تعيش الجزائر خلال الأيام الأخيرة على وقع موجة واسعة من حرائق الغابات، طالت مناطق عدة في شمال وشرق البلاد، ولا سيما ولايات جيجل وبجاية وتيزي وزو والطارف وسكيكدة، وسط ارتفاع كبير في درجات الحرارة، ورياح قوية ساهمت في سرعة انتشار النيران وصعّبت جهود السيطرة عليها.
وتواصل فرق الحماية المدنية وأعوان الغابات، إلى جانب وحدات من الجيش، عمليات إخماد الحرائق التي اجتاحت مساحات واسعة من الغطاء النباتي، في وقت تزايدت فيه المخاوف من امتداد ألسنة اللهب إلى التجمعات السكانية والمناطق الزراعية القريبة.
وأفادت الحماية المدنية الجزائرية، في أحدث بيان عملياتي، بأنها سجلت حتى الساعة الثامنة مساء الخميس 153 حريقًا للغطاء النباتي والمحاصيل الزراعية، تمكنت فرقها من إخماد 85 منها، بينما كانت عمليات مكافحة 67 حريقًا تتواصل موزعة على 16 ولاية.
وتصدرت ولاية جيجل قائمة الولايات التي لا تزال تشهد حرائق، بواقع 17 حريقًا، تلتها الطارف وسكيكدة بـ10 حرائق في كل منهما، ثم تيزي وزو وقالمة بخمسة حرائق لكل ولاية، وعنابة وبجاية بأربعة حرائق لكل منهما.
كما واصلت فرق الإطفاء مكافحة حريقين في كل من سوق أهراس وسطيف والمسيلة، إضافة إلى حريق واحد في كل من بومرداس وميلة وقسنطينة وتبسة والمدية والبويرة.
وفي جيجل، تركزت عمليات الإخماد في بلديات تاكسنة وزيامة منصورية والميلية وسيدي معروف وأولاد يحيى خدروش والشقفة، بينما امتدت الحرائق في ولاية الطارف إلى مناطق بحيرة الطيور والشافية وبوثلجة وحمام بن صالح.
12 وفاة و54 مصابًا
وأعلن وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل الجزائري، السعيد سعيود، وفاة 12 شخصًا جراء الحرائق، بينهم خمسة في ولاية جيجل، وأربعة في بجاية، وثلاثة في تيزي وزو.
وأضاف أن السلطات أحصت 54 مصابًا بحروق، بينهم ستة أشخاص في حالة حرجة يخضعون للعناية المركزة، بينما تواصل الفرق الطبية تقديم الرعاية للمصابين الذين نقلوا إلى مستشفيات المناطق المتضررة.
وأعلنت رئاسة الجمهورية الجزائرية حدادًا وطنيًا لمدة ثلاثة أيام، اعتبارًا من الخميس، مع تنكيس الأعلام وإلغاء مظاهر الاحتفال والمنافسات الرياضية الوطنية، إثر سقوط الضحايا في الحرائق التي اجتاحت عددًا من الولايات الوسطى والشرقية.
كما فعّل الهلال الأحمر الجزائري منظومة الاستجابة الميدانية، وسخّر إمكاناته البشرية واللوجستية لدعم عمليات إغاثة العائلات المتضررة ومرافقتها في المناطق التي طالتها النيران.
هل الحرائق مفتعلة؟
ومع اتساع رقعة الحرائق وتزامن اندلاع عدد كبير منها في مناطق مختلفة، تصاعدت التساؤلات حول أسبابها، وما إذا كانت الظروف المناخية القاسية وحدها تقف وراء الكارثة، أم أن بعض الحرائق قد تكون مفتعلة.
وتداول جزائريون على نطاق واسع صورًا ومقاطع فيديو توثق حجم النيران والخسائر التي خلفتها، بعدما أتت الحرائق على مساحات من الغطاء النباتي وألحقت أضرارًا بالممتلكات والثروة الحيوانية، فضلًا عن سقوط الضحايا.
وأثارت بعض المقاطع المتداولة جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما اعتبر ناشطون أنها قد تشير إلى وجود شبهة افتعال للحرائق. ومن بين المواد المتداولة صور لإطارات مطاطية محترقة عُثر عليها داخل مناطق غابية، إلى جانب مقطع صوره أحد الهواة ويظهر شخصًا يغادر محيط غابة بينما تشتعل النيران خلفه، فيما قال مصور الفيديو إنه أبلغ الأجهزة الأمنية بالواقعة.
كما أثار مقطع آخر تفاعلًا واسعًا، بعدما ظهرت فيه النيران في مشهد بدا وكأنه يرسم خريطة الجزائر، وهو ما فتح الباب أمام موجة من التكهنات على منصات التواصل الاجتماعي بشأن أسباب الحرائق.
إلا أن هذه المقاطع والتكهنات لا تمثل دليلًا قاطعًا على تعمد إشعال الحرائق، في انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات الرسمية.
«القبة الحرارية» في دائرة الاتهام
وفي المقابل، يرى خبراء ومتابعون أن الظروف الجوية القاسية التي شهدتها الجزائر خلال الأيام الماضية يمكن أن تكون عاملًا رئيسيًا في زيادة مخاطر اندلاع الحرائق وانتشارها بسرعة.
وشهدت مناطق واسعة من الجزائر ارتفاعًا كبيرًا في درجات الحرارة، بالتزامن مع سيطرة مرتفع جوي في طبقات الجو العليا، أو ما يعرف بـ«القبة الحرارية»، وهي ظروف تؤدي إلى زيادة جفاف الغطاء النباتي وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة لاندلاع الحرائق وسرعة انتشارها.
كما ساهمت الرياح القوية في دفع ألسنة اللهب إلى مناطق جديدة، الأمر الذي جعل عمليات الإخماد أكثر صعوبة، خصوصًا في المناطق الجبلية والغابية.
وتُعد ولاية جيجل من أكثر المناطق تضررًا، بعدما امتدت النيران إلى مناطق مأهولة بالسكان، وألحقت أضرارًا بعدد من المنازل والأراضي الزراعية، إلى جانب الخسائر البشرية والمادية الكبيرة.
تحقيقات رسمية لكشف الحقيقة
وتعززت التساؤلات الرسمية بشأن أسباب الحرائق بعد إعلان وزير الداخلية الجزائري السعيد سعيود فتح تحقيقات معمقة للوقوف على ملابسات اندلاعها.
وقال سعيود إن التحقيقات تأتي «نظرًا لهول الكارثة ونظرًا لعدد الحرائق التي اندلعت في عديد الولايات، وتقريبًا في نفس الوقت».
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة ملف الحرائق المفتعلة في الجزائر، بعدما سبق للقضاء الجزائري أن حاكم أشخاصًا بتهم تتعلق بإضرام حرائق عمدًا خلال عام 2025.
وأكدت السلطات أن التحقيقات ستحدد أسباب اندلاع الحرائق وطبيعتها، من دون إعلان نتائج أولية أو تأكيد رسمي حتى الآن بشأن وجود عمل متعمد وراء اندلاعها.
وفي انتظار نتائج التحقيقات، تبقى فرضية افتعال بعض الحرائق قيد البحث، بالتوازي مع وجود عوامل مناخية واضحة رفعت من مخاطر الاشتعال وسرعة انتشار النيران.
وتواصل فرق الحماية المدنية وأعوان الغابات والجهات المعنية عمليات الإخماد، فيما تعمل السلطات على حماية السكان وإجلاء الموجودين في المناطق الأكثر عرضة للخطر، في وقت تكافح فيه الجزائر واحدة من أصعب موجات حرائق الغابات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.

