محارة عملاقة احتفظت بمذكرات مناخية لـ30 عامًا.. ماذا كشفت عن حرارة الحاجز المرجاني العظيم؟

صدفة محارة تكشف تقلبات النينيو والنينيا ودرجات حرارة البحار قبل الاحترار العالمي

داخل صدفة محارة عملاقة عاشت في مياه الحاجز المرجاني العظيم بأستراليا قبل أكثر من قرنين، عثر علماء على سجل طبيعي يوثق تغيرات درجات حرارة البحر وأنماط الرطوبة والجفاف على مدار نحو 30 عامًا، مقدمًا نافذة نادرة على مناخ المنطقة قبل انتشار الاحترار المرتبط بالنشاط الصناعي.

وتشير الدراسة إلى أن مياه منطقة «جيجورو» (Jiigurru)، المعروفة أيضًا باسم مجموعة جزر ليزارد، كانت أبرد خلال الصيف بنحو 0.9 إلى 1.2 درجة مئوية مقارنة بالفترة الحديثة التي تتوافر عنها قياسات مباشرة، بينما كانت درجات الحرارة الشتوية متقاربة إلى حد كبير.

ولا تقتصر أهمية الاكتشاف على إعادة بناء درجات الحرارة القديمة؛ إذ كشفت التحليلات أيضًا عن تقلبات بين فترات أكثر دفئًا وجفافًا وأخرى أبرد وأكثر رطوبة، تتوافق مع أنماط شبيهة بظاهرتي النينيو والنينيا، ما يساعد العلماء على فهم التغيرات المناخية الطبيعية في المناطق الاستوائية من نصف الكرة الجنوبي.

أجرى الدراسة باحثون بقيادة بوهاو دونغ من جامعة ملبورن، بالتعاون مع إيمي برندرغاست من الجامعة نفسها، وشون أولم من جامعة جيمس كوك، وباحثين آخرين. ونُشرت النتائج في دورية Global and Planetary Change .

حرارة الحاجز المرجاني العظيم

صدفة تسجل المناخ يومًا بعد يوم

تنتمي المحارة التي خضعت للدراسة إلى النوع Tridacna gigas، المعروف باسم المحار العملاق، وهو أكبر أنواع ذوات المصراعين الحية في العالم.

ويمكن أن يصل عرض أفراده إلى نحو 1.2 متر، بينما يتجاوز وزنها 200 كيلوجرام.

وخلال نمو المحارة، تتكون في صدفتها خطوط دقيقة يومية، إلى جانب نطاقات أوسع تعكس التغيرات الموسمية، على نحو يشبه حلقات نمو الأشجار.

وتوفر هذه الخطوط تسلسلًا زمنيًا يمكن للباحثين استخدامه لتحديد توقيت التغيرات التي سجلتها كيمياء الصدفة.

وتعكس العناصر والنظائر الكيميائية التي تدخل في طبقات الصدفة خصائص المياه المحيطة بالمحارة أثناء نموها.

ومن خلال تحليل هذه البصمات وربطها بخطوط النمو، يستطيع العلماء إعادة بناء بعض الظروف البيئية التي سادت في الماضي، حتى في الفترات التي لم تكن فيها أجهزة قياس درجات الحرارة موجودة.

وصف الباحثون الصدفة بأنها أشبه بمذكرات ذاتية للحياة اليومية للمحارة؛ فالخطوط تحدد توقيت النمو، بينما تحمل التركيبة الكيميائية معلومات عن البيئة البحرية التي عاشت فيها.

حرارة الحاجز المرجاني العظيم

نحو 10,900 خط نمو و784 عينة دقيقة

عثر الفريق على الصدفة في بحيرة ساحلية بمنطقة جيجورو، وبلغ طولها نحو 58 سنتيمترًا.

وتكتسب المنطقة أهمية ثقافية كبيرة لدى مجتمعي دينجال ونجورومونجو من السكان الأصليين في أستراليا، كما تشير بقايا الأصداف والمخلفات الأثرية فيها إلى وجود بشري يعود إلى ما لا يقل عن 6500 عام.

وأُنجز البحث بالشراكة مع مؤسسة والُمبار للسكان الأصليين ومؤسسة نجورومونجو للسكان الأصليين.

