يشتري العالم أكثر من مليون زجاجة مياه بلاستيكية كل دقيقة، أي ما يزيد على 1.3 مليار زجاجة يوميًا وأكثر من 500 مليار زجاجة سنويًا، في استهلاك هائل للبلاستيك ينتهي جزء كبير منه في أجسام البشر ومدافن النفايات.
وتشير أبحاث أولية إلى وجود مخاطر محتملة على صحة الإنسان مرتبطة بتراكم جزيئات البلاستيك الدقيقة ومتناهية الصغر في أعضاء مثل الكبد والكلى والأمعاء، رغم أن الآثار الصحية طويلة المدى لهذه الجزيئات لا تزال قيد الدراسة.
لكن ما الذي يدفع الناس حول العالم إلى الاستمرار في شراء المياه المعبأة ذات العبوات البلاستيكية أحادية الاستخدام، حتى عندما يكونون على دراية بالمخاطر المحتملة؟
أجرى باحثون من جامعة كونكورديا الكندية دراسة شملت أكثر من 15 ألف شخص في 81 دولة، ووجدوا أن استهلاك المياه المعبأة يتأثر بمزيج من العوامل الديموغرافية والبنية التحتية والجغرافيا، من بينها العمر والتعليم ومدى توافر مياه الشرب والتعرض للإعلانات.
ونُشرت الدراسة في Journal of Cleaner Production، وركزت على العوامل التي تدفع إلى استهلاك زجاجات المياه البلاستيكية أحادية الاستخدام، حتى لدى الأشخاص الذين لديهم وعي بالمخاطر المرتبطة بالميكروبلاستيك والجسيمات البلاستيكية متناهية الصغر.
وقالت سارة ساجدي، الباحثة الرئيسية في الدراسة والحاصلة على درجة الدكتوراه عام 2026، إن نتائج الاستطلاع أظهرت أن الوعي لا يؤدي دائمًا إلى تغيير السلوك، مشيرة إلى وجود عوامل أخرى تؤثر في قرارات المستهلكين.
وشارك تشونجيانج آن، الأستاذ المشارك في قسم هندسة المباني والهندسة المدنية والبيئية، في تأليف الدراسة.
الشباب والأكثر تعليمًا أكثر استخدامًا للزجاجات أحادية الاستخدام
استعان الباحثون بوسائل التواصل الاجتماعي لاستقطاب المشاركين، وطلبوا منهم الإجابة عن استبيان مكون من 25 سؤالًا حول استهلاك المياه المعبأة، وعادات إعادة تدوير الزجاجات، واستخدام العبوات القابلة لإعادة التعبئة، ومدى توافر مياه الشرب، وأسباب استخدام الزجاجات البلاستيكية، والتعرض للإعلانات، ومستوى الوعي البيئي والصحي، إلى جانب الخصائص الديموغرافية.
وكان معظم المشاركين من الولايات المتحدة وكندا.
وأظهرت النتائج بصورة عامة أن المشاركين الأصغر سنًا والأكثر تعليمًا كانوا أكثر ميلًا إلى استخدام الزجاجات أحادية الاستخدام مقارنة بالمشاركين الأكبر سنًا، إذ رأى هؤلاء أنها أكثر ملاءمة وأسهل في الاستخدام، كما اعتقدوا أنها أكثر أمانًا في مواجهة الميكروبات المنقولة عبر المياه.
في المقابل، كان المشاركون الأكبر سنًا أكثر ميلًا إلى حمل زجاجات قابلة لإعادة الاستخدام، بينما كان المشاركون الأصغر سنًا أكثر ميلًا إلى إعادة تدوير الزجاجات البلاستيكية.
الوعي بالميكروبلاستيك لا يوقف الاستهلاك
وجدت الدراسة فجوة واضحة بين معرفة المخاطر والسلوك الاستهلاكي.
وقالت ساجدي إن 75% من المشاركين كانوا يعتقدون أن زجاجات المياه أحادية الاستخدام تحتوي على جزيئات بلاستيكية دقيقة ومتناهية الصغر، بينما رأى 70% أن هناك علاقة بين هذه الجزيئات والإصابة بالسرطان.
