يمكن للحرارة المتولدة بالقرب من الروابط الكيميائية التي تربط جزيئات البلاستيك ببعضها أن تساعد في تفكيكها.

من الفحم إلى مصدر للحرارة الجزيئية

يعتمد الأسلوب على استخدام جسيمات نانوية من فحم الأنثراسيت قادرة على تحويل ضوء الليزر إلى حرارة.

وبسبب الحجم المتناهي الصغر لهذه الجسيمات، يمكن للباحثين توليد الحرارة بالقرب من الروابط الكيميائية التي تحافظ على تماسك المواد البلاستيكية.

ويمكن لهذه الحرارة أن تساعد على كسر تلك الروابط، بما يسمح نظريًا بإعادة البلاستيك إلى وحداته الأساسية، التي تعرف باسم المونومرات.

وتكمن أهمية هذه العملية في أنها تستهدف أحد التحديات الأساسية في إعادة تدوير البلاستيك: فالمواد البلاستيكية صممت أساسًا لتكون متينة وتقاوم التحلل والتفاعلات الكيميائية.

وقال بن لير، أستاذ الكيمياء والباحث الرئيسي في المشروع، إن البلاستيك صُمم ليكون متينًا ومقاومًا لنوع التفاعلية الكيميائية التي يحتاجها تفكيكه لإعادة تدويره.

الفحم

لماذا يصعب تدوير بعض أنواع البلاستيك؟

تتطلب عمليات إعادة التدوير الحالية في كثير من الحالات فصل أنواع البلاستيك المختلفة عن بعضها، كما يمكن أن تزيد المواد المضافة، مثل الأصباغ ومثبطات اللهب، من صعوبة إعادة التدوير الكيميائي.

وتزداد المشكلة مع اختلاف التركيب الكيميائي للبوليمرات.

وأوضح جيمس أدير، أستاذ علوم وهندسة المواد والهندسة الطبية الحيوية وعلم الأدوية، أن أحد التحديات الرئيسية في إعادة تدوير البوليمرات هو وجود مواد ذات خصائص وتركيبات مختلفة للغاية، مشيرًا إلى أن البولي يوريثان لا يمكن معالجته بالطريقة نفسها المستخدمة مع البولي إيثيلين.

ولهذا يأمل الباحثون أن توفر طريقتهم في المستقبل أسلوبًا أكثر عمومية لمعالجة النفايات البلاستيكية المعقدة، بما قد يقلل الحاجة إلى فصل بعض المواد قبل بدء عملية التدوير.

لكن هذه الإمكانية لا تزال هدفًا بحثيًا، ولم تثبت الدراسة حتى الآن أن التقنية قادرة على معالجة جميع أنواع البلاستيك المختلط على نطاق صناعي.

الفحم.. من الوقود إلى مادة متقدمة

لا تقتصر أهمية البحث على إعادة تدوير البلاستيك، إذ يمكن أن يمنح أيضًا استخدامًا جديدًا للفحم الموجود بكثرة في ولاية بنسلفانيا.

فبدلًا من استخدام الفحم بصورة أساسية كوقود، يبحث الفريق في إمكانية تحويله إلى مادة متقدمة ذات وظيفة محددة في عمليات كيميائية وتقنيات إعادة التدوير.

وقال جوناثان ماثيوز، أستاذ هندسة الطاقة وهندسة المعادن، إن كثيرين يرون أن فحم الأنثراسيت أثمن من أن يتم حرقه، معتبرًا أن هناك فرصة لتحويل هذا المورد الطبيعي المتوافر إلى مادة ذات قيمة أعلى ومساهمة أكبر في المجتمع.

ويتميز الأنثراسيت، بأنه نوع من الفحم عالي المحتوى من الكربون، وتبحث الدراسة تحديدًا في إمكانية الاستفادة من خصائصه عندما يتحول إلى جسيمات صغيرة جدًا.

الليزر يحول الفحم إلى أداة لإعادة التدوير

أظهرت التجارب التي أجراها الباحثون أن جسيمات الأنثراسيت يمكن أن تعمل كمادة فعالة في تحويل الضوء إلى حرارة.

وهذه الخاصية تفتح المجال أمام استخدامها في عمليات إعادة تدوير البلاستيك التي تحتاج إلى توفير طاقة حرارية في موضع قريب من الروابط الكيميائية المستهدفة.

وبدلًا من تسخين كتلة البلاستيك بأكملها بصورة عامة، تعتمد الفكرة على الاستفادة من الجسيمات النانوية لتوليد الحرارة في نطاق شديد الصغر، بالقرب من الروابط التي يراد تفكيكها.

ومن الناحية النظرية، يمكن أن يؤدي ذلك إلى توفير تحكم أكبر في التفاعلات المطلوبة لتفكيك البوليمرات وإعادتها إلى وحداتها الكيميائية الأساسية.

الفحم

ما الخطوة التالية؟

يركز الباحثون حاليًا على تحسين خصائص جسيمات الأنثراسيت، وتحديد أنواع البلاستيك صعبة التدوير التي يمكن أن تحقق أكبر استفادة من هذه الطريقة.

ويضم فريق البحث، إلى جانب لير وأدير وماثيوز، خبرات تجمع بين الكيمياء وعلوم وهندسة المواد والطاقة والفحم، وهو ما يسمح بدراسة التقنية من أكثر من زاوية.

ولا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لتحديد كفاءة العملية، ومدى قابليتها للتوسع، واستهلاكها للطاقة، وقدرتها على التعامل مع أنواع مختلفة من البلاستيك والمواد المضافة، قبل تقييم إمكانية استخدامها تجاريًا.

وفي المدى الطويل، يأمل الباحثون أن تساهم هذه التقنية في تطوير طريقة أكثر مرونة وكفاءة لإعادة تدوير البلاستيك المعقد، وفي الوقت نفسه توفير استخدام جديد للفحم كمادة متقدمة بدلًا من الاقتصار على حرقه للحصول على الطاقة.

وتظل الفكرة في هذه المرحلة اتجاهًا بحثيًا واعدًا، وليس بديلًا تجاريًا مثبتًا لعمليات إعادة تدوير البلاستيك الحالية.

↑
Exit mobile version