وباستخدام التأريخ بالكربون المشع، قدّر الباحثون أن المحارة عاشت في الفترة الممتدة تقريبًا بين عامي 1785 و1827، قرب نهاية العصر الجليدي الصغير، وهي فترة شهدت تبريدًا إقليميًا وعالميًا متفاوتًا قبل الاحترار الصناعي الحديث.

وعند فحص الصدفة تحت المجهر، أحصى الباحثون نحو 10,900 خط نمو يومي، بما يتفق مع عمر يقارب 30 عامًا.

بعد ذلك، حفر الفريق 784 ثقبًا دقيقًا في طبقات الصدفة، وجمع عينات مسحوقية لتحليل نظائر الأكسجين والكربون.

واستخدم الباحثون بيانات الأكسجين لتقدير درجات حرارة مياه البحر، بينما استعانوا بإشارات الكربون لاستنتاج التغيرات النسبية في الظروف الرطبة والجافة.

وأتاح الجمع بين هذه القياسات والتسلسل اليومي لخطوط النمو بناء صورة شهرية تقريبًا عن مناخ المنطقة خلال حياة المحارة.

صيف أبرد بنحو درجة مئوية

عند مقارنة السجل القديم بقياسات درجات حرارة المياه في البحيرة نفسها خلال الفترة من 1995 إلى 2015، وجد الباحثون أن المياه قبل نحو 225 عامًا كانت أبرد بنحو 0.6 إلى 0.9 درجة مئوية على مدار العام.

وكان الفرق أكثر وضوحًا خلال الصيف؛ إذ تراوحت درجات الحرارة القديمة بين 0.9 و1.2 درجة مئوية أقل من نظيرتها في الفترة الحديثة المستخدمة للمقارنة. أما الشتاء، فلم يُظهر اختلافًا كبيرًا.

وتختلف الحدود الدقيقة لهذه التقديرات بحسب طريقة معالجة التغيرات الموسمية في ملوحة مياه البحر، وهو عامل يؤثر في تفسير بعض الإشارات الكيميائية داخل الصدفة.

وتكتسب الفروق الصيفية أهمية خاصة لأن ارتفاع حرارة مياه البحر خلال الصيف من العوامل الأساسية التي قد تؤدي إلى ابيضاض الشعاب المرجانية، عندما تطرد الشعاب الطحالب التكافلية التي توفر لها جزءًا كبيرًا من غذائها وتمنحها ألوانها.

وقد شهد الحاجز المرجاني العظيم في السنوات الأخيرة أحداث ابيضاض واسعة النطاق، ما يجعل فهم درجات الحرارة السابقة والتقلبات الطبيعية في المناخ البحري عنصرًا مهمًا لتفسير الضغوط التي تتعرض لها الشعاب اليوم.

لكن الدراسة لا تعني أن اختلاف درجات الحرارة وحده يفسر حالة الشعاب المرجانية الحالية؛ إذ تتداخل الحرارة مع عوامل أخرى، من بينها جودة المياه والتلوث والضغوط البشرية.

حرارة الحاجز المرجاني العظيم

المحارة تكشف سنوات الرطوبة والجفاف

أظهر السجل الكيميائي أن المحارة احتفظت بمعلومات تتجاوز درجات الحرارة.

فقد أتاحت إشارات الكربون تتبع التحولات النسبية بين الفترات الأكثر رطوبة والأكثر جفافًا.

كما كشفت البيانات عن تقلبات حرارية حدثت في دورات امتدت من سنتين إلى ثلاث سنوات، بما يتوافق مع أنماط شبيهة بتأثير ظاهرتي النينيو والنينيا في المناخ الإقليمي.

وظهرت السنوات الأكثر دفئًا وجفافًا، المشابهة لظروف النينيو، بوتيرة أكبر قرب نهاية القرن الثامن عشر.

وفي أوائل القرن التاسع عشر، أصبحت الظروف الأبـرد والأكثر رطوبة، الشبيهة بالنينيا، أكثر تكرارًا، بما في ذلك بعض أقوى الأحداث التي سجلتها المحارة.

