د.رمضان شوقي: «الغباء المنتج».. كيف يقودنا الاعتراف بالجهل إلى الاكتشاف العلمي؟

أستاذ مشارك بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية- سلطنة عُمان

عن مقال: مارتن شوارتز (مجلة علوم الخلية، 2008)

يشعر كثير من طلبة الدراسات العليا بأنهم «أغبياء» حين يخوضون البحث العلمي لأول مرة، وهذا لا يعود إلى قصور في قدراتهم، ولكن يرجع لطبيعة العلم نفسه.

يحكي الكاتب عن زميلة قديمة في الدراسات العليا، كانت تدرس العلوم في مجال مختلف عنه، لكنها تركت الدكتوراه لأنها شعرت بالعجز أمام المشكلات العلمية، رغم كونها من أذكى من عرفهم. هذا الموقف دفعه إلى التفكير، ثم أدرك أن الشعور بالجهل جزء أصيل من الممارسة العلمية، وأن الباحث الناجح هو من يعتاد هذا الشعور ويحوّله إلى دافع.

بالنسبة لكثير منا، كان أحد الأسباب التي جعلتنا نحب العلوم في المدرسة والجامعة هو النجاح والحصول على إجابات صحيحة في الامتحانات، مما يعزز الإحساس بالكفاءة.

أمّا الدراسات العليا فتنقلك إلى عالم آخر؛ عالم الأسئلة المفتوحة التي لا يعرف أحد جوابها. هنا يبدأ البحث الحقيقي، إذ يجد الطالب نفسه أمام مشكلات بلا حلول جاهزة، ويكتشف أن الجهل ليس نقصًا، ولكن هو مساحة العمل التي يتحرك فيها الباحث.

يروي الكاتب موقفًا مهمًّا غيّر تفكيره بشأن المعرفة المطلقة عندما كان طالب دراسات عليا: فقد واجهته مشكلة في بحث الدكتوراه، فاستشار أستاذه باري تاينر (الذي فاز بعد عامين بجائزة نوبل)، ليخبره الأستاذ بصراحة أنه لا يعرف كيف تُحل تلك المشكلة.

افترض الكاتب أن أستاذه، الذي يعرف أكثر منه بألف مرة، يملك الإجابة. كانت صدمة بالنسبة له، لكنها كشفت له الحقيقة؛ أن المشكلة البحثية هي سؤال لا يملك أحد إجابته بعد، وهذا ما يجعل الطالب نفسه مسؤولًا عن إيجاد الطريق.

بعد هذا الإدراك، استطاع حل المشكلة خلال يومين فقط بتجارب بسيطة.

هذا الوعي يحرّر العقل من وهم المعرفة الكاملة. فما نجهله أوسع بكثير مما نعرفه، وإذا كان الجهل لا نهائيًا، فلا خيار إلا الاجتهاد والمحاولة المتواصلة. من هنا تأتي قيمة «الغباء المنتج»: أن تعترف بأنك لا تعرف، وأن تعمل رغم ذلك.

يرى الكاتب أن برامج الدراسات العليا تعاني من تقصير في جانبين رئيسيين:

  1. غياب التوضيح الحقيقي لطبيعة البحث العلمي وصعوبته
    فالطلاب غالبًا يُقدَّم لهم البحث بوصفه خطوات منهجية أو تجارب مرتبة، بينما الحقيقة أنه عملية غامرة في المجهول، لا يعرف فيها الباحث ما إذا كان يطرح السؤال الصحيح أو يجري التجربة المناسبة إلا بعد الوصول إلى نتيجة تكشف له مدى صواب مساره.

  2. عدم تدريب الطلبة على تقبّل الشعور بالجهل باعتباره جزءًا جوهريًا من عملية البحث
    فالإحساس بالجهل ليس نقصًا، بل أداة ضرورية تُنمّي الفضول والتجريب. غياب هذا التدريب يجعل الطالب يتجنب مناطق عدم اليقين، مع أن «الإحساس بالغباء المنتج» دليل على أن الباحث يحاول بجدية ويخوض حقولًا جديدة غير مكتشفة.

فهناك أشكال مختلفة من الغباء: الغباء النسبي، وهو أن يعرف الآخرون الإجابة وأنت لا تعرفها، وليس هذا هو المقصود هنا. ولكن المقصود هنا هو الغباء المطلق، أي مواجهة أسئلة لم يُجب عنها أحد من قبل، والوقوف عند حدود المعرفة البشرية ذاتها.

الامتحانات الشفوية والنهائية في برامج الدكتوراه مبنية على هذا المبدأ؛ إذ يُضغط على الطالب حتى يصل إلى مرحلة يقول فيها: «لا أعرف». الهدف ليس الإحراج، ولكن معرفة مدى قربه من الحدود التي يبدأ منها البحث الحقيقي.

أما الغباء المنتج فيعني أن تكون جاهلًا باختيارك، لأن التركيز على الأسئلة الكبرى يضعنا حتمًا في منطقة الجهل.

وأخيرًا، فإن العلم يمنحنا حرية الخطأ والتجربة والتخبط، بشرط أن نتعلم شيئًا جديدًا في كل محاولة.

وكلما أصبح الباحث أكثر راحة مع الشعور بالغباء المنتج، ازدادت قدرته على التعمق في الأسئلة الكبيرة، وإحداث اكتشافات ذات أثر حقيقي.

إضافة إلى رأي مارتن شوارتز، يمكن رصد القصور أيضًا في نقطتين أساسيتين تتكرران في معظم الجامعات:

  1. ضعف الإشراف الأكاديمي والمتابعة
    حيث يلاحظ وجود فجوة بين الطالب والمشرف، سواء في توجيه البحث، أو في جودة التغذية الراجعة، أو في ندرة اللقاءات المنتظمة، ما يؤدي إلى إطالة مدة الدراسة وضعف جودة الرسائل العلمية.

  2. قصور المقررات والبرامج في تلبية احتياجات البحث العلمي وسوق العمل
    كثير من البرامج تعتمد على محتوى نظري قديم لا يواكب المستجدات، ولا يزوّد الطالب بالمهارات البحثية الحديثة أو المهارات التطبيقية المطلوبة في المجالات المهنية.

الخلاصة

Exit mobile version