ورغم هذا المستوى من الوعي، لم يؤدِ إدراك المخاطر بالضرورة إلى التخلي عن شراء المياه المعبأة.
وحدد الباحثون 3 أنماط رئيسية لمستهلكي المياه المعبأة:
• المسافرون العمليون: يعتمد استخدامهم للمياه المعبأة بصورة أساسية على الراحة وسهولة الحركة والتنقل.
• سكان المدن المتأثرون: يتأثر سلوكهم بدرجة أكبر بالتعرض لوسائل الإعلام والمعايير الاجتماعية.
• المستهلكون النشطون والواعون: يرتبط استخدامهم للمياه المعبأة بصورة أكبر بالحاجة والظروف المحيطة.
ويرى الباحثون أن تحديد هذه الأنماط المختلفة يمكن أن يساعد صناع السياسات في وضع إجراءات أكثر استهدافًا للحد من الاعتماد على الزجاجات البلاستيكية أحادية الاستخدام، بدلًا من التعامل مع جميع المستهلكين بالطريقة نفسها.
نقص مياه الشرب يدفع إلى شراء المياه المعبأة
سلطت الدراسة الضوء أيضًا على أهمية توافر مصادر مياه الشرب الآمنة.
وقال نحو 78% من المشاركين إنهم يواجهون بصورة منتظمة أماكن لا تتوافر فيها مياه صالحة للشرب، وارتبط محدودية الوصول إلى مياه الشرب ارتباطًا واضحًا بزيادة استخدام المياه المعبأة.
وبحسب الباحثين، فإن غياب مصدر متاح وآمن لمياه الشرب يجعل شراء زجاجة مياه جاهزة خيارًا عمليًا بالنسبة إلى المستهلك، بغض النظر عن مستوى وعيه بالمخاطر البيئية أو الصحية المحتملة.
الإعلانات تؤثر في سلوك المستهلكين
كشفت الدراسة أيضًا عن دور للإعلانات في زيادة استهلاك المياه المعبأة.
فالأشخاص الذين أفادوا بأنهم يشاهدون إعلانات المياه المعبأة بوتيرة أكبر كانوا أكثر ميلًا إلى استهلاك الزجاجات البلاستيكية أحادية الاستخدام، وكان الارتباط أكثر وضوحًا بين الشباب والأشخاص الأكثر تعليمًا.
كما وجد الباحثون أن كثيرًا من المستهلكين ينظرون إلى المياه المعبأة على أنها أكثر أمانًا وأعلى جودة من مصادر مياه الشرب الأخرى، وهو تصور بدا أنه عامل مهم في تشكيل السلوك الاستهلاكي، وعزز تفضيل شراء المياه المعبأة واستهلاكها.
لا توجد وصفة واحدة للحد من الزجاجات البلاستيكية
على مستوى السياسات، أوصى الباحثون بالتوسع في البنية التحتية لإعادة تعبئة المياه، إلى جانب تنفيذ حملات توعية عامة تستهدف زيادة المعرفة بالميكروبلاستيك والاستهلاك المستدام للمياه.
كما دعوا إلى مزيد من التدقيق في الإعلانات والرسائل التسويقية الخاصة بالمياه المعبأة.
وأكد الباحثون أن السياسات يجب أن تراعي الظروف المحلية، إذ قد يرتبط استهلاك المياه المعبأة في البلدان الأكثر ثراءً بصورة أكبر بالراحة والسفر ونمط الحياة، بينما قد يعكس في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل محدودية الوصول إلى مياه الشرب الآمنة.
وقالت ساجدي إن الناس يشربون المياه المعبأة لأسباب مختلفة، وبالتالي لا يوجد حل واحد يناسب جميع الحالات، لكنها أشارت إلى أن نحو جميع المشاركين تقريبًا قالوا إن توافر مصدر بديل ونظيف للمياه بصورة سهلة سيجعلهم يتجنبون استخدام الزجاجات البلاستيكية أحادية الاستخدام.