وتوضح هذه النتائج أهمية الاحتفاظ بالتفاصيل الزمنية عند دراسة المناخ القديم؛ فالمتوسط السنوي وحده قد يخفي التغيرات التي تحدث من سنة إلى أخرى، أو التناوب بين فترات مناخية مختلفة.

وتؤثر ظاهرتا النينيو والنينيا في درجات الحرارة وأنماط هطول الأمطار والدوران الجوي والمحيطي على نطاق واسع، لكن تأثيرهما يختلف من منطقة إلى أخرى.

لذلك، فإن توافق السجل مع أنماط شبيهة بهاتين الظاهرتين يقدم قرينة مناخية، وليس دليلًا على أن كل تغير سجلته المحارة نتج عنهما وحدهما.

قطعة من تاريخ مناخ نصف الكرة الجنوبي

حرارة الحاجز المرجاني العظيم

تأتي أهمية الدراسة أيضًا من النقص النسبي في السجلات المناخية عالية الدقة التي توثق الظروف السابقة للتصنيع في المناطق الاستوائية من نصف الكرة الجنوبي.

فكثير من الأدلة التفصيلية المتاحة عن المناخ القديم يأتي من نصف الكرة الشمالي والمناطق الواقعة عند خطوط العرض العليا.

وتتوافق قصة المحارة مع مؤشرات أخرى من الأرشيفات الطبيعية؛ إذ تشير سجلات مرجانية من مناطق أخرى في الحاجز المرجاني العظيم وشمال غرب أستراليا إلى مياه أبرد أو تغيرات في ظروف المحيط، بينما تُظهر سجلات الجليد في القارة القطبية الجنوبية تغيرات في التبريد والدوران الجوي والمحيطي.

كما سجلت مرجانيات جزر جالاباغوس تكرارًا لظروف النينيا في أوائل القرن التاسع عشر.

وعند جمع هذه الأدلة، تتكون صورة أوسع للتغيرات المناخية التي شهدها نصف الكرة الجنوبي في تلك الفترة، ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن التبريد لم يكن حدثًا موحدًا في جميع المناطق؛ فقد كان مقدار الانخفاض في درجات الحرارة عند جيجورو أقل من تقديرات سُجلت في أجزاء عديدة من نصف الكرة الشمالي.

وتساعد هذه الفروق العلماء على تجنب افتراض أن الفترات المناخية التاريخية أثرت بالطريقة نفسها في جميع أنحاء العالم.

حرارة الحاجز المرجاني العظيم

حدود السجل.. محارة واحدة لا تمثل المحيط كله

على الرغم من الدقة الزمنية التي يوفرها السجل، فإنه يعود إلى محارة واحدة عاشت في بحيرة ساحلية واحدة، ولا يغطي سوى نحو ثلاثة عقود.

لذلك، لا يمكن اعتباره وصفًا شاملًا لمناخ الحاجز المرجاني العظيم بأكمله أو للمحيط الهادئ الاستوائي.

كما تعتمد تقديرات التبريد على افتراضات تتعلق بكيمياء مياه البحر، في حين تقدم إشارات الكربون دليلًا تقريبيًا على الفترات الأكثر رطوبة أو جفافًا، وليس قياسًا مباشرًا ودقيقًا لكميات الأمطار.

ولا تزال هناك حاجة إلى تحليل أصداف أخرى من الشعاب المرجانية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، للتحقق من مدى انتشار الأنماط المناخية التي ظهرت في السجل الجديد، وفهم الاختلافات بين المواقع.

ويرى الباحثون أن أصداف المحار العملاق قد تخفي سجلات مناخية إضافية لم تُستكشف بعد، يمكن أن تسد بعض الفجوات في فهم مناخ الماضي.

وتبرز الدراسة كيف يمكن لكائن بحري أن يتحول إلى أرشيف طبيعي بالغ الدقة، يحتفظ بتفاصيل عن درجات الحرارة والتغيرات البيئية عبر الزمن، ويمنح العلماء وسيلة إضافية لفهم المناخ الذي سبق الاحترار الصناعي، ومقارنة تقلباته الطبيعية بالتغيرات التي يشهدها العالم اليوم.

↑
Exit mobile version