تربية دودة القز من الحرف التقليدية المتجذرة في أفغانستان، حيث تُعتمد لإنتاج الحرير الطبيعي، وهي مهنة حاضرة بقوة في ولايات مثل هرات وبلخ وبدخشان، وتشكل مصدر دخل مهمًا للأسر الريفية.
وتُعد الظروف المناخية المناسبة لزراعة أشجار التوت – الغذاء الأساسي لدودة القز – من العوامل التي تساهم في استمرارية هذه الحرفة.
ووفقًا للأرقام الرسمية، تعمل أكثر من خمسة آلاف عائلة أفغانية في مجال إنتاج الحرير، حيث تُجمع شرانق دودة القز، ويُغزل نحو 40% منها إلى خيوط، بينما يُستخدم الجزء المتبقي في نسج الأقمشة التي تُصدَّر إلى أوروبا.
وتُعد دودة القز نفسها منتجًا ذا قيمة اقتصادية، إذ يُنتج منها نحو 200 طن سنويًا.
مهنة تربية دودة القز وإنتاج الحرير بالطريقة التقليدية على قائمة اليونسكو
وفي عام 2022، أُدرجت مهنة تربية دودة القز وإنتاج الحرير بالطريقة التقليدية على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، وهو اعتراف عالمي يعكس الأهمية الثقافية والاجتماعية العميقة لهذه الحرفة، ودورها في تعزيز الهوية الثقافية والتماسك المجتمعي في أفغانستان.
ويقول غلام سخي علي زاده، رئيس نقابة عمال الحرير، “نقوم منذ العصور القديمة بتربية دودة القز بشكل تقليدي في أفغانستان، ويعود تاريخ هذه المهنة إلى ما يقرب من ألفي عام. بدأت تربية دودة القز وصناعة شرانقها أول مرة في الصين حوالي عام 2600 قبل الميلاد.
ويواجه الأفغان الذين يعملون في هذا المجال منافسة شديدة من الواردات الصينية الرخيصة، حيث تكافح الأساليب التقليدية المحلية للحفاظ على بقائها”.
تحسن ملحوظ في صناعة الحرير وتربية دودة القز
تشير مديرية الزراعة في ولاية هرات، غربي البلاد، إلى تحسن ملحوظ في صناعة الحرير وتربية دودة القز مقارنة بالعام السابق، حيث تم توزيع أكثر من ستة آلاف صندوق من دودة القز على المزارعين وسكان المناطق الريفية، لا سيما في مديرية “زنده جان”.
ويشرح أحمد شاه قيومي، رئيس نقابة مزارعي تربية دودة القز في ولاية هرات، أن عملية إنتاج الحرير من شرنقة دودة القز تستغرق ما بين 26 يومًا إلى شهر.
وقد يصل طول خيط الحرير الواحد في الشرنقة إلى ما بين 300 و900 متر، إلا أن خروج الفراشة من الشرنقة يؤدي إلى تمزيق الخيط إلى قطع صغيرة. ويضيف أن عمر الفراشة البالغة قصير جدًا، ويكفي فقط لتمكينها من وضع البيض.
ويؤكد قيومي أن عوامل مثل التغذية المناسبة للديدان، ودرجة الحرارة والرطوبة الملائمة، إلى جانب نظافة البيئة وتطهيرها، تُعد من العناصر الحاسمة في تحسين وزيادة إنتاجية دودة القز.
ويوضح أن هذه المهنة تشغل كامل أفراد العائلة، فإذا امتلكت الأسرة الواحدة أربعة أو خمسة صناديق من دودة القز، فإن دخلها السنوي قد يصل إلى 861 دولارًا.
ويضيف: “دودة القز حشرة تنتج خيوط الحرير عند نسج الشرنقة، ثم تُجمع هذه الشرانق وتُغلى في وعاء كبير لاستخراج خيوط الحرير”.
النساء يقمن بما يقارب 70% من الأنشطة المرتبطة بتربية دودة القز
يرى خبراء الاقتصاد في أفغانستان أن انتعاش هذه المهنة يعود، جزئيًا، إلى عودة النساء إليها بعد منعهن من العمل والدراسة في ظل الأوضاع السياسية الحالية.
وتشير الدراسات الرسمية إلى أن النساء يقمن بما يقارب 70% من الأنشطة المرتبطة بتربية دودة القز وجمع الشرانق، مما يجعل من هذه الحرفة موردًا اقتصاديًا مهمًا للنساء في المناطق الريفية.
