يتجدد الجدل حول اقتراب العالم من تطوير الذكاء الاصطناعي العام، مع تزايد قدرات النماذج المتقدمة على تنفيذ مهام معقدة بصورة مستقلة، وتحقيق نتائج مرتفعة في بعض الاختبارات، إلى جانب تصاعد التحذيرات من المخاطر المحتملة لهذه التقنيات.
وأثار جريج بروكمان، رئيس شركة «أوبن إيه آي»، الجدل مؤخرًا بعدما أشار إلى أن نموذج الشركة المتقدم «جي بي تي 6 أسترا» (GPT-6 Astra) قد يمثل نقطة الوصول إلى ما يُعرف بالذكاء الاصطناعي العام (AGI)، وهو مفهوم يشير إلى أنظمة ذكاء اصطناعي تمتلك قدرات واسعة تتجاوز أداء البشر في مجموعة كبيرة من المهام المعرفية والاقتصادية.
لكن هذا التصور لا يحظى بإجماع بين الباحثين، إذ تختلف تعريفات الذكاء الاصطناعي العام، كما تتباين التقييمات المستقلة لقدرات النماذج الحالية. ولذلك، لا تزال الأدلة غير حاسمة بشأن ما إذا كان العالم قد وصل بالفعل إلى هذه المرحلة.
ما الذكاء الاصطناعي العام؟
يُعرّف الذكاء الاصطناعي عمومًا بأنه قدرة الأنظمة الحاسوبية على محاكاة بعض جوانب الذكاء البشري، مثل التعلم والاستدلال وتحليل المعلومات وحل المشكلات.
أما «أوبن إيه آي»، فتعرّف الذكاء الاصطناعي العام بأنه نظام ذكاء اصطناعي يتفوق على البشر في معظم الأعمال ذات القيمة الاقتصادية، ويشمل ذلك مجموعة واسعة من المهام الرقمية والمعرفية التي يؤديها البشر، مثل كتابة الشفرات البرمجية، وتنظيم الأعمال، وإدارة المشروعات.
ويركز هذا التعريف على اتساع نطاق المهام التي يستطيع النظام إنجازها، بدلًا من اقتصار قدراته على مجال متخصص واحد.
لكنه لا يشمل بالضرورة الأعمال التي تتطلب جهدًا بدنيًا مباشرًا، مثل الزراعة والبناء، رغم أن دمج الذكاء الاصطناعي بالروبوتات قد يوسع مستقبلًا نطاق المهام التي يمكن للأنظمة تنفيذها في العالم المادي.
في المقابل، يرى خبراء آخرون أن الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام يتطلب قفزات معرفية تتجاوز ما تقدمه النماذج الحالية.
فقد أشار ديميس هاسابيس، مؤسس شركة «جوجل ديب مايند»، إلى أن الذكاء الاصطناعي العام ينبغي أن يكون قادرًا على أداء أي مهمة معرفية تقريبًا يستطيع الإنسان تنفيذها.
أما يان لوكون، كبير علماء الذكاء الاصطناعي السابق في شركة «ميتا»، فيرى أن مصطلح الذكاء الاصطناعي العام نفسه غير دقيق، ويفضل استخدام تعبير «الذكاء الاصطناعي بمستوى الإنسان».
وتعكس هذه الاختلافات نقاشًا علميًا مستمرًا حول طبيعة الذكاء الاصطناعي العام، والمعايير التي يمكن الاستناد إليها لتحديد موعد ظهوره، وكيفية التمييز بين نظام متقدم في مهام معينة وآخر يمتلك قدرات عامة واسعة.
هل يمثل «جي بي تي 6 أسترا» نقطة التحول؟
يرى بروكمان، أن الذكاء الاصطناعي العام قد يكون قد تحقق بالفعل، لكنه أقر بأن الوصول إلى هذه المرحلة لم يحدث بالطريقة الواضحة التي توقعها البعض في بداية تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويتمثل أحد أبرز التطورات المرتبطة بنموذج «جي بي تي 6 أسترا» في طريقة استخدامه؛ فبدلًا من احتياج النماذج السابقة إلى تعليمات تفصيلية في كل خطوة، صُمم النموذج للتعامل مع مهام طويلة نسبيًا، بحيث يحدد المستخدم الهدف والقيود الأساسية، ثم يضع النظام تسلسل الخطوات اللازمة لتنفيذ المهمة.
