لطالما اعتمد العلماء على الحديد المحفوظ في الصخور القديمة لإعادة بناء قصة التحولات التي شهدتها محيطات الأرض وغلافها الجوي، خصوصًا كيفية تحولهما إلى بيئات غنية بالأكسجين.
لكن دراسة جديدة تشير إلى أن الحديد يحتفظ بسجل أوسع بكثير من تاريخ كوكب الأرض، إذ يكشف أيضًا عن تحولات كبرى أخرى، من بينها نشوء سلاسل الجبال وظهور النباتات على اليابسة وانتشارها.
ووجد الباحث دالتون هارديستي من جامعة ولاية ميشيجان وزملاؤه أن التغيرات المسجلة في دورة الحديد على الأرض تعكس مجموعة من التحولات التي طرأت على سطح الكوكب، وليس فقط التغيرات في مستويات الأكسجين.
وتوفر هذه النتائج طريقة أكثر دقة لفهم أكثر من مليار عام من تاريخ الأرض، كما يمكن أن تساعد العلماء في دراسة الكيفية التي قد يعيد بها تغير المناخ تشكيل الكوكب مستقبلًا.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences.
وقال هارديستي، الأستاذ المساعد المتميز في عمليات التغير العالمي بجامعة ولاية ميشيجان، وأحد مؤلفي الدراسة، إن دورة الحديد لا تزال تحمل معلومات جديدة يمكن الاستفادة منها، موضحًا أن السجل الجيولوجي قد يعكس وصول الحديد من اليابسة، بما يوفر معلومات إضافية حول التغيرات التي طرأت على سطح الأرض وعمليات التجوية وانتشار النباتات البرية.
من الحديد إلى الأكسجين
على مدار معظم تاريخ الأرض، كانت محيطاتها غنية بالحديد المذاب.
وفي ظل غياب الأكسجين، كان الحديد المذاب يتفاعل مع الكبريت لتكوين معدن البيريت، المعروف باسم «ذهب المغفلين» بسبب مظهره اللامع الشبيه بالذهب.
ومع ظهور الكائنات البحرية الدقيقة القديمة، بدأت هذه الكائنات في إطلاق الأكسجين باعتباره ناتجًا ثانويًا لعملية البناء الضوئي.
وتفاعل الأكسجين بدوره مع الحديد المذاب، ما أدى إلى تكوين الهيماتيت، وهو أحد معادن الحديد المهمة.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك التكوينات الحديدية المتطبقة المنتشرة في منطقة البحيرات العظمى، ولا سيما في أجزاء من ولايتي ميشيجان ومينيسوتا.
ويعتمد علماء الجيولوجيا على السجل المحفوظ في الصخور، ويستخدمون الانتقال من البيريت إلى الهيماتيت بوصفه مؤشرًا على الفترة التي بدأت فيها المحيطات، ثم الغلاف الجوي، في اكتساب كميات أكبر من الأكسجين.
الجبال والنباتات تدخلان إلى القصة
ركز هارديستي وزملاؤه من جامعة هامبورج في ألمانيا والمعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ (ETH Zurich) على دراسة دورة الحديد على سطح الأرض.
ولإعادة بناء سجل الحديد خلال فترة واسعة من التاريخ الجيولوجي الحديث نسبيًا، امتدّت إلى نحو 1.2 مليار عام، وسّع الفريق قاعدة البيانات التي جمعها مشروع الجيوكيمياء الرسوبية والبيئات القديمة.
وكشفت عملية التحليل عن نتيجتين لافتتين.
الأولى أن القارات أدت دورًا مهمًا، لكنه لم يحظَ بالتقدير الكافي سابقًا، في نقل الحديد إلى المحيطات.
أما الثانية فتتمثل في أن البيريت الناتج عن الحديد القادم من القارات كان له دور مهم في عملية زيادة الأكسجين على الأرض.
وأوضح هارديستي أن الحديد الذي تتبعه الباحثون كان يسجل تغيرات تتجاوز التغيرات في مستويات الأكسجين داخل المحيطات، وهي الوظيفة التي استخدمت سجلات الحديد لفهمها في السابق.
وأكد أن الهدف لم يكن التخلي عن الأداة العلمية المستخدمة، وإنما إضافة مكون جديد إليها لتوسيع نطاق استخدامها واستخلاص معلومات إضافية.