وتقول مريم أحمدي، التي تمارس تربية دودة القز منذ 35 عامًا: “عائلتي تمارس هذه المهنة منذ سنوات. فإغلاق مدارس البنات ومنع النساء من العمل كان سببًا رئيسيًا في عودة الكثيرات إلى هذه الحرفة. ثلاث من بناتي يعملن معي الآن، وقد ازدادت نسبة الإنتاج مقارنة بالسنوات الماضية”.
ويؤكد المزارعون على ضرورة دعم عمال الحرير وتوفير الآلات الحديثة، إذ إن غالبية العاملين يستخدمون أدوات قديمة تجاوز عمرها 30 عامًا.
كما يدعون إلى توزيع صناديق إضافية من دودة القز، مما سيسهم في رفع الإنتاجية وتمكين رجال الأعمال من تصدير الحرير الأفغاني إلى الأسواق العالمية.
ويضيف رئيس نقابة عمال الحرير في هرات: “إذا تمكنت مديرية الزراعة والمؤسسات المعنية من توزيع 10 آلاف صندوق من دودة القز على المزارعين، فإن ذلك سيوفر فرص عمل لـ20 ألف شخص، وسيحقق دخلًا جيدًا، مع زيادة بنسبة 35% مقارنة بالعام الماضي. كما يحتاج بعض الشباب والشابات إلى المشاركة في الندوات التوعوية حول دودة القز وأهمية صناعة الحرير”.
استخدامات متعددة
يُستخدم الحرير في أفغانستان في مجالات متعددة، وله قيمة ثقافية واقتصادية خاصة في القرى والمناطق الريفية.
وتشمل استخداماته خياطة الشالات النسائية التقليدية، والعمائم، والمناديل، وربطات العنق، وقطع السترات، وفساتين الزفاف، والسجاد اليدوي. ويُعتبر الحرير في مناطق مثل هرات وقندهار ومزار شريف رمزًا للرفاهية والاحترام.
ويقول محمد حليمي، مدير دائرة الزراعة في ولاية هرات: “رغم أن الصين والهند تهيمنان على السوق العالمي للحرير الصناعي، فإن ما يميز الحرير الأفغاني أنه طبيعي وخالص، ولا تدخل في صناعته أي مواد كيميائية.
ونعتمد في أفغانستان على الإنتاج الحرفي، ونسعى للحفاظ على الهوية الثقافية للبلاد، ولهذا السبب أدرجت اليونسكو هذه الحرفة ضمن قائمة التراث. ويتميز الحرير الأفغاني بجودته الطبيعية، ونسجه اللامع والمتين”.
شهدت مهنة تربية دودة القز في أفغانستان انتعاشًا خلال السنوات الأخيرة، بفعل عوامل اقتصادية واجتماعية، وجهود المنظمات الدولية والمحلية. وقد عاد كثير من الشباب الذين فقدوا وظائفهم بعد انسحاب القوات الأجنبية وسقوط الحكومة السابقة إلى هذا القطاع الحيوي.
ويقول خبير تربية دودة القز عبد الحكيم باركزاي: “في ولاية هرات، زاد اهتمام الشباب بتربية دودة القز بنسبة 60%.
وتعود الأسباب إلى كونها مصدر دخل ثابت للعائلات الفقيرة، وارتفاع الطلب على الحرير المحلي، بالإضافة إلى تحسن الوضع الأمني، مما سمح بالتنقل داخل المناطق الريفية حيث تنتشر أشجار التوت”.
ويضيف غلام رباني، مدير قسم صناعة الحرير: “إن الصناديق الحديثة التي وفّرتها مؤسسة أجنبية للمزارعين قد حققت نتائج جيدة، وكل قرية قد تحتاج إلى ما بين 400 و500 صندوق لتربية دودة القز، إذا توفرت الظروف المناسبة”.
ويؤكد أن صناعة الحرير لم تعد في حالة ركود، بل زادت إيراداتها بنسبة تتراوح بين 60% و70% مقارنة بالسنوات الماضية، إلا أن دخول البضائع الأجنبية إلى السوق المحلية لا يزال يعرقل نمو المبيعات. ويطالب رباني السلطات الأفغانية بمنع استيراد الأقمشة الأجنبية، لإعطاء فرصة لصناعة الحرير الوطنية كي تنمو وتُصدّر إنتاجها.