وأظهرت العروض التوضيحية التي قدمتها الشركة قدرة النموذج على التعامل مع مهام متعددة وغير مترابطة، بما يعكس انتقالًا تدريجيًا من نمط يعتمد على تدخل الإنسان عند كل خطوة إلى نمط يمنح النظام مساحة أكبر للتخطيط والتنفيذ.
ويمثل هذا التطور تغيرًا مهمًا في طريقة توظيف الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يكفي وحده لإثبات الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام، إذ يجب تقييم مدى اتساع القدرات وثباتها وإمكان نقلها إلى مهام وسياقات مختلفة.
ماذا تكشف اختبارات الذكاء الاصطناعي؟
أظهرت إحدى نتائج الاختبارات أن نموذج «أسترا» حقق نسبة 99.9% في اختبار «إيه آر سي إيه جي آي 3» (ARC-AGI-3)، الذي يضع أنظمة الذكاء الاصطناعي في ألعاب تفاعلية غير مألوفة، دون تقديم تعليمات مسبقة، ويقيس مدى كفاءتها في استنتاج القواعد والتعامل مع البيئة الجديدة.
ووفقًا لتقديرات «أوبن إيه آي»، بلغ متوسط أداء البشر في هذه المهام نحو 48%. لكن تفسير النتيجة يتطلب الانتباه إلى اختلاف بيئة التشغيل المستخدمة في الاختبار.
فقد أعلن مشروع «إيه آر سي برايز» (ARC Prize)، المسؤول عن الاختبار، أن أفضل نتيجة حققها النموذج باستخدام بيئة التشغيل الموحدة التي يوفرها لجميع النماذج بلغت 62.7%.
أما نتيجة 99.9%، فتحققت باستخدام بيئة تشغيل طورتها «أوبن إيه آي» خصيصًا للنموذج، وتتيح الاحتفاظ بمسار الاستدلال بين الطلبات المتتابعة. ويعني ذلك أن النظام استطاع الاستفادة من العمل السابق بدلًا من البدء من الصفر في كل مرة.
وتشير هذه الفروق إلى أهمية مراعاة شروط الاختبار وطريقة تشغيل النموذج عند مقارنة النتائج، إذ لا تعكس النسبة المرتفعة وحدها بالضرورة تفوقًا عامًا في مختلف القدرات المعرفية.
كما تختلف الجهات المستقلة في تقدير حجم التطور الذي حققه «جي بي تي 6 أسترا» مقارنة بالنماذج السابقة.
ويضعه معهد «إيبوك إيه آي» (Epoch AI) ضمن النماذج المتقدمة على مستوى الصناعة، إلى جانب نماذج أخرى، بينما لا ترى شركة «أرتيفيشال أناليسيس» (Artificial Analysis) أنه يمثل قفزة استثنائية مقارنة بالنموذج السابق «جي بي تي 5.6 سول».
وقال توبي والش، الباحث في الذكاء الاصطناعي بجامعة نيو ساوث ويلز في سيدني، إن قدرات النماذج المتقدمة لا تزال متفاوتة؛ إذ تستطيع تنفيذ مهام معقدة، لكنها قد تتعثر في مهام بسيطة نسبيًا.
ويعزز هذا التفاوت صعوبة إصدار حكم نهائي بشأن امتلاك هذه الأنظمة ذكاءً عامًا، لأن النجاح في اختبار محدد لا يضمن الكفاءة في جميع المجالات أو القدرة على التعامل مع ظروف غير متوقعة.
مسألة رياضية معقدة.. لكن من حلها بالفعل؟
أعلنت «أوبن إيه آي» في 8 سبتمبر 2026 أنها توصلت إلى برهان مقترح لمسألة من مسائل نافير–ستوكس، وهي إحدى المسائل السبع المعروفة باسم مسائل جائزة الألفية في الرياضيات.
لكن البرهان لم ينتجه نموذج «جي بي تي 6 أسترا» وحده، خلافًا لما قد توحي به بعض التغطيات الإعلامية.
ووفقًا للشركة، جاء البرهان من نموذج داخلي غير مطروح للاستخدام العام، يتمتع بقدرات تفوق «أسترا» بدرجة كبيرة، وشغّل نحو 10 آلاف وكيل ذكاء اصطناعي بالتوازي لمدة تقارب 88 ساعة.
أما دور «أسترا»، فتمثل في صياغة البرهان بصورة رسمية والتحقق منه، وهي عملية استغرقت 17 ساعة إضافية.