متى أصبحت اليابسة مؤثرة في دورة الحديد؟
في أقدم الفترات التي تناولتها الدراسة، وجد الباحثون أن النظرية التقليدية لا تزال صحيحة إلى حد كبير.
فقد كان سجل الحديد في الرواسب البحرية يتأثر أساسًا بالظروف منخفضة الأكسجين، بينما بدأت عوامل أخرى في اكتساب أهمية أكبر في مراحل لاحقة من تاريخ الأرض.
وفي تلك المرحلة، أصبح أسلوب وصول الحديد إلى المحيطات عاملًا رئيسيًا في تفسير التغيرات التي طرأت على السجل الجيولوجي.
ووجد الفريق أن الارتفاعات الكبيرة في كميات الحديد المسجلة تتزامن مع أحداث رئيسية لبناء الجبال خلال آخر 500 مليون عام.
كما أظهرت النتائج أن أحداثًا بارزة غيّرت سطح الأرض، ومن بينها أحداث بناء الجبال الفاريسية التي أسهمت في تكوين قارة بانجيا العظمى (Pangea)، تزامنت مع ارتفاعات واضحة في دورة الحديد.
وبحسب هارديستي، أدى تغير الارتفاعات على سطح الأرض، بالتزامن مع وجود الأكسجين في الغلاف الجوي، إلى زيادة شدة عمليات التجوية التي تعرضت لها الصخور الغنية بالحديد الموجودة على سطح الكوكب.
وتؤدي التجوية إلى تفكك الصخور والمعادن نتيجة تعرضها للعوامل الجوية والمياه وغيرها من العمليات الطبيعية، وهو ما يساعد على تحرير العناصر التي تحتوي عليها الصخور ونقلها عبر البيئة.
النباتات سرّعت وصول الحديد إلى المحيطات
لم تكن الجبال وحدها العامل المؤثر في دورة الحديد، إذ أدى ظهور النباتات وانتشارها على اليابسة إلى تسريع انتقال الحديد بطرق متعددة.
وأوضح هارديستي أن جذور النباتات تطلق مواد كيميائية تساعد على تفكيك الصخور والرواسب، ما يؤدي إلى تحرير الحديد الموجود بداخلها.
كما تعمل النباتات على تثبيت الرواسب الموجودة في قيعان الجداول والمجاري المائية، ما يمنح الحديد وقتًا أطول للتفاعل مع الأكسجين وتكوين معادن أكاسيد الحديد.
ويمكن لهذه المعادن أن تنتقل في نهاية المطاف إلى المحيطات، وبذلك تصبح النباتات البرية جزءًا مهمًا من سلسلة العمليات التي تتحكم في انتقال الحديد من اليابسة إلى البحار.
ماذا يخبرنا الحديد عن مستقبل الأرض؟
لا تقتصر أهمية النتائج على فهم التاريخ الجيولوجي للكوكب، إذ يرى الباحثون أن فهم العوامل التي شكلت دورة الحديد في الماضي يمكن أن يساعد العلماء على تفسير كيفية استجابة الأرض للتغيرات البيئية المستقبلية.
وقال هارديستي إن الحديد لا يزال أداة مهمة لفهم الماضي، مشيرًا إلى أن النتائج الجديدة ستساعد الباحثين من خلال توسيع الأدوات التي يمكن استخدامها لدراسة كيفية تأثير تغير المناخ في كوكب الأرض.
وبذلك، لا يعود الحديد مجرد مؤشر على التحول التاريخي من محيطات فقيرة بالأكسجين إلى محيطات أكثر غنى به، وإنما يصبح سجلًا متعدد الأبعاد لتغيرات سطح الأرض، يكشف آثار بناء الجبال، وتجوية الصخور، وانتشار النباتات، وحركة العناصر بين اليابسة والمحيطات.
وتشير الدراسة إلى أن قراءة هذا السجل بصورة أوسع قد تمنح العلماء فهمًا أدق للتفاعلات المعقدة بين الغلاف الجوي واليابسة والمحيطات والحياة، وكيف ساهمت هذه العناصر مجتمعة في تشكيل الكوكب الذي نعيش عليه اليوم.
