الزبادي والبكتيريا النافعة.. هل يمكن للطعام تحسين وظائف الدماغ؟

الزبادي المخمر قد يكون المفتاح لربط الأمعاء بالدماغ

ما يأكله الإنسان يوميًا قد يؤثر على الدماغ بطرق أهدأ مما يتصور معظم الناس، فالنظام الغذائي يمكن أن يشكّل الأنظمة المرتبطة بالذاكرة، والضغط النفسي، والتحكم العاطفي قبل ظهور أي تغييرات واضحة في المزاج أو السلوك.

يتزايد اهتمام العلماء باستكشاف ما إذا كانت الأطعمة اليومية تترك آثارًا قابلة للقياس داخل الدماغ نفسه، وتشير أبحاث جديدة إلى أن الأطعمة المخمرة قد تلعب دورًا في ذلك.

في تجربة محكمة، ارتبط الاستهلاك المنتظم للزبادي البروبيوتيك بتغييرات طفيفة في كيمياء الدماغ والاتصال العصبي، إلى جانب تحولات في ميكروبيوم الأمعاء.

قاد العمل الدكتور ولفجانج ماركس من جامعة ديكن، استخدم الفريق تصميمًا ثلاثي التعمية، ما يعني أن المشاركين والباحثين والمحللين لم يعرفوا التوزيع بين المجموعات.
تم نشر الدراسة في مجلة Gut، وتربط النتائج بين تغيير غذائي بسيط وتحولات قابلة للقياس في شبكات الدماغ وميكروبيوم الأمعاء، مع التأكيد على ضرورة الحذر والتوسع في البحث.

تأثير الزبادي على الدماغ

في تجربة استمرت ثمانية أسابيع في مركز “الطعام والمزاج”، شملت الدراسة 40 امرأة بصحة جيدة تتراوح أعمارهن بين 18 و55 عامًا، استهلكت كل مشاركة 130 جرامًا من الزبادي البروبيوتيك يوميًا أو منتج ألبان غير مخمر مطابق، بينما راقب العلماء التغيرات في نشاط الدماغ.

جمع الباحثون صورًا للدماغ، وعينات دم، وبراز قبل وبعد التجربة، مع الإشارة إلى أن حجم العينة الصغير يحد من إمكانية تعميم النتائج.

الزبادي المخمر

روابط أقوى في دوائر الذاكرة

ظهرت روابط أقوى بين الحُصين ومنطقة أمامية تساعد في إدارة الانتباه والتحكم العاطفي. وأفاد الباحثون بارتفاع الاتصال الوظيفي بين الحُصين الأيسر والقطب الأمامي الأيسر.

“تقدم هذه الدراسة دليلًا أوليًا على أن الأطعمة المخمرة يمكن أن تؤثر على الدماغ، وليس فقط على الأمعاء”، بحسب الدكتور ماركس، هذه الروابط العصبية يمكن أن تتغير دون أن يلاحظ الشخص، لذا يلزم تأكيد النتائج في تجارب أكبر وأطول.

إشارات مضادة للأكسدة في الدماغ

رصدت الفحوص الكيميائية مستوى الجلوتاثيون، وهو جزيء يساعد على تحييد المواد الكيميائية النشطة، داخل الحُصين على مدار التجربة.
أظهرت المجموعتان تغيرات مختلفة في مستويات الغلوتاثيون، لكن هذه النتائج ضعفت بعد تصحيح الإحصاءات للمتغيرات المتعددة.
كما لوحظ اختلاف في حجم الحُصين والنواة المتكئة، مما يشير إلى أن عدة علامات دماغية تحركت معًا. يجب التعامل مع هذه النتائج بحذر لأنها مؤقتة وليست نهائية.

استجابة ميكروبات الأمعاء للزبادي

تتبعت عينات البراز ميكروبيوم الأمعاء، أي المجتمع الميكروبي في الأمعاء، عبر المجموعتين.
أظهرت النتائج تغيرًا ملحوظًا في التنوع البيولوجي، وهو مقياس لاختلاف الميكروبات بين المجموعتين. ومع ذلك، لم يحدد التجربة أي الميكروبات تغيرت بالضبط، ما يترك مسار التأثير من الأمعاء إلى الدماغ غير واضح.

طرق الربط بين الأمعاء والدماغ

يصف علماء الأحياء محور الأمعاء والدماغ بأنه نظام ثنائي الاتجاه. يمكن للميكروبات التأثير في الهرمونات والجزيئات المناعية، كما يمكنها إرسال إشارات عبر العصب المبهم الذي يربط الأمعاء بالدماغ.
تنتج العديد من الميكروبات أحماضًا دهنية قصيرة السلسلة تؤثر في الالتهاب ووظائف الحاجز المعوي. وبما أن الأطعمة المخمرة تغير العديد من المتغيرات في آن واحد، فإن ربط مسار كيميائي واحد بنتيجة دماغية محددة يحتاج إلى اختبارات دقيقة.

الزبادي

تغييرات دماغية دون تأثيرات محسوسة

رغم وجود إشارات دماغية قابلة للقياس، لم تُلاحظ تغييرات واضحة في المزاج أو اختبارات الذاكرة أو أعراض الأمعاء بعد تناول الزبادي يوميًا، المشاركون الأصحاء غالبًا ما يبدأون ضمن النطاق الطبيعي، ما يجعل الاختبارات تبقى ثابتة لعدة أشهر.

ليست كل أنواع الزبادي متساوية

يستخدم مصنّعو الأغذية مصطلح “بروبيوتيك” للدلالة على الكائنات الحية الدقيقة المفيدة بالصحة بكميات كافية. يمكن لهذه الميكروبات العيش في الزبادي المخمر، والتفاعل مع البكتيريا والمناعة في الأمعاء، ومع ذلك، يمكن للمعالجة والتبريد وفترة التخزين أن تقلل عدد الكائنات الحية، لذا قد تختلف جرعات الزبادي بشكل كبير بين المنتجات.

نتائج تستحق المتابعة

تحتاج الدراسات المستقبلية لعينة أكبر وأكثر تنوعًا لفصل التأثير الحقيقي عن النتائج المصادفة.
كما ستسمح العينات الأكبر بتتبع العلاقة بين تغييرات الدماغ والنوم والضغط النفسي والمزاج اليومي.
أكّد الدكتور ماركس، أن الدراسة كانت مرحلة أولية صغيرة، وأن تجارب أكبر ضرورية لفهم ما إذا كانت هذه التغييرات قد تتحول إلى تحسينات فعلية في الصحة النفسية.

Exit mobile version