ومع ذلك، لم يخضع البرهان بعد للتحقق من جانب مجتمع الرياضيات، ولذلك لا ينبغي التعامل معه باعتباره نتيجة علمية محسومة قبل مراجعته وتقييمه بصورة مستقلة.
وتوضح هذه الحالة أهمية التمييز بين قدرات نموذج منفرد وأداء منظومة متكاملة تضم نماذج متعددة ووكلاء برمجيين وموارد حاسوبية وأدوات متخصصة.
تحذيرات من مخاطر الذكاء الاصطناعي المتقدم
بالتزامن مع النقاش حول الذكاء الاصطناعي العام، تتصاعد المخاوف من الاستخدامات الضارة للنماذج المتقدمة، خصوصًا مع قدرتها على تنفيذ سلاسل طويلة من المهام وتسريع أنشطة كانت تتطلب وقتًا وجهدًا بشريين كبيرين.
وفي مقال نشره خلال سبتمبر، دعا داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، إلى إبطاء وتيرة تطوير النماذج الأكثر تقدمًا، بالتوازي مع توسيع نطاق التقييم المستقل والتنسيق الدولي بشأن معايير السلامة.
وحذر أمودي من احتمال أن تتمكن مجموعات من وكلاء الذكاء الاصطناعي، خلال فترة تتراوح بين ستة و12 شهرًا، من إنشاء شبكات روبوتية خبيثة مستمرة عبر الإنترنت، بما قد يعرض أنظمة حيوية لأعطال واسعة ويؤدي إلى أضرار مالية ضخمة.
وتناولت تقارير أمنية نشرتها «أنثروبيك» أمثلة على استخدام الذكاء الاصطناعي في أنشطة ضارة، من بينها تطوير برمجيات مرتبطة بالصواريخ، وأتمتة بعض عمليات التجسس، وإنشاء منصات تتيح البحث عن معلومات شخصية تخص أفرادًا مرتبطين بحركة سياسية مستهدفة.
وبحسب هذه التقارير، تولى البشر تحديد الأهداف وتوجيه العمليات، بينما ساعدت أنظمة الذكاء الاصطناعي في تنفيذ العمل البرمجي والمهام المطلوبة بسرعة وعلى نطاق أوسع.
وتكشف هذه الحالات عن مخاطر جدية لاستخدام القدرات المتخصصة في أنشطة ضارة، لكنها لا تثبت في حد ذاتها أن الأنظمة تمتلك ذكاءً عامًا، إذ يظل من الضروري التمييز بين القدرة على تنفيذ مهام محددة بكفاءة عالية وبين امتلاك مجموعة واسعة من القدرات المعرفية المستقلة.
لماذا يصعب تحديد لحظة ظهور الذكاء الاصطناعي العام؟
تكمن إحدى الصعوبات الرئيسية في أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يُقيّم دائمًا بوصفه نموذجًا منفردًا، بل أصبح جزءًا من منظومة متكاملة تضم الذاكرة والأدوات والبرمجيات المساعدة ووكلاء قادرين على تنفيذ المهام بالتوازي.
وقد تتمكن هذه المنظومة من إنجاز أعمال معقدة من خلال تقسيمها إلى مهام أصغر، والاستفادة من نتائج الخطوات السابقة، وإعادة المحاولة عند مواجهة العقبات.
لكن هذا الأداء لا يعني بالضرورة أن النموذج نفسه يمتلك فهمًا عامًا مماثلًا للفهم البشري، كما أن القدرة على التخطيط والتنفيذ لا تضمن صحة النتائج أو موثوقيتها في جميع الظروف.
ويظل السؤال الأساسي متعلقًا بمدى قدرة هذه الأنظمة على التكيف مع المشكلات الجديدة، ونقل المعرفة بين المجالات، والتعامل مع الحالات غير المألوفة دون الاعتماد على ترتيبات خاصة أو تدخل بشري مستمر.
وفي الوقت نفسه، يتفق الجدل حول الذكاء الاصطناعي العام مع حقيقة أكثر إلحاحًا: الأنظمة الحالية قادرة بالفعل على إحداث أضرار ملموسة عند إساءة استخدامها، حتى لو لم تصل إلى مستوى الذكاء العام.
لذلك، لا يتوقف التحدي أمام الباحثين وصناع السياسات على تحديد موعد ظهور الذكاء الاصطناعي العام فحسب، بل يشمل أيضًا تطوير وسائل تقييم مستقلة، وتحسين معايير السلامة، ووضع ضوابط تحد من الاستخدامات الضارة، مع مراعاة التطور السريع لقدرات هذه الأنظمة.
